
د. ليلى نقولا: التحرك للمساءلة عن الجرائم الإسرائيلية المرتكبة على أرض لبنان
ألقت الدكتورة ليلى نقولا، كلمة خلال المؤتمر الصحفي الذي يعقده التجمع الوطني لحماية حقوق الانسان، قالت فيها:
باسم المجتمع الأهلي اللبناني أتوجه اليوم الى الجميع في لبنان والمجتمع الدولي للتحرك في إطار المسؤولية القانونية والأخلاقية والوطنية والإنسانية، للمساءلة عن الجرائم الإسرائيلية المرتكبة على أرض لبنان منذ عام 2024، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتطهير العرقي، فضلاً عن مؤشرات تستوجب فحص احتمال توافر جريمة الإبادة الجماعية.
أولاً: وجود نمط واسع ومنهجي للهجمات ضد المدنيين.
خلصت تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمات دولية مستقلة إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان تضمنت:
• ضربات أصابت مبانٍ سكنية متعددة الطوابق وقتلت عائلات بأكملها
• هجمات استهدفت أو طالت مدنيين بشكل مباشر، بمن فيهم صحفيون وعاملون طبيون
• غياب تحذيرات فعّالة في العديد من الحالات وهو ما وثقته العديد من المؤسسات الدولية.
• أدّت تلك العمليات الى استشهاد آلاف الأشخاص من المدنيين، بينهم أطفال وعاملون في القطاع الصحي.
هذا النمط من الأفعال، عندما يُرتكب في نزاع مسلح، يشكل جرائم حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي، أما بالنظر إلى طابعه الواسع والمنهجي كما هو مثبت بالوقائع في لبنان فهو يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية.
ثانياً: التهجير القسري والتدمير المنهجي
تشير الأدلة إلى:
• تهجير أكثر من مليون مدني من منازلهم
• إصدار أوامر إخلاء جماعي شملت مناطق واسعة من جنوب لبنان.
• تدمير أكثر من 10,000 مبنى، بما في ذلك منازل وبنى تحتية مدنية، وفي أكثر الحالات بعد السيطرة على القرى في الجنوب اللبناني.
هذا السلوك يشكل جريمة حرب، وبالنظر الى اتساع نطاقه وتضمنه الترحيل الواسع والاضطهاد، فإنه يرقى الى جرائم ضد الإنسانية. كما يحمل سمات واضحة لما يُعرف في القانون الدولي بممارسات التطهير العرقي.
ثالثاً: هل ما حصل يرقى الى الإبادة الجماعية؟
من خلال تعريف جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي، نجد أنها تتطلب:
1- أفعالاً مادية جسيمة (قتل، تدمير، إخضاع لظروف معيشية قاسية)
2- النية بتدمير جماعة محمية كلياً أو جزئياً
بالنسبة للنية: في القانون الجنائي الدولي، لا تُفهم النية من الأفعال وحدها، بل من التصريحات الرسمية والسياق العام.
وفي هذا السياق، تبرز تصريحات لمسؤولين حكوميين إسرائيليين:
* إيتامار بن غفير (وزير الأمن القومي) يقول: “يجب أن يحترق لبنان بأكمله” ويضيف “مقابل كل دمعة تذرفها أم إسرائيلية، يجب أن تبكي ألف أم لبنانية”
سموتريتش (وزير المالية) يقول “يجب أن نستأصلهم… نفتح أبواب الجحيم”
يسرائيل كاتس (وزير الدفاع) يقول “لن يعود مئات الآلاف من السكان الشيعة في جنوب لبنان إلى ديارهم”.
هذه الخطابات تعتمد الدعوة الى قوة غير مقيدة، وخطاب شامل تمييزي يهدف الى عقاب جماعي للسكان. واذا ما عطفناه على تصريح كاتس (وهو مهم قانونياً)، نؤكد إن هذه الخطابات تستهدف جماعة دينية محددة، وتربط بين هذه الجماعة وسياسة إسرائيل بالقتل والاستئصال والمنع الجماعي من العودة.
وعليه، إن ما سبق يعطي أساساً معقولاً للاعتقاد بوجود نية بالإبادة الجماعية.
وعلى هذا الأساس،
– ندعو الحكومة اللبنانية الى تحريك بعثاتها الخارجية للفت نظر الأمم المتحدة ومجلس حقوق الانسان والدول في مجلس الأمن، بإن القانون الدولي لا ينتظر اكتمال جريمة الإبادة لكي يتحرك، بل يفرض واجب الوقاية. فحين تظهر مؤشرات جدية على احتمال وجود نية تدميرية، فإن الامتناع عن التحقيق أو منع تلك الجريمة قد يرقى إلى تقصير دولي جسيم.
– نطلب من الحكومة اللبنانية، استخدام كل المسارات القضائية الدولية المتاحة، وإنشاء لجنة وطنية لتوثيق الجرائم، تشمل خبراء قانونيين وتقنيين، بالتعاون مع الأمم المتحدة، وعدم السماح للإهمال أو الفساد بتضييع الأدلة.
– كما نطلب من الوزارات المختصة، القيام بجمع أدلة القصد عبر توثيق التصريحات الرسمية الإسرائيلية وربطها بالأفعال الميدانية، والدفع بمسار المسؤولية الدولية عبر مجلس حقوق الإنسان، والجمعية العامة للأمم المتحدة.
– والأهم، على الحكومة اللبنانية الإصرار على تحرير الأرض بشكل كامل ومطلق وعدم السماح بتمييع هذه المسألة، والتمسك بحق الأهالي بالعودة الى قراهم الى آخر شبر من الأرض اللبنانية، وحماية حقوق الضحايا اللبنانيين، والمطالبة بالمساءلة القانونية والتعويض، ورفض كل أشكال المساومة على حقهم في العودة أو إعادة الاعمار.
في الختام،
لقد أثبت التاريخ أن أخطر الجرائم تبدأ بخطاب يُجرّد الضحايا من إنسانيتهم، ثم بسياسات تدفعهم إلى الرحيل، ثم بأفعال قد تبلغ حد الإبادة.
كما أثبت التاريخ إن أخطر الجرائم لا تبدأ بالفعل… بل تبدأ بالكلمات، ثم تتحول إلى سياسات، ثم إلى واقع يصعب تغييره.
وعند هذه المرحلة — يكون الصمت شراكة- لذا لم يعد الصمت خياراً أمامنا كلبنانيين.
وشكراً لكم.



