
“قصتها هي”… متحدثون بـ«الكلمة بتفرق»: الحكي بداية التعافي والإعلام شريك في مواجهة العنف ضد المرأة
آية شعيب: وصم النساء يدفع كثيرات إلى الصمت والتراجع عن التعبير
ألفت علام: البوح والإنصات داخل مساحة آمنة بداية حقيقية للتعافي
سالي ذهني: العنف الإلكتروني من أخطر القضايا التي يجب تسليط الضوء عليها
شيري رمسيس: الإبداع هو الحرية.. والفن أداة للتغيير المجتمعي
انطلقت أعمال الجلسة الثانية من مؤتمر “الكلمة بتفرق ” تحت عنوان “قصتها هي… كيف يسرد الصحفيون العنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام”، حيث ناقشت الجلسة تأثير التناول الإعلامي لقضايا العنف ضد المرأة على الناجيات والناجين، ودور الصحافة والإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه هذه القضايا، مع التركيز على العلاقة بين الصحة النفسية وسرديات العنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل الإعلام التقليدية والرقمية.
وأدارت الجلسة الصحفية والمحررة الثقافية داليا شمس، بمشاركة ألفت علام، استشارية العلاج النفسي وخبيرة شؤون الجندر والنوع الاجتماعي، وسالي ذهني، مديرة وحدة الاتصال بالمفوضية السامية للأمم المتحدة للسكان، وشيري رمسيس، المديرة التنفيذية لجمعية الفن للتنمية (مادمس)، والإعلامية آية شعيب.
وتناول النقاش أهمية تقديم روايات إعلامية تراعي التجارب الإنسانية للناجيات والناجين، وتبتعد عن الوصم أو إعادة إنتاج الصور النمطية، بما يسهم في خلق مساحة أكثر أمانًا لفهم المعاناة والتعامل معها ودعم المتأثرين بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.
قالت آية شعيب إنه يجب التفريق بين أنواع منصات التواصل الاجتماعي؛ فهناك صفحات تعبر عن آراء منظمات حقوقية أو تقدم محتوى توعويًا للمرأة، وهناك صفحات إخبارية لا تجد حرجًا في استغلال التفاصيل من أجل صناعة حالة من الترويج أو الإثارة، إلى جانب الصفحات الشخصية. وأكدت أنها لا ترى نموذجًا يؤدي دوره بصورة كاملة، مشيرة إلى أن أي امرأة تتحدث في أي قضية تتعرض لنوع من الأذى.
وتساءلت داليا شمس عما إذا كان حجم الهجوم والضغط قد ازداد، فأوضحت آية أن الحديث في موضوعات لا تمتلك معرفة كافية بها قد يعرضها للهجوم، لكن المشكلة الأكبر تكمن في الوصم، إذ تُوصم المرأة التي تتحدث في هذه القضايا بصفات مختلفة مثل “النسوية” أو “الناشز”، وهو ما يدفع كثيرات إلى التراجع عن التعبير عن آرائهن. وأضافت أنها شخصيًا لم تتراجع بسبب الضغوط، معتبرة أن بعض الأشخاص يهاجمون من الزاوية التي يرونها فقط.
وقالت الدكتورة ألفت علام إنها تحدد ما إذا كانت المرأة ضحية أم ناجية وفقًا للمرحلة التي تمر بها، موضحة أن الناجية تكون واعية بالمشكلة وتتخذ خطوات حقيقية للتعامل مع ما مرت به. وأضافت أن بعض النساء يظللن عالقات في الدائرة نفسها لفترات طويلة، مستشهدة بشخصية “نيللي” في مسلسل “لام شمسية”.
وأشارت إلى أن المرأة كثيرًا ما تلوم نفسها وتحمل ذاتها مسؤولية ما حدث لها، وأن هناك صوتًا داخليًا يدفعها للاعتقاد بأنها السبب فيما تعرضت له. لكن عندما تواجه موقفًا فارقًا، تبدأ في مراجعة ما مرت به، وهنا تبدأ رحلة الانتقال من موقع الضحية إلى موقع الناجية، من خلال التعلم من التجارب السابقة والخروج من دائرة الصمت والعذاب الداخلي.
وعلقت داليا شمس بأن بداية طريق التعافي تتمثل في مصارحة أنفسنا بأننا لسنا مسؤولين عما حدث لنا في الماضي.
وأضافت ألفت أن الإعلام يقع على عاتقه دور مهم في تفكيك المفاهيم الراسخة، إلا أن الإعلام والدراما يساهمان أحيانًا في ترسيخ بعض الصور السلبية. وأوضحت أن كثيرًا من النساء يفضلن الصمت بسبب ردود الفعل التي يواجهنها، مثل: “إنتِ كنتِ لابسة إيه؟” أو “إيه اللي وداكي هناك؟”، وهو ما يدفع الكثيرات إلى عدم الإفصاح عما تعرضن له.
وأشارت داليا شمس إلى مسرحية “حل الضفائر” التي قدمتها سالي ذهني، والتي تناولت بعض الموروثات الذكورية بأسلوب ساخر.
وقالت سالي إنها حكاءة في الأصل، وأدركت أن النساء كثيرًا ما يُقدمن في الأعمال الفنية كوسيلة للترفيه أو السخرية، لذلك سعت إلى تقديم قصص خفيفة وقريبة من الجمهور. وأوضحت أن “حل الضفائر” كتبها مجموعة من المشاركين بعد نقاشات طويلة، واعتمدت على فكرة ساخرة تدور حول فتاة تشعر بالملل وتعثر على كتاب سحري يحقق لها أمنيات مرتبطة بمواقف من التحرش والسيطرة والهيمنة، مؤكدة أن ما منح العمل قوته هو أنه عكس تجارب أصحاب القصص أنفسهم.
وعن مشهد التحرش الجنسي وتحميل الناجية مسؤولية ما تعرضت له، قالت سالي إن ذلك يعكس الواقع المؤلم الذي نعيشه، موضحة أن الإعلام، رغم تنوعه، ليس أداة للتعافي النفسي. وأضافت أن التركيز غالبًا ما ينصب على ما يُقال عن الناجية أكثر من التركيز على ما تعرضت له، وهو ما يجعلها في نظر كثيرين مجرد قصة لا إنسانة لها مشاعر وحقوق.
وأضافت أن النساء عندما يشغلن مساحة في المجال العام يتعرضن للسخرية أو التنكر، مؤكدة أنها مرت بهذه التجربة بنفسها، وأن طريقة التعامل مع هذه الضغوط تختلف تبعًا للعمر والخبرة. كما أعربت عن سعادتها بالحراك المتزايد في مصر للتوعية بالعنف الإلكتروني، معتبرة أنه من أهم القضايا التي تستحق تسليط الضوء عليها.
وأكدت الدكتورة ألفت أن العاملين في المجال الإنساني يتعرضون لضغوط كبيرة نتيجة ما يسمعونه ويعيشونه يوميًا من معاناة الآخرين، في الوقت الذي قد لا يدركون فيه حاجتهم إلى حماية صحتهم النفسية. وشددت على أهمية وضع حدود واضحة بين المساعد والمتلقي حتى يتمكن من تقديم الدعم دون أن يستنزف نفسيًا.
وتساءلت داليا شمس: كيف يمكن للميدان أن يكون أداة للتغيير؟ فأجابت شيري رمسيس أن الإبداع بالنسبة لها هو الحرية، وكلما أُتيحت للإنسان فرصة أن يكون حرًا كان ذلك مدخلًا حقيقيًا للتغيير. وأوضحت أن الجمعية تعمل مع مختلف أطياف المجتمع، وتستخدم الفن كوسيلة للحكي والتعبير، مشيرة إلى أن طريقة تقديم القضايا تختلف من عمل إلى آخر، وأن الجمهور يقترب من الرسائل المطروحة من خلال أبطال الحكايات والأفلام، حتى عندما تتناول موضوعات شائكة مثل الصحة النفسية والعنف ضد المرأة والاتجار بالبشر.
وأضافت أن مشروع “احكي يا نون” يرتبط بفكرة “احكي يا شهرزاد”، لأن شهرزاد كانت تحكي كل يوم حتى لا تموت، موضحة أن الهدف من المشروع هو التأكيد على أهمية أن تحكي النساء قصصهن حتى لا يمتن صمتًا. وأكدت أن الحكي والكتابة يمثلان بداية حقيقية لإدراك الإنسان لما يمر به، وعندما يروي قصته ويسمعه الآخرون يبدأ الدعم وتبدأ معه رحلة التعافي.
وقالت شيري إن فيلم “سرجي مرجي” يتناول قضية الاتجار بالبشر، وكيف تتعرض بعض الفتيات للاستغلال والاتجار بهن في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة. وأوضحت أن الفيلم يستند إلى قصص واقعية، وأنهم يعملون على رفع الوعي بهذه القضية من خلال الأفلام والنقاشات المصاحبة لها بهدف الوقاية والتوعية.
وعقب ذلك، تم عرض فيلم “قبل الأوان” لمدة دقيقتين، وهو فيلم يتناول قضية العنف ضد المرأة، وقد حاز جائزة في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة.
وتساءلت داليا شمس عن كيفية صناعة محتوى يعبر عن هذه القضايا بعيدًا عن التنميط والأفكار المسبقة، فقالت آية شعيب إن مشكلات النساء ليست واحدة في جميع الطبقات الاجتماعية. وأضافت أن هناك نبرة عنف شديدة ضد النساء عندما يتحدثن في قضايا المرأة، مؤكدة أنه من وجهة نظرها يجب ألا يكون الخطاب عدائيًا أو وعظيًا تجاه الرجل، لأن ذلك يزيد من الاحتقان.
وأشارت إلى أن الرجل أيضًا يواجه مشكلات وتحديات مختلفة، وأن طريقة تناول هذه القضايا تمثل جزءًا من المشكلة، كما أن بعض أشكال الخطاب النسوي قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية وتزيد من حدة الاستقطاب. وشددت على أنه لا يمكن الحديث عن صحة المرأة بمعزل عن الرجل والعكس صحيح، داعية إلى تبني خطاب أكثر توازنًا ينظر إلى جذور المشكلة.
وقالت الدكتورة ألفت علام إن الحكي أو البوح يمثل بداية حقيقية للتعافي، موضحة أن الدراسات الحديثة تؤكد أن الإنصات للأشخاص ومنحهم مساحة آمنة للحديث يسهم في حل الكثير من المشكلات النفسية.
وأضافت أنها تتابع بعض الأعمال الدرامية الأجنبية لمعرفة ما إذا كانت المشكلات تختلف من مجتمع إلى آخر، مشيرة إلى أنها اكتشفت وجود تشابهات كبيرة، لأن احتياجات البشر الأساسية واحدة في مختلف أنحاء العالم، كما أنهم يشتركون في المشاعر الإنسانية، بينما يبقى الاختلاف في طرق التناول مرتبطًا بالثقافة السائدة في كل مجتمع.
وتحدثت سالي ذهني عن أهمية وجود ميثاق إعلامي يتضمن مبادئ واضحة للتعامل مع قضايا العنف ضد المرأة، معربة عن أمنيتها في أن يتم تبني مثل هذا الميثاق.
وأكدت أن وسائل الإعلام تنقل يوميًا قصصًا عن التعنيف والانتهاكات، لكن التركيز غالبًا لا يكون على مرتكب الفعل، بل يتحول إلى الضحية نفسها، ما يؤدي إلى وصمها بدلًا من دعمها. وأضافت أن هذه المبادئ يجب أن تكون واضحة وأن يتلقى العاملون في المجال الإعلامي تدريبًا عليها، مع التركيز على الجاني وما إذا كان قد تعرض للمحاسبة والعقاب، لأن ذلك يغير طبيعة السردية الإعلامية. وأعربت عن أملها في أن يصبح الإعلام مساحة للوعي والتثقيف تساعد الناس على معرفة كيف يتحدثون عن هذه القضايا.
وقالت شيري رمسيس إنه رغم وجود قدر من الإحباط أو الكآبة في بعض الأحيان، فإن هناك اليوم منصات عديدة تتيح للناس التعبير عن أنفسهم. وأشارت إلى أنها ترى تطورًا إيجابيًا في طريقة تناول الصحة النفسية، موضحة أن الحديث عنها كان في السابق مجرد “ترند”، بينما أصبح اليوم هناك توجه أكثر جدية نحو التعامل مع المرض النفسي والتوتر بصورة علمية تحترم كرامة الإنسان.
وأضافت أن التغيير الحقيقي يظهر عندما يدرك الناس مشكلاتهم ويبدأون في اتخاذ خطوات عملية للتعامل معها.
وقالت الدكتورة ألفت علام إن الغضب الذي يظهر لدى الأجيال الجديدة هو تعبير عن وجودها ورغبتها في التغيير، مشيرة إلى أن النساء يقمن بحراك مهم داخل المجتمع حتى وإن أزعج ذلك بعض الأطراف.
وشهدت الجلسة نقاشًا مفتوحًا مع الحضور، حيث تحدثت إحدى المشاركات عن أهمية توعية الرجال بمفهوم الاغتصاب الزوجي، بينما تناولت مشاركة أخرى قضية صمت النساء والخوف من الحديث بسبب الاعتقاد بأن الإفصاح عما يتعرضن له قد يؤدي إلى هدم الأسرة.
كما أكدت ياسمين شافعي أهمية الدور الذي يلعبه الإعلام في توفير مساحة آمنة للنساء للحديث عن تجاربهن دون لوم أو إدانة، فيما تساءلت إحدى الحاضرات عن أسباب تصاعد العنف بين الأجيال الجديدة، بينما شددت مشاركة أخرى على الحاجة إلى قنوات آمنة تتيح للناس التعبير عن أنفسهم دون خوف من التعرض لمزيد من العنف أو الوصم.
وقالت الدكتورة ألفت علام إن العنف ضد المرأة غالبًا ما يُختزل في الضرب الجسدي فقط، بينما توجد أشكال أخرى من العنف قد لا يدركها كثيرون، ومنها الاغتصاب الزوجي. وأضافت أن المسؤولية تقع على المجتمع بأكمله، لكن الإشكالية ترتبط أيضًا بمن يمتلك السلطة داخل البنية الاجتماعية، مشيرة إلى أن ثقافة تمجيد المرأة الصامتة والمتحملة تخلق ديناميكيات سلبية داخل الأسرة وتُبقي جذور المشكلة قائمة.
وقالت آية شعيب إن الخطاب الديني والنسوي والإعلامي يحتاج إلى مراجعات وتطوير مستمر، نظرًا لتأثيره الكبير في تشكيل وعي المجتمع.
وأكدت شيري رمسيس أن العمل يجب أن ينصب على الإنسان في المقام الأول، مشيرة إلى أن العنف لا يقتصر على الرجال ضد النساء فقط، بل توجد أيضًا صور مختلفة من العنف تمارسها النساء ضد بعضهن البعض، وهو ما يتطلب مزيدًا من العمل والتوعية.
فيما أعربت سالي ذهني عن أملها في تغيير المفاهيم المرتبطة بكلمة “راجل” ومعنى الرجولة في المجتمع، مؤكدة أن دور المرأة داخل الأسرة والمجتمع شهد تغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأن الاهتمام بالصحة النفسية يجب أن يحظى بالأولوية نفسها التي تحظى بها الصحة الجسدية.
ويُنظم المؤتمر مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، في إطار دعم الحوار بين الإعلاميين والخبراء والجهات المعنية من أجل تطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.









