
ثلاثية المشهد والسيادة الزائفة: قراءة في وعي الميدان وعجز الصالونات
بقلم: د. مي خليل مراد
في المنعطفات التاريخية الكبرى التي تهدد وجود الأوطان تسقط الأقنعة النظريّة وتتمايز الصفوف بناءً على الفعل لا الخطاب. والناظر إلى الواقع اليوم بعينٍ مجردة من “الأنا” وبعيدة عن الانبهار الأعمى يجد أن المجتمع ينقسم إلى ثلاث فئات متمايزة في فهمها لمعنى “الوطن” و”السيادة” وهو تقسيم يفسر عمق الفجوة بين مَن يعيش في واقع الميدان ومَنٔ يغرق في قشور التبعية.
أولاً: فئات المشهد الثلاث .. بين الوهم والقشور والتضحية
الفئة الأولى: واهمو “الاستقلال المطلق”
هؤلاء يرفعون شعارات “السيادة والاضطلاع بالذات” كأنهم يعيشون في جزيرة معزولة عن العالم لكنها سيادة ورقية بامتياز . التناقض الصارخ هنا يكمن في أن هذه الفئة لا تملك من أمر نفسها شيئاً فلا هي أسست لإنتاج محلي ولا هي أمنت أمناً غذائياً أو دوائياً بل إن تفاصيل حياتهم اليومية مستوردة بالكامل إنهم يطلبون استقلال القرار السياسي وهم مرتهنون اقتصادياً ومعيشياً للخارج غافلين عن الحقيقة الأزلية : من لا يملك قوت يومه لا يملك حرية قراره.
الفئة الثانية: المنبهرون بالقشور والتبعية النفسية
شريحة جرفتها عنجهية فارغة تولي وجهها شطر الغرب أو العواصم المرفّهة مسحورة بناطحات السحاب وبريق الشوارع والواجهات. يقفون “كالطواويس” لالتقاط الصور مع قناصل ووزراء الغرب ظناً منهم أن هذه هي “الفخامة” والعالمية. هؤلاء يعيشون حالة إنكار ثقافي ونفسي ولا يدركون—أو يتناسون—أن هذا الرخاء الغربي لم يُبنَ إلا من سلب خيرات بلادهم ودعس إرادة شعوبهم واغتصاب عقول شبابهم في الاغتراب.
الفئة الثالثة: المقاومون وبُناة الاستقلال الحقيقي
هم البيئة الشريفة التي لم تختر ترف التنظير بل اختارت مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الكيان الغاصب . هؤلاء يدركون أن السيادة لا تُهدى في الصالونات الدبلوماسية بل تُنتزع بالدم والروح إنهم يسدون الثغور بأجسادهم وأرواحهم لينعم بقية أبناء الوطن بالراحة والأمان وهم يمثلون المنطق الفطري للدفاع عن الأرض والعرض.
ثانياً : شِماعة “الدعم الخارجي” وعقدة ذنب المتخاذلين
أمام هذا العجز الفكري والقعود العملي للفئتين الأولى والثانية يبرز تساؤل استراتيجي وأخلاقي حارق : كيف يُرمى بالتهم مَن يحمي الأرض لمجرد أنه تلقى دعماً وسلاحاً من إيران في وقت تنصل فيه الأقربون من واجبهم؟
إن توجيه اتهامات “الانحياز والارتهان” للمقاومة ليس إلا محاولة بائسة لتغطية عورة التخاذل. عندما يرى العالم العربي والإسلامي بأم العين الأجرام والذبح الواقع على أهلهم في غزة وفي بقية أجزاء المنطقة ثم ينفض يديه ويلتزم الصمت بذريعة “النأي بالنفس” فإنه يصاب بعقدة ذنب تاريخية . ولكي يبرر المتخاذل قعوده وصمته المطبق يجد نفسه مضطراً لشيطنة الطرف الذي تحرك وقاوم فتصبح مهاجمة الدعم الإيراني “شماعة” مريحة يختبئ خلفها العاجزون وأهل الفجور السياسي.
في منطق الحروب والمعارك الوجودية لا توجد رفاهية للخيارات النظرية. مَن تكون يده في النار ويواجه غارات الغازي وقذائفه يبحث عن السلاح الذي يصون به دماء أبنائه وكرامة أرضه. وإذا كانت إيران قد قدمت الدعم والسلاح لحماية أرض وشرف استباحه الغاصب في وقت تخلت فيه النخوة العربية المزعومة وسلّمت شرفها طوعاً فإن هذا الدعم يصبح واجباً أخلاقياً وضرورة وجودية وتصبح إيران في هذا السياق هي مَن يستر عورة تخاذل الآخرين.
خاتمة : كلام تذروه الرياح : وتاريخ يكتبه الدم
وكما يقول المثل المأثور: “جعجعة الكلام عالبيدر بيذريها الريح” فإن خطابات السيادة الجوفاء والتحليلات السياسية القاصرة التي لا تنظر أبعد من الأنف سيزول أثرها مع أول هبة ريح.
الأوطان لا تحميها الصور التذكارية الفخمة ولا المظاهر المستوردة ولا الانبطاح تحت أقدام الغاصب طمعاً في سلام واهم الأوطان تحميها دماء المقاومين الأوفياء والوعي المجرد من “الأنا” وسيظل التاريخ يذكر مَن تآمر وصمت وتخاذل كصفحات سوداء بينما يبقى تاج الكرامة والسيادة الحقيقية مَحصوراً بمَن بذل الروح وبنى من تضحياته سياجاً حقيقياً للوطن.





