نتنياهو يعلن شعاره رسمياً “اقتلهم أولاً” فرضاً للعقيدة الأمنية الإسرائيلية مستنداً إلى التلمود لتبرير الإبادة

من التلمود إلى البروتوكولات، هل الرسالة التالية موجهة إلى مصر بعد غزة ولبنان وإيران؟ وإعلان عدم اعتماده على أميركا ولا سلام إلا سلام المقابر

كتب أحمد سمير
ألقى نتنياهو في 23 يونيو 2026 خطابًا في مؤتمر نظمته وكالة الأخبار اليهودية في القدس المحتلة، أعلن فيه تغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية لتقوم على “المبادرة والضرب الاستباقي”. واستشهد بعبارة تلمودية: “هابا ليهورغيخا هاشكيم ليهورغو”، والتي تعني: “إذا جاء أحد ليقتلك، فانهض مبكرًا واقتله أولاً”.
هذا وجاءت تصريحاته في سياق متصاعد، حيث أعلن في وقت لاحق عن “إنجاز تاريخي” مع لبنان، وتدمير 90% من صواريخ حزب الله، والسيطرة على 70% من غزة، ودعا إلى تحرير إسرائيل من الاعتماد على الولايات المتحدة في التسلح.
مرة أخرى، يكشف بنيامين نتنياهو عن وجه المشروع الصهيوني الذي لا يختلف جوهره عما خطط له “حكماء صهيون” قبل أكثر من قرن، ففي خطابه ،قد إتخذ من التلمود مرجعية دينية لتبرير سياسة القتل الاستباقي، ومؤكدًا أن إسرائيل لن تنتظر حتى يُقدم أحد على قتلها، بل ستبادر هي بقتله أولا،السؤال الذي يفرض نفسه: هل هذه مجرد خطابات انتخابية، أم أنها إعلان حرب مفتوح على الجوار العربي، ومصر على رأس القائمة؟
وقد أثارت الكلمات التى أطلقها رئيس الوزراء الاسرائيلي انقساما حتى داخل الأوساط اليهودية، صفحة “صوت الحاخامات” كتبت أن نتنياهو “لا يؤمن بالله ولا بتوراته ولا بتعاليم التلمود”، والحاخام الأمريكي يعقوب شابير وصف ادعاء إسرائيل تمثيل يهود العالم بأنه “وهمي وبغيض وغير أخلاقي”، ناشطون رأوا أن التصريحات تكشف “طبيعة الخطاب السياسي الإسرائيلي وأهدافه الإقليمية، طموحات تتجاوز حدود فلسطين”، فيما وصفه آخرون بأنه “مجرم حرب” و”مهووس بالإبادة”.
ويعتبر خطاب نيتنياهو، هو الأكثر دموية وتطرفاً في تاريخه، وإعلان حرب مفتوحة ضد كل جيرانها، وإعلان إفلاس أخلاقي وقانوني لدولة تأسست على العنصرية والإرهاب، إنه كشف حساب نهائي للعقلية الصهيونية التي لا تعرف لغة إلا لغة القتل الممنهج، ولا تؤمن بسلام إلا سلام المقابر.
هذا الإعلان هو تجسيد حي لبروتوكولات حكماء صهيون، خاصة في النقاط التالية :
البروتوكول الأول والسابع: يتحدثان عن “الحق في القوة”،مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” : البروتوكولات تدعو إلى استخدام كل الوسائل لتحقيق السيطرة، بما في ذلك العنف والخداع، نتنياهو يعلن صراحة أن القتل الاستباقي هو وسيلة مشروعة، متجاوزاً كل القوانين والأعراف الدولية.
البروتوكول السابع: ينص على إثارة الحروب والفوضى لإضعاف الدول المجاورة، بما يشبه الضربات الاستباقية المتكررة ضد فلسطين ولبنان وسوريا وإيران.
إثارة الفتن والصراعات الدائمة: البروتوكولات تنص على ضرورة إبقاء المنطقة في حالة من الفوضى والصراع لسهولة السيطرة عليها. هذا الإعلان هو بمثابة صب الزيت على النار في منطقة ملتهبة أصلاً، ويضمن استمرار حالة الحرب والتوتر.
البروتوكول الثاني والثالث: يصفان السيطرة على الحكومات والإعلام، واستخدام الدين/الفكر لتبرير التوسع، نتنياهو يستخدم التلمود ليُلبس العدوان ثوبًا “دينيًا-عقلانيًا”،نتنياهو يستخدم التلمود بشكل صريح لتقديم جرائم الحرب كأمر إلهي أو “استجابة عقلانية”، مما يضفي شرعية دينية مزيفة على الإبادة.
الإرهاب الفكري والمعنوي: البروتوكولات تدعو إلى بث الرعب في قلوب الأمم الأخرى. خطاب نتنياهو هو رسالة تهديد واضحة لكل من يعارض المشروع الصهيوني، مفادها أن إسرائيل ستبادر بقتل أي شخص تراه تهديداً، دون أي رادع أخلاقي أو قانوني.
كيف يعكس مبدأ “اقتلهم أولاً” جوهر العقيدة الصهيونية؟
هو تحول من الدفاع إلى العدوان الدائم، يبرر أي هجوم بـ”التهديد الوجودي”، مما يسمح بتبرير الاحتلال والتوسع، يحول إسرائيل إلى دولة هجومية دائمة، مستندة إلى تفسيرات دينية انتقائية، ويُعمق الصراع بدلاً من حله.
تصريحات نتنياهو تعكس حالة من الهستيريا الأمنية أكثر مما تعكس قوة، فالدولة التي تشعر بالأمان لا تحتاج إلى تغيير عقيدتها الأمنية فجأة، ولا إلى استشهاد بنصوص دينية لتبرير القتل، ما يحدث هو أن إسرائيل تواجه أزمات داخلية خانقة، ومحاكمات فساد، وانهيارًا في الردع بعد طوفان الأقصى، فكان لابد من خطاب تصعيدي لإلهاء الجمهور الإسرائيلي.
الخطاب يلغي شرط التهديد المباشر، عندما يصبح الشعار “نبادر ونهاجم ونفاجئ”، فإن أي ضربة، حتى من دون تفويض دولي، تتحول إلى سياسة معلنة، هذا يعيد إنتاج “مبدأ بيغن” الذي طبق في العراق 1981 وسوريا 2007.

كيف يفسر نتنياهو الجمع بين الادعاء بتدمير قدرات “الأعداء” وبين الاستمرار في الحديث عن “تهديدات وجودية”؟
هذا التناقض متعمد وليس عفوياً، فالحديث عن “النصر” و”تدمير الأعداء” موجه للداخل الإسرائيلي لتعزيز شعبية نتنياهو، أما الحديث عن “التهديدات الوجودية” فهو موجه للخارج لتبرير استمرار العدوان وطلب الدعم الغربي.

ما دلالة الاستناد إلى التلمود في خطاب سياسي حديث؟
يخلط بين الدين والسياسة لتعبئة الجمهور اليهودي، ويُقدم العدوان كـ”واجب أخلاقي”، هذا يعزز الرواية الاستثنائية لإسرائيل، لكنه يثير رفضًا دوليًا بسبب ما يُرى كتطرف ديني- عنصري، هذا تحول خطير في الخطاب الإسرائيلي، حيث يخرج نتنياهو عن الإطار السياسي،الأمني إلى الإطار الديني، محاولاً تدويل الصراع وتحويله من صراع على الأرض إلى صراع “وجودي” و”ديني” لا يقبل الحلول الوسطى،وهذا ما يتطابق مع رؤية “حكماء صهيون” في تحويل الصراع إلى صراع حضاري.
الاستدعاء الديني هو محاولة لتثبيت شرعية داخلية،نتنياهو يواجه تراجعا في شعبيته الأمريكية، وانقساما مع الحريديم، واتهامات بتقويض القانون، اللجوء إلى التلمود يمنحه غطاء أيديولوجيا للمتطرفين ويصور الحرب كواجب ديني لا كقرار سياسي.
هل هذا التصريح رد فعل على تهديدات حقيقية أم استراتيجية توسعية؟
مزيج من الاثنين، لكنه يُستخدم لتبرير استمرار الاحتلال والضربات في غزة ولبنان وسوريا وإيران، مما يُعيق أي تسوية سلمية ويُفاقم التوتر الإقليمي.
كيف سيتعامل المجتمع الدولي ومحكمة الجنايات الدولية مع دولة تعلن رسمياً تبنّي سياسة “القتل أولاً” كعقيدة أمنية، وهل يعتبر هذا دليلاً إضافياً على نية الإبادة الجماعية؟
من المفترض أن يشكل هذا الإعلان قنبلة قانونية في المحافل الدولية. إنه اعتراف رسمي من أعلى سلطة في إسرائيل بسياسة تتعارض مع المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة التي تشترط وجود “هجوم مسلح” لممارسة حق الدفاع عن النفس. هذا الإعلان يوسع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل “النية” أو “التهديد المحتمل”، وهو ما يفتح الباب أمام جرائم حرب لا حصر لها، لكن الواقع المرير يقول إن المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، سيواصل حماية إسرائيل من أي مساءلة.
ما هو موقف اليهود في العالم من هذا التطرف الذي يستخدم نصوصهم الدينية لتبرير جرائم حرب، وهل سيظلون صامتين أمام اختطاف دينهم لخدمة أجندة سياسية إجرامية؟
هذا الإعلان يضع يهود العالم في مأزق أخلاقي كبير. هناك أصوات معارضة مثل “صوت الحاخامات” والحاخام “يعقوب شابير” الذين يرفضون هذا التطرف ويعتبرون أن إسرائيل لا تمثلهم، لكن السؤال يبقى: هل ستكون هذه الأصوات كافية لمواجهة الآلة الدعائية الصهيونية التي تزج بالدين اليهودي في مستنقع الجرائم؟ الصمت هنا هو تواطؤ.
هل يعني هذا الإعلان أن إسرائيل ستشن حرباً استباقية على أي دولة في المنطقة تراها تشكل تهديداً، مثل إيران أو سوريا أو لبنان، وما هي حدود هذه “التهديدات” التي تبرر القتل؟
نعم، هذا الإعلان هو بمثابة ضوء أخضر لجيش الاحتلال لشن هجمات استباقية غير محدودة. “التهديد” أصبح مفهومًا مطاطيًا يمكن أن يشمل أي شيء: صاروخ، تدريب عسكري، خطاب سياسي، أو حتى مجرد وجود قوة عسكرية على الحدود. هذا يعني أن المنطقة مقبلة على مرحلة من التصعيد الخطير وغير المسبوق، حيث ستكون الضربة الأولى هي القاعدة وليست الاستثناء.
هل في حديث نتنياهو أي رسائل تهديد لمصر؟
بشكل مباشر، لم يذكر المقال أن نتنياهو وجه تهديداً صريحاً لمصر بالاسم. لكن الرسالة غير المباشرة والتهديد الاستراتيجي لمصر واضح جداً لعدة أسباب:
المنطق العام للعقيدة الجديدة: العقيدة الجديدة تقوم على “قتل أي شخص تراه إسرائيل تهديداً قبل أن يقتلك”. مصر هي أكبر جيران إسرائيل وأقواها عسكرياً، أي تطور في العلاقات أو أي تحرك مصري لا يرضي إسرائيل يمكن أن يُصنف تحت بند “التهديد الوجودي” الذي يبرر الضربة الاستباقية.
التوتر الإقليمي المستمر: في ظل التوترات على حدود غزة وسيناء، أي حادث أمني يمكن أن تستغله إسرائيل لتبرير عمل عسكري استباقي داخل الأراضي المصرية، بحجة “ملاحقة التهديدات”.
الرسالة لكل دول الجوار: الخطاب موجه لكل دول المنطقة، بما فيها مصر. رسالته هي: “نحن لا ننتظر حتى تهاجمونا، نحن من سيقرر متى وأين نضرب”،هذا يضع مصر في دائرة الخطر الدائم، ويجعل أي اتفاقيات سلام أو تطبيع مجرد حبر على ورق إذا قررت إسرائيل أن “مصلحتها الأمنية” تتطلب توجيه ضربة لمصر
الخلاصة: التهديد لمصر ليس مباشراً في النص، لكنه جوهري ومضمن في روح العقيدة الجديدة. مصر، بقناة السويس وجيشها ونفوذها الإقليمي، هي هدف استراتيجي دائم في حسابات الأمن الإسرائيلي، وهذه العقيدة تجعل أي خلاف أو توتر قابل للتحول إلى ذريعة.
وفي نهاية الأمر…
هذا الإعلان ليس مجرد تغيير في عقيدة عسكرية، بل هو إعلان صريح بأن إسرائيل قد تحولت بالكامل إلى كيان إرهابي لا يختلف عن أخطر التنظيمات الإرهابية في العالم، بل يتفوق عليها بجيش نظامي ودعم دولي أعمى. لقد خلع نتنياهو القناع عن الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوني: مشروع قائم على القتل الممنهج، والإبادة الجماعية، ورفض أي حق للآخر في الوجود. إن استناد هذا الكيان إلى نصوص دينية محرفة لتبرير جرائمه هو إهانة لكل الأديان السماوية ولكل القيم الإنسانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، ونحن نرى هذا التطرف يعلن عن نفسه بكل وقاحة: إلى متى سيظل العرب والمسلمون وأحرار العالم يتفرجون على هذا الكيان المجرم وهو يعلن حرب إبادة ضد الإنسانية جمعاء، قبل أن يحين الوقت الذي يقول فيه لنا أحدهم: “إذا جاء أحد ليقتلكم، فانهضوا مبكراً واقتلوه أولاً”؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى