
لبنان رهينة المفاوضات: طهران تريد الصفقة الشاملة و”تل أبيب” تريد الحرب المفتوحة
كيف تحولت جبهة حز ب الله إلى ساحة صراع إقليمي يعكس توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط بعد حرب 2026؟
كتب أحمد سمير
في أعقاب الضربات الأميركية- الإسرائيلية المشتركة على إيران في فبراير الماضي 2026، التي أدت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، انفتحت جبهة لبنان مرة أخرى كساحة حرب مكثفة، رد حزب الله، الذراع الإيراني الأقوى، بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على إسرائيل في الثاني من مارس الماضي 2026، مما دفع بالعدو الاسرائيلي إلى تصعيد عملياتها الجوية والبرية في جنوب لبنان، مع إصدار أوامر إخلاء واسعة أدت إلى نزوح قرابة مليوني شخص (أكثر ربع سكان لبنان).
يُجسد هذا التجاذب الثلاثي (إيران- أميركا- إسرائيل) صراعاً استراتيجياً عميقاً حول “ربط الملفات”.
حيث تسعى إيران إلى ربط وقف إطلاق النار في لبنان بأي اتفاق مع الولايات المتحدة، معتبرة أن أي هدنة يجب أن تشمل وقف العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله للحفاظ على محور المقاومة.
فى نفس السياق وضعت إيران شرطا صريحا: أي تفاهم مستقبلي مع الولايات المتحدة يجب أن يشمل وقفًا فوريًا لإطلاق النار في لبنان.
وهذا ما قد أكده وزير الخارجية عباس عراقجي كتب ذلك علنا: “وقف إطلاق النار بين إيران وأميركا يشمل بصورة لا لبس فيها جميع الجبهات بما فيها لبنان. وأي انتهاك له على جبهة واحدة يعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار على جميع الجبهات”.
في المقابل، رئيس الوزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبلغ مسؤولين أميركيين كبار أن “أي اتفاق مستقبلي بين واشنطن وطهران لن يقيّد العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان”، مؤكدا أن إسرائيل ستواصل استهداف الأراضي اللبنانية بغض النظر عن أي اتفاق أميركي–إيراني.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فصل الجبهة اللبنانية عن المفاوضات النووية والإقليمية الأوسع مع إيران، بهدف إضعاف قدرات حزب الله بشكل دائم، ودفع الجيش اللبناني نحو احتكار السلاح، وإنشاء منطقة عازلة جنوب الليطاني.
في سياق متصل الولايات المتحدة، في عهد دونالد ترمب الثاني، تحاول الإمساك بالعصا من الوسط. عمليا، بدأت واشنطن فصل الملفين:فقد أأكدت مصادر مطلعة أن ” قول إن وزير الخارجية ماركو روبيو أصبح المسؤول الجديد عن ملف لبنان، وتم فصل هذا الملف عن مسار مفاوضات إيران التي ستُعقد في إسلام آباد.
هذا التجاذب يكشف استراتيجية إيرانية واضحة: ربط الجبهة اللبنانية بالمفاوضات النووية يمنح طهران “القدرة والمساحة على مزيد من المناورات مع الأميركيين” ويؤكد نفوذها في إشعال أو تهدئة الحدود الشمالية لإسرائيل. إسرائيل ترى في ذلك محاولة إنقاذ “جوهرة التاج” – حزب الله – قبل أن يُجبر على نزع سلاحه.
هذا الربط ليس مجرد تكتيك عسكري، بل تعبير عن تحول في توازن القوى، إيران التي خسرت حليفها السوري وتعرضت لضربات موجعة، تحاول استخدام حزب الله كورقة ضغط لاستعادة بعض الردع. أما إسرائيل، المدعومة أمريكياً، فترى في الفرصة التاريخية لتفكيك التهديد الشمالي، بينما تتردد واشنطن بين دعم حليفها الاستراتيجي وتجنب حرب إقليمية واسعة تؤثر على أسعار النفط وممرات الملاحة مثل مضيق هرمز. النتيجة: لبنان يدفع الثمن الأكبر، مع استمرار الغارات والنزوح رغم محاولات الهدن المتكررة.
بينما تعلن إيران وقف المحادثات مع واشنطن احتجاجاً على هذه الهجمات،أسئلة جوهرية تطرح نفسها بقوة فى خضم هذا التقرير: هل ستنجح إسرائيل في عزل لبنان عن المعادلة الإقليمية، أم أن طهران ستفرض رؤيتها التي تربط مصير لبنان بمستقبل المفاوضات النووية والعقوبات؟ ،هل تنجح إسرائيل في تمرير معادلة “لبنان مقابل إيران”؟ وكيف تتعامل إدارة بايدن مع هذا التجاذب في عام انتخابي حاسم؟ ،هل لبنان يتحول تدريجيًا من ساحة مواجهة إلى ورقة تفاوض ضمن ترتيبات إقليمية أكبر؟
لماذا تصر إسرائيل على ربط مستقبل الحرب الإقليمية بالوضع في لبنان؟
ترى إسرائيل أن الخطر الاستراتيجي الأكبر عليها لا يتمثل فقط في البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإيراني في المنطقة، بل في البنية العسكرية المتقدمة لحزب الله على حدودها الشمالية. فمنذ سنوات تعتبر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن أي حرب واسعة مع إيران ستشمل تلقائيًا الجبهة اللبنانية.
لذلك تسعى تل أبيب إلى فرض معادلة جديدة تقوم على إبعاد التهديدات العسكرية عن حدودها الشمالية وتقليص القدرات الصاروخية للحزب. ومن هذا المنطلق، فإن إسرائيل تنظر إلى لبنان باعتباره الحلقة الأكثر حساسية في منظومة النفوذ الإيراني، وبالتالي فإن أي تغيير في ميزان القوى الإقليمي يجب أن ينعكس بصورة مباشرة على الساحة اللبنانية.
ما الاستراتيجية الإسرائيلية من محاولة فصل جبهة لبنان عن المفاوضات مع إيران؟
تسعى إسرائيل إلى تفتيت التهديدات على جبهات متعددة، وتريد توجيه ضربة قاسية لحزب الله دون أن تكون مقيدة بأي تفاهمات إقليمية قد تبرمها واشنطن مع طهران، القلق الإسرائيلي واضح من ربط جبهة لبنان بالمفاوضات مع إيران، ومن احتمال أن يفرض البيت الأبيض قيوداً إضافية على التصعيد ضد حزب الله لإعطاء فرصة للمفاوضات لذلك، تحاول إسرائيل تكثيف عملياتها العسكرية في لبنان، وتوسيع نطاق الضربات ، بهدف خلق أمر واقع جديد على الأرض يجعل من المستحيل تجاهل مصالحها الأمنية في أي اتفاق مستقبلي، يرى الخبراء أن إسرائيل تسعى لفصل ساحة لبنان عن باقي الجبهات، في محاولة لتكريس الاشتباك معها كملف مستقل عن المواجهة مع إيران ، مما يمنحها حرية أكبر في التصعيد العسكري.
ما هي الأسباب الرئيسية للتصعيد العسكري بين إيران وأميركا وإسرائيل في السياق اللبناني؟
يُعزى التصعيد إلى عدة عوامل، منها دعم إيران لحزب الله كجزء من استراتيجيتها لتعزيز النفوذ في المنطقة، مما يُعتبر تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي، في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى دعم حلفائها في المنطقة، بما في ذلك إسرائيل، لضمان استقرارها، مما يدفعها إلى اتخاذ مواقف عدائية تجاه إيران، خاصة في ما يتعلق ببرنامجها النووي وأعمالها العسكرية في لبنان.
لماذا ترفض إسرائيل ربط الملفين بهذا الإصرار؟
لأن نتنياهو يرى في اللحظة الحالية “فرصة استراتيجية لدفع قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني”، وليس وقتا لتجميد العمليات. وزير الدفاع يسرائيل كاتس قال صراحة إن الجيش “لن ينسحب من الجنوب اللبناني، وسيسيطر على المنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني”.
الرفض الإسرائيلي له جذران:
عقائدي–أمني: المؤسسة العسكرية تعتبر تهديد حزب الله وجوديا، ولا يمكن ربطه باعتبارات أميركية، كما يقول مارك دوبويتز، “السلام الإقليمي لا يمكن تحقيقه دون القضاء على حزب الله”.
سياسي: نتنياهو يواجه محاكمة فساد وحل كنيست محتمل، والحرب في الشمال تمنحه شرعية البقاء،أي اتفاق يقيده سيُنظر إليه داخليا كتنازل لترمب.
إسرائيل ترفض أيضا المقترح الفرنسي بوقف العمليات مقابل دعم دبلوماسي، لأنها تريد “التنفيذ المستمر” على غرار نموذج غزة، لا اتفاقا هشا قد تخرقه إيران لاحقا.
هل تسعى إسرائيل بالفعل إلى “حرب واسعة” في لبنان أم أن التصعيد الحالي هو “ضغط عسكري” لتمرير أجندة سياسية؟
تسعى إسرائيل إلى “خيار وسيط”: لا حرب شاملة مفتوحة (لأن تكاليفها باهظة: تدمير البنية التحتية، نزوح 300-500 ألف إسرائيلي، استنزاف احتياطي الذخيرة الأميركي)، ولا انسحاب كامل (لأنه يعني انتصاراً معنوياً لـ”حزب الله” وتشجيع إيران على المزيد من المغامرات). لكنها تريد “تغيير قواعد الاشتباك” بالقوة:
الأهداف الإسرائيلية المعلنة:
إبعاد “الرادع الصاروخي” للحزب عن المنطقة العازلة جنوب الليطاني عبر تدمير مخازن الصواريخ الدقيقة والقدرات القتالية النخبوية (وحدة الرضوان).
الأهداف الخفية (غير المعلنة):
ربط مفاوضات ترسيم الحدود البرية (النقاط الـ13 المتنازع عليها) بالوضع العسكري في الجنوب، حيث تريد إسرائيل شرعية دولية لاحتلال نقاط استراتيجية في جنوب لبنان تحت ذريعة “الأمن الدائم”.
إجبار المجتمع الدولي (خاصة فرنسا والولايات المتحدة) على الإشراك المباشر لضبط “حزب الله”، الأمر الذي سيضع الحزب أمام معادلة: إما القبول بتسوية تضعف نفوذه أو المواجهة المدمرة.
تحويل الانتباه عن الفشل في تحقيق أهداف حرب غزة (تحرير الأسرى، القضاء على حماس)، حيث تشتعل الجبهة الشمالية كبديل يحافظ على الصورة القتالية للحكومة الإسرائيلية.
فى العموم إسرائيل لا تريد حرباً مفتوحة اليوم، لكنها تدفع الحدود إلى حافة الهاوية لتحقيق مكاسب عبر “الضغط العسكري الدبلوماسي”، مع علمها أن طهران وإسرائيل تتبادلان الرسائل عبر وسطاء (مسقط، جنيف) حول “المنطقة الرمادية” المسموح بها قبل الرد المتبادل .
كيف تتعامل إسرائيل مع محاولات الربط هذه، وما هي أهدافها طويلة الأمد في لبنان؟
إسرائيل ترفض الربط بشكل قاطع، معتبرة أن الجبهة اللبنانية تهديداً وجودياً يجب التعامل معه بشكل مستقل، أهدافها تشمل إقامة منطقة عازلة حتى الليطاني، تدمير البنية التحتية العسكرية لحزب الله، ودفع الجيش اللبناني للسيطرة الحقيقية على الجنوب وفق قرار 1701.
بعد تجارب 2006 و2024، ترى إسرائيل أن أي هدنة دون نزع سلاح حزب الله ستكون مؤقتة،كما أن التصعيد في 2026 (بما في ذلك عمليات برية وغارات على الضاحية) يهدف إلى استغلال الضعف الإيراني لتحقيق مكاسب دائمة، رغم الضغوط الأمريكية،الأمر الذى يعكس استراتيجية “النصر الحاسم” مقابل “الردع المؤقت”.
كيف تنظر إيران إلى لبنان في إطار صراعها مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟
بالنسبة لطهران، يمثل لبنان أحد أهم عناصر استراتيجية الردع الإقليمي. فوجود حليف قوي على الحدود الشمالية لإسرائيل يمنح إيران قدرة على ممارسة الضغط غير المباشر دون الدخول في مواجهة مباشرة ومكلفة.
كما تنظر القيادة الإيرانية إلى لبنان باعتباره جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط وبالتالي فإن أي محاولة لإضعاف هذا النفوذ أو تفكيكه تُفسَّر في طهران على أنها استهداف مباشر للأمن القومي الإيراني.
لذا ترفض إيران الفصل بين مستقبل لبنان وبين الصراع الإقليمي الأشمل، وتعتبر أن أي تسوية تتجاهل مصالحها الاستراتيجية ستكون غير قابلة للاستمرار .
لماذا تصر إيران على ربط ملف لبنان بأي اتفاق مع الولايات المتحدة، وما هي الأهداف الاستراتيجية وراء ذلك؟
إيران ترى في حزب الله “الذراع الطويل” الوحيد المتبقي نسبياً بعد خسائر كبيرة في سوريا وحماس. ربط الملف يهدف إلى منع إسرائيل من تحقيق انتصار حاسم يفكك قدرات الحزب بشكل نهائي، مما يحافظ على قدرة طهران على الردع غير المباشر. بعد اغتيال خامنئي، أصبحت إيران أكثر ضعفاً نووياً وعسكرياً، لذا تستخدم الجبهة اللبنانية لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات في المفاوضات (مثل تخفيف العقوبات أو وقف الضربات)،كما أن ذلك يعزز صورتها الإقليمية كـ”قائدة المقاومة”، ويمنع انهيار نفوذها في لبنان الذي يُعتبر بوابتها إلى البحر المتوسط. رفض إيران لفصل الملفات يعكس خوفها من أن يؤدي أي اتفاق منفصل إلى تسليم حزب الله لمصيره، مما ينهي نموذج “الوكلاء” الذي بنته لعقود، إيران تحرص على إدراج لبنان لضمان بقاء حزب الله “حليفًا ووكيلًا فاعلًا لها على الحدود الشمالية لإسرائيل” بعد الأزمة،هذا الربط يحقق ثلاثة أهداف:
تكتيكي: وقف الغارات الإسرائيلية على الضاحية والجنوب، التي تستنزف مخزون الصواريخ الدقيقة.
تفاوضي: تحويل وقف النار في لبنان إلى تنازل أميركي، مقابل تجميد جزئي للتخصيب دون تفكيك البرنامج.
سياسي داخلي: التيار المتشدد بقيادة أحمد وحيدي يستخدم الملف اللبناني لتعطيل أي تسوية يقودها محمد باقر قاليباف، وإظهار أن طهران لا تتفاوض تحت القصف.
طهران نقلت عبر وسطاء رسالة مفادها أن “لبنان يجب أن يكون جزءًا من أي اتفاق لوقف إطلاق النار”، وهو ما يعكس قناعة بأن بدون لبنان، ستكون الصفقة النووية مجرد استسلام.
ما الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في هذا التجاذب؟
واشنطن تتحرك ضمن مقاربة أكثر تعقيدًا،فهي تدعم أمن إسرائيل بشكل كامل، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تجنب حرب إقليمية واسعة قد تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية وأمنية عالمية.
لذلك تحاول الإدارة الأميركية إدارة التوازن بين الضغط على إيران واحتواء التصعيد العسكري،ومن هذا المنطلق، تنظر إلى الملف اللبناني باعتباره أداة يمكن استخدامها لدفع الأطراف نحو ترتيبات أمنية جديدة تقلل احتمالات الحرب.
غير أن واشنطن تدرك أيضًا أن أي ضغط مفرط على لبنان أو على حلفاء إيران قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويشعل مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
أين تقف واشنطن فعلا؟ هل هي وسيط أم منحاز؟
واشنطن منقسمة على نفسها. ترمب يريد إنجازا دبلوماسيا قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2026، ويرى في اتفاق نووي جديد انتصارا شخصيا. لكنه في الوقت نفسه منح إسرائيل ضوءا أخضر ضمنيا.
مسؤول إسرائيلي قال إن “الولايات المتحدة قبلت بالموقف الإسرائيلي، مشيراً إلى أن لبنان لا يهم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب”. هذا يفسر خطوة فصل الملفين إداريا وتعيين روبيو للبنان بينما تستمر قناة إسلام آباد مع إيران.
المفارقة أن إيران تحاول استغلال ذلك لإحداث شرخ: معهد دراسات الحرب يتوقع أن تسعى طهران “لتحميل إسرائيل وعملياتها في لبنان مسؤولية انهيار المفاوضات الأميركية-الإيرانية”، ترمب، حسب تسريبات “أكسيوس”، وصف نتنياهو بأنه “مجنون” بسبب التصعيد في لبنان، لكنه لم يوقف شحنات السلاح.
أميركا تريد تهدئة محسوبة، لا وقفا شاملا. تريد من إيران التنازل نوويا، ومن إسرائيل عدم إحراجها دبلوماسيا، لكنها لن تفرض على تل أبيب وقفا في لبنان.
ما موقف الولايات المتحدة من هذا الربط، وكيف يؤثر على سياستها تجاه إسرائيل ولبنان؟
الإدارة الأمريكية (تحت ترامب) تحاول فصل الملفات للحفاظ على مرونة التفاوض مع إيران دون السماح لطهران باستخدام لبنان كرهينة. واشنطن تدعم إسرائيل في عملياتها الدفاعية ضد حزب الله، لكنها تضغط للحد من التصعيد (مثل منع ضربات واسعة على بيروت) لتجنب تعطيل المفاوضات أو إغلاق مضيق هرمز. هذا يعكس توازناً دقيقاً: دعم إسرائيل لإضعاف التهديدات الإيرانية، مع تشجيع حوار لبناني-إسرائيلي مباشر (كما حدث في واشنطن أبريل 2026) لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية ونزع سلاح حزب الله تدريجياً. ومع ذلك، يثير هذا النهج توتراً مع إسرائيل التي تريد حرية عمل أكبر، مما يظهر حدود النفوذ الأمريكي.
ما تداعيات هذا التجاذب على لبنان الدولة والشعب، وهل هناك فرصة لسلام مستدام؟
إجابة: لبنان يعاني كارثة إنسانية واقتصادية: نزوح جماعي، دمار بنى تحتية، وتعميق الانقسام السياسي بين مؤيدي حزب الله ومعارضيه. الحكومة اللبنانية تحاول الاستفادة من الضغط الدولي لتعزيز سيادتها، كما في الشكوى ضد إيران في الأمم المتحدة، لكنها ضعيفة أمام الحزب. الفرصة لسلام مستدام تكمن في اتفاقات برعاية أمريكية تشمل انسحاب إسرائيل مقابل نزع سلاح حزب الله وإعادة إعمار، لكن رفض الحزب للهدن الجزئية واستمرار الارتباط بإيران يعقد الأمر. بدون حل جذري لنفوذ إيران، يبقى لبنان ساحة للصراعات الوكيلة.
كيف يؤثر الصراع في لبنان على العلاقات بين الدول الكبرى في المنطقة؟
يؤثر الصراع في لبنان بشكل مباشر على العلاقات بين الدول الكبرى، إذ تثبت إسرائيل أنها تعتبر وجود حزب الله، الذي تدعمه إيران، تهديدًا وجوديًا. هذا الوضع يدفع الولايات المتحدة إلى زيادة دعمها العسكري والاقتصادي لإسرائيل من جهة، ويؤدي إلى تأزيم العلاقات مع إيران، مما يُنبئ بتصاعد حدة الصراع ويؤثر على استقرارية المنطقة برمتها.
حزب الله ليس متفرجا. في يناير 2026، استقبل أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي في بيروت، بحضور السفير الإيراني، وأكدا أن “الحزب سيستمر في التعاون مع الدولة والجيش اللبناني لطرد الاحتلال” وأن العدوان الأميركي–الإسرائيلي مستمر.
هذا اللقاء يؤكد وظيفتين:
• ورقة ضغط إيرانية: الحزب يطلق صواريخ محدودة شمال إسرائيل كلما تعثرت المفاوضات، ليُذكّر واشنطن بأن التهدئة في هرمز لا تكفي. • ورقة بقاء ذاتي: الحزب يتمسك بربط الملف اللبناني بالإيراني لأنه يرفض نزع السلاح تحت الضغط، معتمدا على “استراتيجية الصمود وكسب الوقت”.
لكنه يدفع ثمنا باهظا: أكثر من 1.2 مليون نازح لبناني، وقرى مدمرة على الحدود، وحكومة لبنانية تطالبه بتسليم السلاح.
5- ما الخطر الحقيقي من تحويل لبنان إلى “بند تفاوضي”؟
الخطر أن لبنان يتحول من دولة إلى ساحة مقايضة. عندما تربط إيران مصير الجنوب باليورانيوم، فهي عمليا تقول لواشنطن: “أوقفوا إسرائيل في بنت جبيل، نوقف التخصيب في نطنز”. وعندما ترفض إسرائيل، فهي تقول: “سنكمل حتى الليطاني حتى لو انهارت مفاوضاتكم”.
هذا يخلق حلقة مفرغة: كل تصعيد إسرائيلي في بيروت يُستخدم في طهران ذريعة لتعليق المحادثات، وكل تعليق يُستخدم في تل أبيب ذريعة لتوسيع العملية. النتيجة كما يصفها دوبويتز: إيران تدفع “من أجل وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، وهو محاولة لإنهاء العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله”، بينما إسرائيل ترى أن تحصين الحزب الآن “سيكون بمثابة السماح لإيران باستعادة اليورانيوم المخصب”.
لبنان في الوسط يخسر السيادة مرتين: مرة لأن قرار الحرب ليس بيده، ومرة لأن قرار السلم يُتخذ في إسلام آباد وواشنطن وتل أبيب.
هل أصبح لبنان ورقة تفاوض أم ساحة مواجهة؟
الحقيقة أن لبنان يجمع بين الصفتين في آن واحد.
فمن جهة، ما زال يشكل ساحة مواجهة مفتوحة يمكن أن تشهد تصعيدًا عسكريًا في أي لحظة إذا انهارت التفاهمات القائمة. ومن جهة أخرى، أصبح جزءًا من ملفات التفاوض غير المباشر بين القوى الكبرى والإقليمية.
وتاريخيًا، كثيرًا ما ارتبطت التسويات اللبنانية بتفاهمات خارجية أوسع. واليوم يبدو أن أي حل مستدام للأزمة اللبنانية قد يحتاج إلى توافقات تتجاوز الحدود اللبنانية نفسها لتشمل العلاقات الإيرانية–الأميركية ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
ما المخاطر التي يواجهها لبنان نتيجة هذا الربط بين الملفات؟
أخطر ما يواجهه لبنان هو فقدان القدرة على الفصل بين مصالحه الوطنية وبين الصراعات الإقليمية.
فعندما يصبح البلد جزءًا من معادلات الردع والمساومة الدولية، فإن قرارات الحرب والسلم قد تتأثر بعوامل خارجية أكثر من ارتباطها بالواقع اللبناني الداخلي.
كما أن استمرار هذا الوضع يهدد بتعميق الأزمة الاقتصادية والسياسية، ويؤخر فرص الاستقرار وإعادة بناء المؤسسات، ويجعل لبنان عرضة للاهتزاز مع كل موجة توتر جديدة بين إيران وإسرائيل أو بين إيران والولايات المتحدة.
هل يمكن أن يقود الربط بين الحرب ولبنان إلى تسوية إقليمية شاملة؟
هذا الاحتمال قائم، لكنه يواجه عقبات كبيرة.
فإذا نجحت الجهود الدولية في التوصل إلى تفاهمات أوسع بشأن الأمن الإقليمي، فقد يصبح الملف اللبناني جزءًا من حزمة تسويات تشمل الحدود والأمن وإعادة الإعمار وترتيبات النفوذ.
أما إذا استمرت حالة انعدام الثقة بين الأطراف، فإن لبنان قد يبقى ساحة استنزاف مفتوحة تستخدمها القوى المختلفة لتعزيز مواقعها التفاوضية دون الوصول إلى حلول نهائية.
ما هو دور القوى الإقليمية الأخرى في هذا السياق؟
تلعب القوى الإقليمية، مثل السعودية وتركيا، دورًا محوريًا في تحديد ملامح الصراع اللبناني. السعودية، على سبيل المثال، تدعم قوات معادية لإيران في لبنان، بينما تراقب تركيا الوضع عن كثب، حيث تتطلع إلى تعزيز نفوذها على غرار الهيمنة الإيرانية. هذه الديناميكيات تُعقّد الأوضاع داخل لبنان، وتجعل من الصعب الوصول إلى توافقات داخلية فعّالة.
وفى نهاية الأمر
يقف لبنان اليوم عند تقاطع ثلاثة مشاريع متنافسة: المشروع الإيراني الساعي للحفاظ على معادلة الردع والنفوذ، والمشروع الإسرائيلي الهادف إلى إزالة التهديدات الأمنية على حدوده الشمالية، والمشروع الأميركي الرامي إلى إعادة صياغة توازنات المنطقة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وبين هذه المشاريع المتشابكة، يتحول لبنان تدريجيًا إلى مرآة للصراع الإقليمي بأبعاده العسكرية والسياسية والاستراتيجية.
ويبقى السؤال الأكثر أهمية: هل تنجح القوى الدولية والإقليمية في تحويل لبنان من ساحة اشتباك إلى منصة تسوية، أم أن البلاد ستظل رهينة التجاذبات الكبرى التي تجعل مستقبلها مرتبطًا دائمًا بمصير الصراعات الدائرة من حولها؟



