نادين لبكي والخطاب اللبناني الموجَّه إلى الغرب

كتب مالك خوري

في الوقت الذي كانت فيه الطائرات الصهيونية تواصل قصف الجنوب اللبناني، وتدفع الدمار تدريجياً نحو ضواحي بيروت، ظهرت نادين لبكي على منصة مهرجان كان السينمائي لتتحدث عن لبنان الذي يحاول أن يعيش تحت وطأة الموت، وعن شعب يقاوم الخراب بالكلمة والصورة والشعر والسينما، وعن قدرة اللبنانيين المستمرة على التمسك بالحياة رغم كل شيء.
كان خطاباً مؤثراً على المستوى الإنساني، وربما عبّر بالفعل عن جانب من شعور اللبنانيين الذين أنهكتهم الحروب والانهيارات والدمار المتكرر. لكن المشكلة في هذا النوع من الخطاب لا تكمن في دعوته إلى الإنسانية أو التعاطف، بل في الطريقة التي يجري فيها انتزاع المأساة من سياقها التاريخي والسياسي، وتحويلها إلى حالة إنسانية مجردة تبدو وكأنها هبطت من السماء بلا أسباب، أو كأنها قدر شرقي أبدي لا علاقة له بالاستعمار والهيمنة والحروب المفروضة على المنطقة.
فالواقع اللبناني لم يتشكل في الفراغ. وما يعيشه لبنان منذ عقود ليس مجرد “دوامة عنف” غامضة أو “صراع” متبادل المسؤوليات، بل جزء من تاريخ طويل من الاعتداءات والضغوط السياسية والعسكرية المرتبطة بقيام المشروع الصهيوني في فلسطين، وارتباط هذا المشروع ببنية أوسع من الهيمنة الإمبريالية على المنطقة العربية. إن اختزال كل هذا التاريخ في خطاب إنساني عام عن الحب والسلام والتعايش لا يؤدي إلا إلى محو الأسباب الفعلية للعنف، وتحويل الضحية والجلاد إلى أطراف متساوية داخل مأساة بلا جذور.
هذا بالتحديد هو ما يجعل الخطاب الثقافي السائد لدى جزء من النخب اللبنانية خطاباً ملتبساً. فهو يسعى باستمرار إلى تقديم ذاته أمام الغرب بصورة “المتحضر” القادر على تجاوز السياسة والتاريخ باسم الإنسانية المجردة، وكأن المشكلة الأساسية في المنطقة ليست الاحتلال والاستيطان والحرب، بل فقط فشل الناس في “حب بعضهم البعض”.
إن هذا النوع من الخطاب، الذي يزدهر عادة في المهرجانات والمنصات الثقافية الغربية، لا يزعج الجمهور الأوروبي أو الأمريكي لأنه لا يطال البنية الفعلية للقوة الامبريالية العالمية وأداتها الصهيونية في هذه المنطقة المنكوبة بهذا الارث الاستعماري المتوحش. إنه خطاب يكتفي بتقديم الألم بوصفه تجربة إنسانية شاعرية قابلة للاستهلاك الثقافي، دون أن يربط هذا الألم بالبنى السياسية والاقتصادية التي تنتجه يومياً.
وفي مفارقة لافتة، بدا أن ممثلاً ومخرجاً كندياً متل كزافيير دولان، خلال تكريمه في المهرجان نفسه، كان أكثر قدرة على تسمية الأشياء بأسمائها حين استعاد قصيدة محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”. فذلك الفنان القادم من خارج المنطقة استطاع أن يرى في ما يحدث جوهر العلاقة بين الاستيطان والعنف والاقتلاع، وأن يفهم أن المأساة الفلسطينية واللبنانية ليست مجرد حالة إنسانية عائمة، بل نتيجة مباشرة لبنية استعمارية ما زالت تعمل حتى اليوم بأشكال متعددة.
أما خطاب نادين لبكي، كما في كثير من أعمالها السينمائية، فيبقى أسير التعامل مع النتائج لا الأسباب، ومع السطح لا البنية العميقة للواقع. شخصياتها تعاني وتبكي وتبحث عن النجاة، لكن هذا الألم غالباً ما يُقدَّم باعتباره قدراً اجتماعياً أو إنسانياً عاماً، لا نتيجة مباشرة لعلاقات القوة والقمع والهيمنة التي تصوغ الحياة اليومية في المنطقة.
المشكلة هنا ليست في غياب الشعور الإنساني، بل في فصل هذا الشعور عن التاريخ. فالإنسانية التي لا ترى الاستعمار تتحول بسهولة إلى لغة تجميلية، والتضامن الذي لا يرتبط بفهم سياسي للواقع يصبح مجرد تعاطف عابر قابل للاستهلاك الإعلامي.
وربما لهذا السبب تحظى مثل هذه الخطابات بالترحيب والتصفيق في الفضاءات الثقافية الغربية؛ لأنها تقدم شرقاً متألماً، لكنه منزوع السياسة، ومنزوع القدرة على تسمية من يقتله فعلياً. شرقاً يبكي بأناقة، ويتحدث بلغة إنسانية ناعمة، لكنه لا يربك البنية العالمية التي تنتج هذا الخراب أصلاً.
إن القضية ليست في مطالبة الفنان بأن يتحول إلى خطيب سياسي، بل في إدراك أن أي حديث عن الألم الإنساني يفقد جزءاً أساسياً من صدقه حين يتجاهل القوى التي تصنع هذا الألم وتعيد إنتاجه كل يوم.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى