واشنطن بين النقيضين: ترامب يتناقض في دعم نتنياهو ويقلب الموازين في لبنان

كتب أحمد سمير
في مشهد سياسي قلما شهد الشرق الأوسط مثيلاً له، يقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجاً فريداً من “السياسة المتناقضة” تجاه حليفه الأقرب في المنطقة، فبينما كان ترامب يصف نتنياهو بـ”المحارب” و”أعظم صديق حظيت به إسرائيل في البيت الأبيض”، نراه اليوم يتهمه بـ”الانفعال” ويصف خلافاتهما بأنها “اختلافات صغيرة”،هذه التقلبات ليست مجرد تبدلات في المزاج الشخصي، بل تعكس تحولاً استراتيجياً في الرؤية الأميركية لإدارة الصراعات في المنطقة.
فمنذ بداية ولايته الجديدة في يناير 2025، قدّم ترامب دعماً “متنوعاً وغير محدود” لحكومة نتنياهو، لكن سرعان ما تحول هذا الدعم إلى سلسلة من المواجهات العلنية والضغوط الخفية. ففي مايو 2025، عبّر ترامب – بحسب مسؤولين في البيت الأبيض- عن إحباطه من استمرار الحرب، وطلب نقل رسالة إلى نتنياهو بشأن رغبته في إنهاء القتال. وفي يونيو 2026، كشفت تسريبات عن مكالمة “متوترة” بشكل خاص ضغط فيها ترامب على نتنياهو لتقليص الخطط العسكرية في لبنان، خشية أن تعرقل جهوده لدفع اتفاق مع إيران.
هذه التحولات لا تعني بالضرورة تغيرًا جذريًا في التحالف الأميركي مع إسرائيل، بل تعكس اختلافًا في إدارة الأزمة، إذ تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيق توازن بين استمرار دعمها الاستراتيجي لتل أبيب، وبين منع السياسات الإسرائيلية من جر المنطقة إلى حرب شاملة قد تهدد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، خاصة مع استمرار التوتر على الجبهة اللبنانية وتعقيدات الملفات الإيرانية والسورية.
فى سياق متصل قد أكد الرئيس الأميركي “ترامب” بأن نتنياهو يحتاج من يبقيه “عاقلاً قليلاً”، ويؤكد أنه اتصل به غاضباً لوقف الضربات مطلع يونيو، قائلاً لولا وجوده لما كانت إسرائيل موجودة الآن. في الوقت نفسه، تتبدل لغة البيت الأبيض تجاه المقاومة في لبنان، من شيطنة مطلقة إلى اعتراف عملي بالتفاوض عبر وسطاء، ودعوة علنية لـ حزب الله بأن “يتصرف بلطف”، هذا ليس خلافاً تكتيكياً، بل إعادة تموضع أميركية تضع نتنياهو في خانة المُربِك، وتضع المقاومة في خانة الطرف القابل للتفاهم، هذه الديناميكية تكشف هشاشة التحالفات في الشرق الأوسط، حيث تُقدم المصالح الأمريكية على الولاءات التقليدية، مما يضع حكومة نتنياهو في موقف حرج أمام قاعدتها اليمينية.

لماذا تبدو مواقف ترامب تجاه نتنياهو متقلبة؟
يمكن تفسير هذا التذبذب بعدة اعتبارات: اختلاف الأولويات بين واشنطن وتل أبيب؛ فالإدارة الأميركية تنظر إلى الصراع ضمن إطار المصالح العالمية، بينما يركز نتنياهو على اعتبارات السياسة الداخلية والأمن الإسرائيلي.
حرص ترامب على تجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة قد تستنزف الولايات المتحدة.
استخدام الضغط الإعلامي والسياسي كوسيلة لدفع حكومة الاحتلال نحو قرارات أكثر انسجامًا مع الرؤية الأميركية.
محاولة تقديم نفسه كرئيس قادر على إنهاء الأزمات وإبرام الصفقات، وليس توسيع الحروب.

لماذا انقلب ترامب على نتنياهو بهذه الحدة الآن؟
لأن أولوية ترامب تغيرت من دعم الحرب المفتوحة إلى صناعة “صفقة” مع إيران، ونتنياهو يعرقلها في غزة ولبنان. ترامب قالها صريحة في مقابلة: عليه أن يبقي نتنياهو “عاقلاً قليلاً”، وانتقد “المتشددين” الذين يريدون استمرار الحرب مع إيران، ثم أكد بنفسه أنه وصف نتنياهو بـ”المجنون” خلال مكالمة حول لبنان، معتبراً أن إسرائيل تعقّد محادثات السلام. التسريب الأخطر تحدث عن وصفه بـ”بالمجنون” عشية انتخابات 2026، ما يضرب صورته كـ”السيد أمن” داخلياً.

ما هي أبرز مظاهر تقلبات ترامب تجاه نتنياهو وحكومته؟
بدأت التقلبات بمكالمات غاضبة في يونيو 2026، حيث صرخ ترامب في وجه نتنياهو مطالبًا بوقف هجوم على بيروت لأنه يعرقل مفاوضاته مع إيران. أكد ترامب لاحقًا أنه قال إن الجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك”، رغم ذلك، يعود ترامب ليمدح نتنياهو كـ”رئيس وزراء حرب” ويؤكد علاقتهما الجيدة، هذا النمط يعكس براغماتية ترامب: دعم إسرائيل استراتيجيًا، لكن مع حدود تفرضها أولوياته الشخصية والاقتصادية.

ما الذي يفسّر التقلبات الحادة في علاقة ترامب بنتنياهو؟
تعكس هذه التقلبات صراعاً بين مصالح متضاربة على ثلاثة مستويات:
أولاً: رؤية ترامب لنفسه كـ”رجل سلام” يسعى إلى إنهاء الحروب عبر الضغط السياسي والصفقات، في مقابل رؤية نتنياهو الأمنية التي ترى في القوة العسكرية أداة لإدارة الصراع. هذا التباين الجوهري خلق احتكاكاً دائماً حول ملفات غزة ولبنان وإيران.

ثانياً: الأولوية القصوى التي يمنحها ترامب للتوصل إلى اتفاق مع إيران، حيث يرى أن أي تصعيد عسكري إسرائيلي في لبنان قد يعرقل هذا المسار. وقد بلغ الغضب الأميركي ذروته عندما استخدم ترامب “تعبيرات فظة” للتعبير عن عدم رضاه عن الهجمات الإسرائيلية المخطط لها.

ثالثاً: البعد السياسي الداخلي، حيث يمنح لقاء مارالاغو نتنياهو “مادة دعائية ثمينة” لحملته الانتخابية لعام 2026، بينما يستخدم ترامب هذا اللقاء لإظهار قدرته على التحكم في إيقاع الحرب. وصفته صحيفة “هآرتس” بأنه “ينتزع قرار الحرب من نتنياهو ويخضعه لرقابة أميركية صارمة بعد فقدان الثقة في نواياه العسكرية والسياسية”.

لكن المراقبين يجزمون بأن ما يبدو خلافات علنية قد يكون في جوهره “توزيعاً للأدوار” داخل المعسكر الواحد، ولا يعبّر عن خلافات جوهرية عميقة.

كيف تفسّر تقلبات ترامب تجاه المقاومة في لبنان؟
تتسم تصريحات ترامب تجاه لبنان والمقاومة بتناقضات لافتة تعكس نهجاً “تكتيكياً” أكثر منه استراتيجياً ثابتاً:
في جانب التهديد: يلوّح ترامب بدور سوري في مواجهة حزب الله، مقترحاً على إسرائيل أن “تترك سوريا تتولى أمر حزب الله” بحجة أنهم “قد يقومون بعمل أفضل”. هذا الطرح أثار حساسية بالغة في لبنان، حيث رفضته الحكومة اللبنانية رسمياً، مؤكدة أن نزع سلاح حزب الله “من مسؤولية الدولة اللبنانية، وليس لقوات أجنبية”.

في جانب التفاوض: يعود ترامب ليعلن أنه تواصل مع حزب الله عبر وسطاء وحصل على تعهد منه، كما أعلن في أبريل 2026 عن وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة 10 أيام، مؤكداً أن لبنان وافق على “التعامل مع حزب الله”.

في جانب الردع: يتدخل ترامب شخصياً لوقف ضربة إسرائيلية كانت وشيكة على الضاحية الجنوبية لبيروت في يونيو 2026، موضحاً أن قراره لا يهدف إلى “إنقاذ حزب الله، بل يهدف إلى منع تصعيد واسع في لبنان”.

هذه التقلبات تعكس رؤية ترامب للبنان كـ”ورقة تفاوضية” في صفقة أكبر مع إيران، وليس كساحة صراع قائمة بذاتها. ففي كل مرة يلوح فيها التصعيد اللبناني، يعيد ترامب حساباته لضمان عدم تعطيل مساره التفاوضي مع طهران.

هل هناك تناقض بين دعم ترامب لإسرائيل وضغوطه على نتنياهو؟
التناقض ظاهري وليس جوهرياً. فترامب لم يتراجع عن دعمه الاستراتيجي لإسرائيل، لكنه أعاد تعريف “شروط” هذا الدعم:
في غزة: أعلن ترامب في سبتمبر 2025 عن خطة سلام قريبة، متفقاً مع نتنياهو على ضرورة نزع سلاح حماس، مطلقاً تهديداً للحركة بـ”عواقب وخيمة” إذا لم تلتزم، لكنه في الوقت نفسه ضغط على نتنياهو للموافقة على وقف إطلاق النار.
في إيران: هنا المفارقة الأكبر. فبينما يهدد ترامب إيران بـ”ردّ عسكري بلا هوادة” إذا خرقت الاتفاق،يمنع إسرائيل من شن عمليات واسعة في لبنان بحجة أنها قد تعرقل هذا الاتفاق. نتنياهو يعترف بهذا التناقض علناً، قائلاً: “هناك حالات لا نتفق فيها أنا والرئيس ترامب في الرأي… أنا مسؤول عن المصالح الأمنية لإسرائيل”.
النتيجة النهائية: ما يفعله ترامب هو إعادة تموضع الدعم الأميركي من “دعم غير مشروط” إلى “دعم مشروط” بمراعاة المصالح الأميركية الكبرى، وفي مقدمتها الاتفاق مع إيران. وهذا ما يفسر وصف ترامب لنتنياهو بأنه “رجل طيب رغم أنه ينفعل أحياناً”، في محاولة لاحتواء الغضب الإسرائيلي مع الحفاظ على زمام المبادرة.

كيف انعكست هذه التقلبات على السياسة الأميركية تجاه حكومة “العدو” الإسرائيلية؟
الإدارة الأميركية تحولت من دعم مطلق إلى ضغط مباشر، ترامب يحذر نتنياهو من أن إسرائيل قد تجد نفسها “وحدها” إذا استمرت التصعيد، ويقترح أن تترك سوريا التعامل مع حزب الله لأنها “ستقوم بعمل أفضل”، هذا يعكس انزعاجًا من تكلفة الحرب الطويلة في لبنان، التي قتلت آلافًا وشردت مئات الآلاف، وتهدد صفقة إيران. VP JD Vance أكد أن ترامب “الوحيد الذي لا يزال يدعم إسرائيل”، مشيرًا إلى عزلة نتنياهو الدولية.

ما هي تقلبات تصريحات ترامب تجاه المقاومة في لبنان (حزب الله)؟
من وصف حزب الله كتهديد إلى إعلان “مكالمة جيدة” مع ممثليه لوقف إطلاق النار المتبادل، مرورًا بانتقاد إسرائيل لـ”ضرب المباني في بيروت” وادعاء أن “ليس كل السكان حزب الله”،ترامب يطالب إسرائيل بالحكمة والسرعة في السابق، لكنه الآن يضغط للتهدئة لإنجاح صفقته مع إيران، هذا تحول براغماتي يهدف إلى خفض التصعيد الإقليمي، رغم رفض حزب الله بعض الاقتراحات.

كيف تنظر المقاومة اللبنانية إلى هذه التصريحات؟
من المرجح أن تقرأ المقاومة هذه التصريحات باعتبارها مؤشرًا على وجود تباين داخل الإدارة الأميركية بشأن إدارة الصراع، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الدعم الأميركي لإسرائيل لم يتغير في جوهره، لذلك فإنها تتعامل مع الخطاب الأميركي بحذر، مع التركيز على الوقائع الميدانية أكثر من التصريحات السياسية.

ما تأثير هذه التقلبات على مستقبل المنطقة؟
إذا استمرت الضغوط الأميركية على حكومة الاحتلال، فقد نشهد:
زيادة فرص التهدئة المؤقتة.
تعزيز مسارات الوساطة الدولية.
تقليص احتمالات اندلاع حرب إقليمية واسعة.
أما إذا فشلت هذه الضغوط، فقد تعود المنطقة إلى دوامة التصعيد، مع ارتفاع مخاطر انخراط أطراف إقليمية ودولية بصورة أوسع.
وفي الختام المشهد في الشرق الأوسط متغيّر، يبدو أن ترامب يمارس لعبة جديدة تماماً: فهو يريد أن يبقى “صديق إسرائيل الأكبر” في التاريخ، لكنه يريد أيضاً أن يكون “صانع السلام” الذي أنهى حروب المنطقة،وهو يريد ردع إيران، لكنه يريد التفاوض معها، وهو يريد نزع سلاح حزب الله، لكنه لا يريد حرباً في لبنان تعرقل صفقته الكبرى.
هذه التناقضات ليست ضعفاً في السياسة الأميركية، بل هي تعبير عن تحول استراتيجي: فالدعم المطلق لإسرائيل لم يعد كافياً في عصر تبحث فيه واشنطن عن “صفقة القرن” مع إيران، تماماً كما بحثت عن “صفقة القرن” مع الفلسطينيين. وفي هذا التحول، يجد نتنياهو نفسه لأول مرة في موقف “المُقيّد” بدلاً من “المُطلق”، حيث أصبح القرار العسكري الإسرائيلي خاضعاً لـ”رقابة أميركية” لم يعتدها.
السؤال الذي تتركه هذه التقلبات معلقاً في الهواء: إذا كانت إدارة ترامب على استعداد لكبح جماح حليفتها إسرائيل مراراً من أجل اتفاق مع إيران، فهل يعني ذلك أن “محور المقاومة” قد نجح في فرض معادلة جديدة على واشنطن، أم أن ترامب يمارس فقط لعبة “العصا والجزرة” التي ستنقلب فجأة حين تتحقق أهدافه التفاوضية؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد، ربما، ملامح الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى