
التمدد التركي في سوريا… هل هو مقدمة لعودة الاحتلال العثماني بجنسية تركية؟
كتب أحمد سمير
منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، تحولت تركيا من دولة مجاورة تتابع الأحداث عن قرب إلى لاعب رئيسي يمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واسعًا داخل الأراضي السورية، فمع توالي العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، وإنشاء مناطق نفوذ مباشرة، وإدارة قطاعات خدمية وتعليمية واقتصادية، تصاعدت تساؤلات عديدة حول طبيعة المشروع التركي الحقيقي في المنطقة،وبينما تؤكد أنقرة أن وجودها العسكري يهدف إلى حماية أمنها القومي ومنع قيام كيان كردي على حدودها الجنوبية، يرى منتقدوا السياسة التركية أن ما يحدث يتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية، ليعكس محاولة لإحياء نفوذ عثماني جديد بصيغة معاصرة، يستند إلى القوة الناعمة والوجود العسكري والتأثير الاقتصادي والثقافي.
فمع سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تشكل المشهد الجيوسياسي في سوريا بشكل جذري، انسحبت روسيا وإيران إلى حد كبير تاركتين فراغًا استراتيجيًا، بينما برزت تركيا كلاعب رئيسي يسعى لتحقيق أهدافه الأمنية.
هذا التحول أثار تساؤلات عميقة، ليس فقط حول طبيعة الوجود التركي منذ عملية درع الفرات في 24 أغسطس 2016، قامت ببناء كل مقومات الدولة البديلة،و”غصن الزيتون” (2018) و”نبع السلام” (2019) تحت ذريعة مكافحة الإرهاب (داعش والوحدات الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني PKK)، لكنها أدت إلى سيطرة تركية مباشرة أو غير مباشرة على مناطق واسعة.
اليوم، مع سيطرة هيئة تحرير الشام (HTS) بقيادة أحمد الشرع (الجولاني سابقاً) على دمشق، أصبحت تركيا اللاعب الأبرز في الملف السوري: تدريب الجيش السوري، دعم اقتصادي، مشاريع طاقة، ونفوذ عسكري، يثير هذا التساؤل حول ما إذا كان التمدد مقدمة لـ”عودة عثمانية” بصيغة تركية قومية-إسلامية، أم أنه سياسة واقعية (Realpolitik) تهدف إلى أمن الحدود، منع قيام كيان كردي، وتعزيز النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي.

التاريخ يذكرنا بأن سوريا كانت جزءاً من الإمبراطورية العثمانية لأكثر من 400 عام، ويستخدم الخطاب التركي الداخلي رموزاً عثمانية لتعزيز الشعور بالاستمرارية، لكن الواقع يشير إلى مزيج من الدوافع الأمنية والاقتصادية والإيديولوجية، لا إلى احتلال استعماري تقليدي.
Jns إدارة مدنية تتبع الولاة الأتراك، شرطة مدربة في تركيا، بريد تركي، عملة تركية، مدارس تركية، وجامعات تركية، المشهد الذي يصفه المراقبون بدقة، طلاب يتعلمون التركية وقوات شرطة مدربة على أيدي أتراك ومكاتب بريد بناها أتراك، هو ليس نفوذا، بل هو احتلال موصوف المتصاعد، بل حول ما إذا كان هذا التمدد يمثل إحياءً ضمنيًا للطموحات العثمانية في المنطقة، فبينما تتحدث أنقرة عن مكافحة الإرهاب وحماية حدودها، يراقب المراقبون والإقليميون هذا التوسع بقلق، متسائلين: هل نحن أمام “عثمانية جديدة” تلبس عباءة الجمهورية التركية الحديثة؟
هل الوجود العسكري التركي في سوريا وجود مؤقت أم قاعدة لاحتلال دائم؟
الوجود العسكري: من درع الفرات إلى القواعد الدائمة
الخطاب التركي الرسمي كان دائما يتحدث عن عمليات محدودة، لكن الوقائع تقول إن تركيا لم تنسحب من أي نقطة دخلتها،بعد 2016 رممت 593 مدرسة وحدها في مناطق درع الفرات لتثبيت وجودها المدني لـ 194 ألف طالب، هذا ليس عمل جيش عابر، هذا عمل سلطة احتلال تؤسس لبقاء طويل، القواعد العسكرية التركية التي تحيط بإدلب وحلب تحولت إلى مدن عسكرية محصنة، ووجودها لم يعد مرتبطا بتهديد تنظيم الدولة بل بضمان عدم عودة الدولة السورية إلى تلك المناطق.
هل يمثل التمدد التركي في سوريا إحياءً للإمبراطورية العثمانية، أم رد فعل دفاعي ضد تهديدات أمنية حقيقية مثل PKK وتدفق اللاجئين؟
التمدد ليس عودة حرفية للاحتلال العثماني، بل مزيجاً، تركيا لديها مخاوف أمنية مشروعة من PKK/YPG على حدودها، وقد أدت عملياتها إلى تقليل سيطرة داعش ومنع تواصل الكانتونات الكردية، ومع ذلك، يستخدم أردوغان ومسؤولون مثل وزير الداخلية مصطفى جفتجي خطاباً يربط دمشق وحلب بالتاريخ العثماني، ويصل إلى حد التلميح بـ”تحرير القدس، هذا يعكس – كأداة داخلية لتعبئة الرأي العام، لكنه يثير مخاوف عربية من “استعمار جديد”.
ما هي أدوات التتريك الناعم التي تستخدمها أنقرة لتغيير هوية الشمال السوري؟
أدوات التتريك: العملة والبريد والهوية
الاحتلال الحقيقي لا يبدأ بالدبابة، بل بمحفظة المواطن. في عام 2020 أعلنت حكومة الإنقاذ المرتبطة بتركيا بدء تداول العملة التركية وحظر التعامل بالليرة السورية. هذه هي الخطوة الأخطر في أي مشروع استعماري، فصل الاقتصاد المحلي عن المركز وربطه بالمركز الجديد في أنقرة. عندما يدفع المواطن بالليرة التركية ويستلم راتبه بها ويشتري خبزه بها، فقد أصبح اقتصاديا مواطنا تركيا. أضف إلى ذلك مكاتب البريد التركي PTT التي تصدر الوثائق، وإشارات المرور التركية، والسجل المدني الذي يدار من عنتاب.
ما المقصود بمفهوم “العثمانية الجديدة” الذي يُستخدم لوصف السياسة التركية؟
يشير مصطلح “العثمانية الجديدة” إلى توجه سياسي وفكري برز خلال العقود الأخيرة، يقوم على استعادة تركيا لدورها الإقليمي والدولي عبر توظيف الإرث التاريخي والثقافي للإمبراطورية العثمانية.
ولا يعني ذلك بالضرورة إعادة الاحتلال العسكري المباشر، بل السعي إلى بناء دوائر نفوذ سياسية واقتصادية وثقافية تمتد إلى مناطق كانت خاضعة للحكم العثماني سابقًا، مثل سوريا والعراق والبلقان وشمال أفريقيا.
ويعتبر بعض الباحثين أن سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعكس جانبًا من هذا التصور، فيما تنفي أنقرة باستمرار وجود أي مشروع توسعي.
لماذا تعتبر سوريا ساحة استراتيجية بالغة الأهمية بالنسبة لتركيا؟
تمثل سوريا أهمية استثنائية لتركيا لعدة أسباب:
حماية الحدود الجنوبية الممتدة لمئات الكيلومترات.
منع تشكل كيان كردي مستقل قد يشجع النزعات الانفصالية داخل تركيا.
تأمين النفوذ التركي في شرق المتوسط.
تعزيز الدور الإقليمي لأنقرة في مواجهة القوى المنافسة.
إدارة ملف اللاجئين السوريين وتأثيراته الداخلية.
توسيع النفوذ الاقتصادي والتجاري التركي.
لذلك، تنظر أنقرة إلى الملف السوري باعتباره قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، وليس مجرد أزمة خارجية.
ما المؤشرات التي تدفع البعض للحديث عن مشروع تركي طويل الأمد داخل سوريا؟
يستند هذا الطرح إلى عدد من المؤشرات، من أبرزها:
استمرار الوجود العسكري التركي رغم تغير موازين القوى.
إنشاء مؤسسات خدمية وتعليمية مرتبطة بالإدارة التركية.
استخدام الليرة التركية في بعض المناطق الشمالية.
ربط البنية التحتية والاقتصاد المحلي بالسوق التركية.
توسيع النفوذ الثقافي والإعلامي.
بناء قواعد ونقاط مراقبة دائمة.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن هذه الإجراءات تتجاوز التدخل الأمني المؤقت، لتؤسس لنفوذ مستدام.
هل يمكن وصف ما يحدث بأنه “عودة للاحتلال العثماني”؟
يظل هذا الوصف محل جدل سياسي وأكاديمي واسع، فمفهوم الاحتلال التقليدي يرتبط بالضم الرسمي والسيطرة المباشرة على الأراضي، وهو أمر لم تعلنه تركيا حتى الآن.
في المقابل، يرى منتقدو أنقرة أن السيطرة العسكرية والإدارية والاقتصادية على أجزاء من شمال سوريا تمثل نموذجًا حديثًا للنفوذ الإمبراطوري، وإن اختلفت الأدوات عن حقبة الدولة العثمانية.
أما الجانب التركي، فيؤكد أن وجوده مؤقت ومرتبط فقط بمتطلبات الأمن القومي ومكافحة التنظيمات المسلحة.
كيف تحول التعليم واللغة إلى سلاح استراتيجي في مشروع العثمنة الجديدة؟
التعليم واللغة: مصنع المواطن التركي الجديد
هنا يكمن جوهر مشروع العثمنة بجنسية تركية. تركيا لا تريد أرضا فارغة، تريد جيلا جديدا يتحدث التركية ويدين بالولاء الثقافي لها. معهد يونس إمره، الذراع الثقافي للاستخبارات الناعمة التركية، نشر مراكزه في أعزاز عام 2020 ثم الباب ثم عفرين، ويهدف وفق رئيسه لتعليم 300 ألف سوري اللغة التركية وإدماجهم في الثقافة التركية.
الأسلوب أكثر خبثا في المخيمات. معهد يونس إمره عرض دعما ماديا نقديا وجوائز للطلبة شريطة أن يتم تدريس اللغة التركية بشكل رئيسي للطلبة الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و12 سنة. أنت تستهدف الطفل في سن تشكيل الوعي، وتستغل فقره وجوعه لتنزع عنه عروبته. والنتيجة جيل كامل سيطلب الجنسية التركية بنفسه بعد سنوات لأنه لا يعرف غيرها.

ماذا يعني اندماج الجيش السوري الجديد في المنظومة العسكرية التركية؟
عسكرة التبعية: تفريغ السيادة السورية من الداخل
التطور الأخطر بعد سقوط نظام الأسد هو ما أعلنته أنقرة مؤخرا. وزارة الدفاع التركية أعلنت أن وحدات محددة من الجيش السوري بدأت التدريب العسكري باستخدام ثكنات وميادين تابعة للقوات المسلحة التركية، وأن 49 طالبا سوريا سيبدأون الدراسة في أكاديميات عسكرية تركية برية وجوية وبحرية.
هذا ليس تعاونا، هذا إعادة هيكلة للعقيدة العسكرية. عندما يتدرب الضابط السوري في ثكنة تركية ويتخرج من كلية حربية تركية، فعقيدته القتالية وولاؤه الاستراتيجي سيكون لتركيا. أنقرة لا تساعد في بناء جيش سوري وطني، بل تبني فيلقا عثمانيا جديدا بلباس سوري، مهمته حماية المصالح التركية داخل سوريا.
هل سيناريو لواء إسكندرون يتكرر اليوم في أعزاز والباب وعفرين؟
سيناريو لواء إسكندرون المكرر
ما يحدث هو نسخة طبق الأصل من سيناريو لواء إسكندرون عام 1939. نفس المراحل، تسهيل دخول، تتريك التعليم والإدارة، تغيير العملة، ثم استفتاء شكلي أو أمر واقع يفرض الضم. النقاد الذين يتهمون أنقرة بامتلاك تطلعات استعمارية جديدة في شمال سوريا محقون تماما، فالمعطيات على الأرض تقول إن الدور التركي يتنامى باطراد ليصبح دولة داخل الدولة.
يبقى التمدد التركي في سوريا أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الشرق الأوسط، لأنه يتجاوز البعد العسكري المباشر ليشمل اعتبارات التاريخ والهوية والجغرافيا السياسية وموازين القوى الإقليمية.
وبين من يرى في التحركات التركية مشروعًا لإحياء النفوذ العثماني بصيغة حديثة، ومن يعتبرها استجابة ضرورية لمتطلبات الأمن القومي التركي، تظل الحقيقة مرهونة بمآلات الأزمة السورية نفسها وبقدرة القوى الإقليمية والدولية على صياغة نظام جديد للتوازنات في المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تسعى تركيا إلى بناء نفوذ مؤقت تفرضه ظروف الحرب، أم أنها ترسم بالفعل حدود مرحلة جديدة من “العثمانية السياسية” في الشرق الأوسط؟



