آسيا على صفيح ساخن: تايوان تحت الحصار، والهند وباكستان على حافة الهاوية، وإعادة تموضع القوى العظمى

تصاعد الضغوط العسكرية الصينية، وهشاشة التوازن النووي في جنوب آسيا، يعيدان تشكيل خريطة التنافس بين القوى الكبرى ويضعان النظام الدولي أمام اختبارات مصيرية

كتب أحمد سمير
تظل آسيا، خاصة منطقة المحيط الهندي-الهادئ، محور التوترات الجيوسياسية العالمية في عام 2026، يستمر الضغط العسكري الصيني المتزايد على تايوان من خلال تدريبات بحرية وجوية واسعة النطاق، محاكاة لحصار أو غزو محتمل، مما يثير مخاوف دولية من مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
بالتوازي، يبقى النزاع بين الهند وباكستان هشاً نووياً، بعد أزمة 2025 التي شهدت تبادلاً للضربات الصاروخية والمسيرات، ووسط تصعيد في السباق التسليحي ومخاوف من “التصعيد غير المتعمد”.
في هذا السياق، تشهد العلاقات بين القوى العظمى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، والهند) إعادة تموضع استراتيجي حاد: منافسة على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي، تحالفات متغيرة، واستخدام “المنطقة الرمادية” (grey zone) لتجنب الحرب الكبرى مع الحفاظ على الضغط، هذا التنافس يعكس تحولاً في النظام الدولي نحو تعددية أقطاب غير مستقرة، حيث يسعى كل طرف لتعزيز موقعه دون دفع الخصم إلى حافة الهاوية النووية.
كيف يفسر التصعيد العسكري الصيني حول تايوان، وما ردود فعل القوى العظمى المحتملة؟
تتبنى بكين استراتيجية “التطبيع عبر الضغط التدريجي”، حيث تدمج المناورات العسكرية قرب تايوان مع حملات دبلوماسية لعزل الحكومة في تايبيه،الهدف هو تغيير تصور المخاطر لدى الولايات المتحدة وحلفائها، وجعل الدفاع عن تايوان مكلفاً سياسياً وعسكريا، الرد الأميركي الحالي يراوح بين “الغموض الاستراتيجي المتآكل” (حيث تزيد واشنطن مبيعات الأسلحة والتعاون العسكري غير المعلن) ومحاولة بناء تحالفات إقليمية (AUKUS، الدعم الياباني- الأسترالي). لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو مواجهة مدارة تستبعد الحرب الشاملة، لكنها تسمح بحوادث متكررة ترفع منسوب التوتر دون عبور عتبة الصراع المفتوح.
في سياق متصل في 10 يونيوالجارى 2026، أطلق الجيش التايواني صواريخ من منظومات HIMARS الأمريكية المحمولة باتجاه الصين، في أول مرة تُطلق فيها هذه الصواريخ في مياه مضيق تايوان، ضمن تكتيك “اضرب واهرب” لمحاكاة صد غزو صيني، التدريب جرى على الساحل الغربي قرب تايتشونغ، وشمل مدافع 155 ملم، واختبر النشر السريع والضربة الدقيقة خلال ثلاث دقائق فقط،الصين ترد بمناورات متزايدة، وتعتبر المضيق “مياها داخلية”، بينما وصفت واشنطن مناورات ديسمبر 2025 بأنها ترفع التوتر “دون داع”،المفارقة: الولايات المتحدة أعلنت في ديسمبر بيع 82 منظومة HIMARS إضافية لتايوان، لكن الصفقة “يبدو أنها عُلّقت” بعد لقاء Donald Trump مع Xi Jinping في بكين الشهر الماضي.
من كل ما سبق نج أن بكين تختبر “المنطقة الرمادية” – ضغط يومي بالطائرات والسفن دون حرب شاملة – بينما تايبيه تحاول كسر التبلد النفسي لدى سكانها، واشنطن في 2026 لا تتحدث عن “احتواء استراتيجي” بل عن “علاقة اقتصادية متبادلة المنفعة” مع الصين، وفق استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي استبدلت framing التهديد الوجودي بمنطق الصفقات. النتيجة: ردع أقل وضوحا، ومساحة أكبر للمخاطرة المحسوبة.
ما مدى خطورة الضغط الصيني على تايوان، وهل يؤدي إلى مواجهة مباشرة في 2026؟
الضغط مستمر ومتزايد، مع تدريبات كبيرة في ديسمبر 2025 محاكاة لحصار بحري، ونشاط جوي وبحري منتظم. ومع ذلك، يشير التحليل إلى أن الصين تفضل حالياً “الضغط الرمادي” لإضعاف إرادة تايوان وتآكل الدعم الدولي، بدلاً من غزو كامل بسبب المخاطر العالية (تدخل أميركي محتمل، خسائر اقتصادية هائلة، وعدم الاستعداد الكامل للجيش الصيني)، عام 2026 ليس “عام الغزو” المحتمل، لكنه عام تصعيد تدريجي يختبر الردود الدولية.
كيف يؤثر النزاع الهندي- الباكستاني النووي على الاستقرار الإقليمي، خاصة بعد أزمة 2025؟
الأزمة بدأت 23 أبريل 2025 بعد هجوم باهالغام الذي قتل 26 سائحا، وتطورت إلى أسبوعين من الاشتباكات على خط السيطرة.
في 7 مايو 2025، شنت الهند “عملية سيندور” بضربات صاروخية على ما وصفته ببنية تحتية إرهابية، وردت باكستان بقصف بونش الذي اعتُبر أعنف قصف منذ حرب 1971.
في 10 مايو 2025، أُعلن وقف إطلاق نار “كامل وفوري” بوساطة أميركية، مع محادثات بين مديري العمليات العسكرية.
لكن 2026 لا يبدو سلاما:بعد عام، لا تزال المعاهدات معلقة: الهند علّقت معاهدة مياه السند، وباكستان علّقت اتفاقية شيملا وأغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الهندية.
حذرتقرير أميركي أن العلاقات “تظل مخاطرة لنزاع نووي” رغم التهدئة، لأن هجوما إرهابيا واحدا قد يشعل الأزمة مجددا.
في 11 يونيو 2026، أشارت بعض التقارير الإعلامية إلى أن باكستان “تبدو مرتبكة” أمام تنامي القوة الاستراتيجية الهندية، وتلمح إلى أن ترسانتها النووية قد تتجاوز التقديرات.
لذا نجد أن الردع النووي لم ينه الحرب، بل غيّر شكلها، كلا البلدين يتبنيان “عقائد جديدة” تعتمد على الطائرات المسيّرة والضربات الدقيقة، ما يقلص زمن اتخاذ القرار من أيام إلى دقائق. الخطر لم يعد في نية شن حرب شاملة، بل في سوء تقدير أثناء تصعيد محدود – وهو ما وصفه ترامب نفسه بأن “الملايين كان يمكن أن يموتوا” لولا وقف 2025.
النزاع هش جداً، إذ أظهرت أزمة مايو 2025 (Operation Sindoor) قدرة الطرفين على تبادل ضربات تقليدية كبيرة تحت “العتبة النووية”، مع تدخل أميركي للتهدئة، الهند تعزز قدراتها النووية والتقليدية، بينما باكستان تعتمد على “الردع النووي” لمواجهة التفوق الهندي. المخاطر تكمن في “التصعيد غير المتعمد” عبر حوادث حدودية أو إرهاب، مع سباق تسلح يخفض العتبة،الولايات المتحدة والصين تلعبان دور الوسيط غير المباشر، لكن التوتر يبقى دائماً.
هذا وتمتلك باكستان ترسانة من الرؤوس الحربية الصغيرة عالية الجاهزية، مما يخفض عتبة الاستخدام.
اللادولة في كشمير – غياب حدود معترف بها ووجود فصائل مسلحة يخلق “حرباً بالوكالة” يمكن أن تفلت من السيطرة.
تداخل القوى العظمى – الهند تقترب من أميركا لمحاصرة الصين، وباكستان ترتبط استراتيجياً ببكين، بينما روسيا توازن بين الجانبين، هذا التداخل يحوّل أي حادث محلي إلى أزمة دولية متعددة الأقطاب، السيناريو الكابوسي: عملية إرهابية كبيرة في الهند تؤدي إلى رد عسكري عبر خط السيطرة، فتطلق باكستان إنذاراً نووياً محدوداً، وتجد واشنطن وبكين نفسيهما مضطرتين للاختيار بين التصعيد أو التراجع – وكلاهما كارثي للسمعة.

ما شكل إعادة التموضع بين القوى العظمى؟
الولايات المتحدة: من هيمنة ليبرالية إلى “قوة عظمى مقتصدة” تركز على نصف الكرة الغربي والصفقات الثنائية مع الصين بدلا من التحالفات متعددة الأطراف.
الصين: من قوة شرق آسيوية إلى قوة عالمية جزئية، تستخدم السلع العامة والبنية التحتية لتوسيع النفوذ، مع تعزيز التعاون الأمني مع روسيا لمواجهة الاستراتيجية الأميركية. روسيا والصين: تقاربهما ليس أيديولوجيا فقط، بل عملي: مناورات مشتركة، تبادل طاقة، وتنسيق في إفريقيا والشرق الأوسط لملء “عجز القيادة العالمية” الذي تركته واشنطن. القوى المتوسطة: الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا ترفض تأطير الصراعات كـ “ديمقراطية ضد أوتوقراطية”، وتتعامل معها كصراع قوى عظمى، ما يمنحها هامش مناورة أكبر.
لذا لم نعد أمام حرب باردة ثنائية، بل أمام “لعبة كبرى” ثلاثية الأبعاد. أمريكا تريد إدارة الصين اقتصاديا، الصين تريد تحييد أميركا عسكريا حول تايوان، وروسيا تريد استنزاف الغرب عبر شراكات الجنوب. النتيجة: لا أحد يريد حربا كبرى، لكن الجميع مستعد لاختبار حدود الآخر في بؤر مثل تايوان وكشمير.
كيف يضخّم التضخم الناتج عن الحرب الإيرانية الأزمات الاجتماعية في دول نامية مثل مصر وباكستان وتركيا؟
هذه الدول تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة والغذاء، فكل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط يزيد عجز الميزان التجاري بنحو 0.5% من الناتج المحلي، ويؤدي إلى انخفاض قيمة العملة المحلية بسبب الطلب على الدولار لشراء الوقود، مع ارتفاع التضخم، تضطر الحكومات إلى خفض دعم الوقود (كما حدث في مصر 2022-2023)، مما يرفع أسعار المواصلات والكهرباء، ثم الخبز (لأن الأسمدة والمبيدات تعتمد على الغاز).
ينتج عنها موجة احتجاجات شعبية تطالب بخفض الأسعار لا بإنهاء الحرب، وهو ما يضعف الاستقرار السياسي، تجربة سريلانكا 2022 نموذج مصغر، انهيار بسبب نقص العملة الصعبة لشراء الوقود.
لماذا تشتعل الاحتجاجات داخل إيران ودول الجوار (العراق، لبنان، اليمن) مع تصعيد الحرب، وما علاقة الاقتصاد؟
داخل إيران، الحرب تستهلك 40% من الموازنة العامة عسكرياً وأمنياً، وهذا يجبر الحكومة على تقليص الدعم، ورفع أسعار الخبز والبنزين (كما حدث في نوفمبر 2019 مما أدى إلى مقتل المئات)، مع تدهور الريال الإيراني، تفقد الطبقة الوسطى مدخراتها، ويخرج الشباب والعمال احتجاجات لا تطالب فقط بإنهاء الحرب بل بإسقاط النظام. أما خارجياً: في العراق، الميليشيات الموالية لإيران تتحكم بالكهرباء والغذاء، وأي تصعيد يعني انقطاعات مطولة واحتجاجات شيعية ضد إيران نفسها، في لبنان، حزب الله يورّط البلاد في حرب لا تخدم اللبنانيين، فيزداد الغضب ضد سلاحه، في اليمن، الحوثيون يزيدون هجماتهم على الناقلات، مما يرفع أسعار الشحن ويعمق المجاعة. باختصار، الحرب تنتج فقراً، والفقر ينتج ثورات.
وفى نهاية المطاف نجد أن آسيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث تتقاطع الأزمات الإقليمية مع التنافس العالمي على النفوذ والقيادة الدولية، وبين الضغوط الصينية المتصاعدة على تايوان، والتوازن النووي الهش بين الهند وباكستان، والصراع المتنامي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، تبدو القارة الآسيوية مرشحة لأن تكون المركز الرئيسي للتطورات الاستراتيجية خلال العقود المقبلة.
وفي الوقت الذي تمنع فيه معادلات الردع اندلاع حرب عالمية مباشرة، فإن استمرار التوترات وسباقات التسلح وإعادة التموضع الجيوسياسي يجعل العالم أمام مرحلة طويلة من عدم اليقين، حيث قد تتحول أي أزمة محلية إلى اختبار دولي واسع النطاق، يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في القرن الحادي والعشرين.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى