جغرافيا الاحتلال وفلسفة المواجهة: الجنوب اللبناني في وثائق حسن صعب والمؤتمر الوطني للإنماء

محمد ع. درويش

تحول الجغرافيا إلى ساحة مخترقة
شكل جنوب لبنان بين عامي 1978 و1982 المسرح الأعنف لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية على أرض لبنان. لم يكن المفكر اللبناني الدكتور حسن صعب ينظر إلى اجتياح “عملية الليطاني” عام 1978 أو الاجتياح الشامل عام 1982 كأحداث عسكرية معزولة. بل وثّقها كأزمة بنيوية ناتجة عن تحلل سيادة الدولة، وغياب المشروع الوطني الجامع، وتغييب التنمية عن المناطق الحدودية.

أولاً: نقد جغرافيا الاحتلال والحروب بالوكالة

رفض صعب بشكل قاطع تحويل جنوب لبنان إلى صندوق بريد سياسي أو قاعدة عسكرية خارجة عن سلطة الشرعية. ووثق في كتابه “لبناننا لنا” هذا الرفض مبيناً أن استسهال استباحة الجنوب من قبل الاحتلال الإسرائيلي، أو تحويله إلى منطلق لحروب الآخرين، يهدد الكيان اللبناني في صميمه، حيث كتب بوضوح:

“إن لبناننا لنا، لا لإخواننا ولا لأعدائنا، وإن سيادته لا تقبل القسمة ولا الوصاية تحت أي شعار”

ورأى صعب أن اجتياح 1978، وثم احتلال بيروت والجنوب عام 1982، هما النتيجة الحتمية لسقوط مفهوم “الدولة الحاضنة” وتحول المجتمع إلى “غابة سياسية وطائفية” شرّعت الأبواب أمام الدبابات الإسرائيلية لتخترق الحدود مستغلة الانقسام الداخلي.

ثانياً: فلسفة المواجهة من خلال “الإنماء الشامل”

في مقابل آلة الحرب والتدمير، طوّر صعب من خلال “المؤتمر الوطني للإنماء” فلسفة مواجهة نوعية تقوم على أن الرصاص وحده لا يصنع تحريراً مستداماً ما لم يحصنه إنسان واعي وأرض منماة. وجاء في وثائق المؤتمر الوطني للإنماء الصادرة في تلك الحقبة الحرجة:

“إن الإنماء هو الوجه الآخر للأمن القومي، والصمود الحقيقي في وجه الاحتلال يبدأ من تأمين مقومات الحياة والكرامة للمواطن الجنوبي في أرضه”.

وتلخصت فلسفته للمواجهة بين عامي 1978 و1982 في النقاط التالية:

الانتقال من الغابة إلى العقل: دعا إلى استبدال العنف العشوائي بـ”الثورة العلمية والتكنولوجية” لمواجهة تفوق العدو.

تحصين الحدود بالبشر قبل الحجر: اعتبر أن مواجهة مخططات الاقتلاع الإسرائيلية تتطلب إنماءً تعليمياً، صحياً، وزراعياً فورياً للقرى الحدودية.

تنمية الولاء الوطني: رأى أن الإنماء المتوازن كفيل بنقل المواطن من الولاء للطائفة أو الزعيم أو القوى الخارجية، إلى الولاء المطلق للدولة اللبنانية.

ثالثاً: التحرير الحقيقي عبر الدولة المدنية

وثق صعب في كتاباته أبان تلك المرحلة أن التحرير من احتلال 1982 لا يمكن أن يستقيم عبر صفقات أو حلول ترقيعية ومؤقتة. وحدد شروط التحرير الناجز والمستدام عبر ركيزتين:

حصرية السلاح والقرار: أن تكون الدولة اللبنانية عبر جيشها ومؤسساتها الأمنية هي المسؤولة الحصرية والوحيدة عن حماية حدود الجنوب والدفاع عن المواطنين.

بناء الدولة المدنية الحديثة: إلغاء النظام الطائفي والمحاصصة التي اعتبرها “الثغرة القاتلة” التي نفذ منها الاحتلال الإسرائيلي والقوى الإقليمية لتفتيت النسيج اللبناني.

وفي النهاية، يبقى فكر حسن صعب، الموثق في أدبيات المؤتمر الوطني للإنماء وفي كتابه “لبناننا لنا”، استشرافاً دقيقاً لواقع الجنوب.
لقد تلاقت جغرافيا الاحتلال لديه مع فلسفة عقلانية للمواجهة، تؤكد حتى اليوم أن صون الحدود وتحرير الأرض لا ينفصلان أبداً عن بناء الدولة العادلة وتنمية الإنسان.

تتلخص نظرة المفكر والسياسي اللبناني الراحل الدكتور حسن صعب تجاه الحروب والاجتياحات التي طالت جنوب لبنان في رفض تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، معتبرًا أن تغييب المشروع الوطني الجامع جعل لبنان ثغرة أمنية سهلة الاختراق.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى