
أزمة الثقة العابرة للأطلسي: هل يتفكك التحالف الغربي من الداخل؟
التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا يضع حلف شمال الأطلسي أمام اختبار وجودي غير مسبوق
كتب أحمد سمير
تقف العلاقة عبر الأطلسي اليوم عند منعطف تاريخي غير مسبوق منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949، فما كان يُنظر إليه طوال سبعة عقود ونصف باعتباره “أنجح تحالف عسكري في التاريخ” يمر الآن بأزمة ثقة عميقة تهدد أسسه ذاتها. لقد بلغت الفجوة بين ضفتي الأطلسي مستوىً حرجاً، حيث تتداخل الضغوط التجارية مع التحولات الجيوسياسية، وتتصادم الأولويات الاستراتيجية، وتتراجع مظلة الالتزام الأميركي تجاه أمن القارة الأوروبية. في قلب هذه الأزمة يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي حوّل علاقة الشراكة التاريخية إلى ما يشبه “كشف حساب” صارم، مطالباً حلفاءه الأوروبيين بدفع ثمن حمايتهم، ومهدداً بمراجعة التزام بلاده بالمادة الخامسة – حجر الزاوية في ميثاق الناتو.
لكن اختزال الأزمة في شخص ترامب وحده يتجاهل تحولات بنيوية أعمق في البيئة الاستراتيجية الدولية، أبرزها صعود الصين كمنافس استراتيجي يدفع واشنطن لإعادة تموضع قواتها، وتزايد الضغوط الداخلية الأميركية لإعادة توجيه الموارد نحو الداخل. يطرح هذا التقرير تفكيكاً تحليلياً لأبعاد الأزمة وجذورها.
هذه الأزمة ليست عابرة؛ إنها تعكس نهاية عصر “الضمان الأميركي غير المشروط” وصعود أوروبا كقوة مضطرة للاستقلال الاستراتيجي، أو مواجهة فراغ أمني خطير، الثقة في المادة 5 (الدفاع الجماعي) أصبحت محل شك، والتحالف يتآكل سياسياً حتى لو بقي عسكرياً مؤقتاً.
تحليل لأبعاد الأزمة
التوتر السياسي والعسكري:
جاءت أحدث مستجدات الأزمة مع إعلان وزارة الدفاع الأميركية في مايو 2026 سحب نحو 5,000 جندي من ألمانيا، في خطوة ينظر إليها كرسالة توبيخ لأوثق حلفاء واشنطن داخل الناتو. يأتي هذا القرار في سياق خلاف حاد بين ترامب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، بعد أن صرّح الأخير بأن “الأميركيين يفتقرون بوضوح إلى استراتيجية” تجاه إيران، فرد ترامب غاضباً متهماً ميرتس بأنه “لا يعرف ما يتحدث عنه”. ولم يقتصر التهديد على ألمانيا وحدها، بل لوّح ترامب بسحب قواته من إيطاليا وإسبانيا أيضاً، متهماً إياهما بعدم دعم الحرب في الشرق الأوسط بشكل كافٍ.
ووفقاً لبيانات ديسمبر 2025، يبلغ الوجود العسكري الأميركي في أوروبا نحو 68 ألف جندي، يتركز أكثر من نصفهم في ألمانيا وحدها (36,436 جندياً)، تليها إيطاليا (12,662 جندياً) وإسبانيا (3,814 جندياً). ويدير البنتاغون من ألمانيا اثنين من مراكزه العسكرية الرئيسية: القيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية، بالإضافة إلى أكبر مستشفى عسكري خارج الأراضي الأميركية، مما يجعل أي انسحاب منها ذا تداعيات استراتيجية بالغة تتجاوز مجرد خفض عددي للقوات .
ومع اختلاف الأولويات الاستراتيجية، نجد أن،الولايات المتحدة، بقيادة جو بايدن، ترى أن التهديد الأكبر يتمثل في صعود الصين، وتسعى إلى حشد أوروبا ضمن استراتيجية احتواء طويلة الأمد.
في المقابل، تنظر أوروبا خصوصًا فرنسا وألمانيا إلى التهديد الروسي كأولوية مباشرة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في التوغل في صراع مفتوح مع الصين يضر بمصالحها الاقتصادية.
النتيجة: فجوة استراتيجية بين “أولوية أميركية عالمية” و”مخاوف أوروبية إقليمية”.
تآكل الثقة في الضمانة الأمنية الأميركية
يكمن الخطر الحقيقي على الناتو ليس بالضرورة في انسحاب أميركي رسمي، بل في “تآكل الثقة في الالتزام الأميركي”، وهو ما قد يقلل من فرص الردع الجماعي حتى من دون تغيير قانوني في بنية الحلف. وقد تجسد هذا التآكل بشكل صارخ في يونيو 2025، عندما رفض ترامب – وهو في طريقه إلى قمة الناتو في لاهاي – التأكيد على التزام واشنطن بالمادة الخامسة، قائلاً: “يعتمد على تعريفك… هناك تعريفات عديدة للمادة الخامسة”.
ترافقت هذه التصريحات مع تحذيرات سابقة لوزير الدفاع بيت هيغسيث من أن الأوروبيين “لا يمكنهم افتراض أن الوجود الأمريكي سيدوم إلى الأبد”، وكشف استطلاع رأي نشره موقع بوليتيكو عشية مؤتمر ميونيخ للأمن عن عمق الأزمة: 57% من الكنديين و50% من الألمان و44% من الفرنسيين و39% من البريطانيين صرحوا بأنهم لا يعتبرون واشنطن حليفاً موثوقاً، وهو ما وصفه الخبراء بأنه تحول نوعي في المزاج الشعبي الأوروبي.
وفى ظل أزمة الثقة بعد السياسات الأميركية الأحادية، لا تزال أوروبا تتذكر سياسات دونالد ترامب، الذي شكك صراحة في جدوى الناتو، وهدد بعدم الدفاع عن الحلفاء الذين لا يلتزمون بالإنفاق العسكري.
هذا الإرث خلق شكًا عميقًا: هل يمكن الاعتماد على واشنطن كضامن دائم للأمن الأوروبي؟
حتى مع عودة خطاب التهدئة في عهد بايدن، إلا أن الأوروبيين يدركون أن السياسة الأميركية قد تتغير مجددًا مع أي انتخابات قادمة.
البعد الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي
لم تعد الخلافات محصورة في المجال الأمني، بل امتدت لتشمل صراعاً تجارياً شاملاً أمضى ترامب السنة الأولى من ولايته الثانية في فرض تعريفات جمركية باهظة على البضائع الأوروبية، والتهديد بـ”السيطرة” على أراضٍ أوروبية، مما جعل القادة الأوروبيين في حاجة ماسة لتقليل اعتمادهم الاقتصادي والعسكري على الولايات المتحدة. وتعد الولايات المتحدة اليوم أكبر سوق تصدير لأوروبا، حيث تستحوذ على أكثر من 20% من الصادرات الأوروبية في عام 2026، فضلاً عن كونها المورد الرئيسي لرأس المال المخاطر ومصدر القدرات العسكرية الضرورية لردع روسيا.
فأوروبا ترى أن واشنطن تمارس “حمائية اقتصادية” تحت غطاء المنافسة مع الصين، ما يهدد الصناعات الأوروبية ويعمّق الشكوك حول نوايا الحليف الأميركي.
حدوث شرخ في الأولويات الاستراتيجية
يكمن أحد الأسباب العميقة للأزمة في تباين الأولويات الاستراتيجية: فبينما تركز الولايات المتحدة على الصين كمنافس استراتيجي رئيسي وتسعى لإعادة تموضع قواتها نحو المحيطين الهندي والهادئ، ترى أوروبا أن الخطر الأساسي يتمثل في روسيا على حدودها الشرقية، هذا التباين ليس مجرد اختلاف في التهديدات، بل يعكس تحولاً بنيوياً في البيئة الدولية ذاتها.
صعود فكرة “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”
طرح إيمانويل ماكرون مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”، الذي يدعو إلى بناء قوة دفاعية أوروبية مستقلة نسبيًا عن الولايات المتحدة، لكن هذه الفكرة تصطدم بواقع الانقسام الأوروبي:
دول شرق أوروبا (مثل بولندا) تفضّل الاعتماد الكامل على واشنطن .
دول غرب أوروبا تميل إلى قدر من الاستقلال، وهنا تظهر أزمة داخلية داخل أوروبا نفسها، تزيد من تعقيد المشهد.
الحرب في إيران وأوكرانيا كمفجّرات للأزمة
شكلت الحرب في إيران والخلاف حول إدارة الصراع في أوكرانيا محفزات رئيسية لتسريع وتيرة الأزمة، فبحسب تحليلات صادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية، أدت ثلاث حوادث متباينة بين 2025 وأوائل 2026 إلى إضعاف أسس الوحدة داخل الحلف، مما يبرز مشكلة مزدوجة: فمن جهة، يرى المحلل الأميركي إيان بريجنسكي أن فشل الناتو في تمكين أوكرانيا من الانتصار – رغم تفوقه العسكري الهائل – “سيقوّض بشكل كبير مصداقية الحلف”، ومن جهة أخرى، فإن انكشاف الانقسامات الأوروبية – الأميركية حول طريقة التعامل مع إيران عمّق الشروخ داخل الحلف وكشف هشاشة التضامن الأطلسي.
فى نفس السياق فإن أزمة الثقة: قد أدت ألى إنخفاض الآراء الإيجابية تجاه أميركا في أوروبا بشكل ملحوظ،الأوروبيون يشككون في مصداقية الالتزام الأميركي، بينما ترى واشنطن أوروبا ضعيفة وغير موثوقة،هذا يؤدي إلى “أوروبة الناتو” جزئياً، مع دعوات لخطة B أمنية مستقلة.
النتيجة: الناتو لم يعد “تحالف قيم” بل صفقة transaction، والثقة الاستراتيجية تآكلت، مما يضعف الردع ضد روسيا والصين.
هل يستطيع ترامب سحب أميركا من الناتو فعلياً؟
لا بشكل فوري أو أحادي. قانون 2023 (NDAA) يتطلب موافقة ثلثي مجلس الشيوخ أو الكونغرس، لكن ترامب يستطيع “تسميم البئر”: سحب قوات، تقليص مشاركة في القيادة، أو رفض تفعيل المادة 5 عملياً،هذا يجعل الانسحاب الفعلي ممكناً سياسياً حتى لو قانونياً معقداً، ويضعف الحلف تدريجاً.
ما تأثير ذلك على أمن أوروبا؟
كارثي على المدى القصير، لا تملك أوروبا قدرات دفاعية مستقلة كافية (نقص في الذخيرة، الاستخبارات، النقل الاستراتيجي)، قد يشجع روسيا على اختبار الحدود، طويل المدى: قد يدفع أوروبا لزيادة الإنفاق (وصلت بعض الدول 2%+، وهناك هدف 5%) وتطوير “عمود أوروبي” في الناتو أو جيش أوروبي مشترك، لكنه يحمل مخاطر انقسام داخلي (شرق vs غرب).
هل “تقاسم الأعباء” مجرد ذريعة أم مشكلة حقيقية؟
مشكلة حقيقية هيكلية، أميركا قوة عالمية تواجه الصين، بينما أوروبا ركزت على الرفاه. لكن الأرقام تخدع: الإنفاق الأميركي يخدم مصالح عالمية، والأوروبيون يقدمون قواعد ودعماً. الجدل يعكس تحولاً أعمق نحو “أميركا أولاً” وليس مجرد مال.
ما دور الصين وروسيا في هذه الأزمة؟
مستفيدان مباشران،روسيا ترى فرصة للضغط على أوروبا المجزأة، والصين تستفيد من إلهاء أميركي وانقسام غربي يضعف التحالفات في المحيط الهادئ.
ما هي الجذور العميقة لأزمة الثقة الراهنة في الناتو؟
لا يمكن تقليص أزمة الناتو في شخص ترامب أو في خلاف ظرفي حول الإنفاق الدفاعي، فجذور الأزمة أعمق وتتضافر فيها ثلاثة عوامل بنيوية:
أولاً: اختلال موازين تقاسم الأعباء تاريخياً، منذ تأسيس الحلف، تحملت الولايات المتحدة النصيب الأكبر من التكاليف. ففي عام 2025 وحده، أنفقت واشنطن 980 مليار دولار على الدفاع، تشكل نحو 62% من إجمالي إنفاق الحلف البالغ 1.59 تريليون دولار، بينما أنفقت الدول الـ31 الأخرى مجتمعة 608 مليارات دولار فقط (38%). هذا الخلل المزمن، الذي طالما اشتكى منه رؤساء أميركيون سابقون، بلغ نقطة الغليان مع إدارة ترامب التي تبنّت مقاربة “نقل العبء” بدل “تقاسم العبء”، مما يعني إعادة توزيع جذرية للمسؤوليات الدفاعية.
ثانياً: التحول في البيئة الاستراتيجية الدولية. صعود الصين كمنافس استراتيجي رئيسي دفع واشنطن لإعادة توجيه مواردها العسكرية نحو آسيا، مما جعل الوجود العسكري الكثيف في أوروبا يبدو أقل أولوية، في المقابل، لا تزال أوروبا ترى روسيا كتهديد وجودي على حدودها الشرقية، مما يخلق فجوة في تقييم التهديدات وأولويات الانتشار العسكري.
ثالثاً: أزمة الثقة المتبادلة،لم تعد المشكلة مقتصرة على تشكيك واشنطن في جدوى التزاماتها، بل امتدت لتشمل تشكيكاً أوروبياً متزايداً في جدوى الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، فقد عادت فكرة “الاستقلال الاستراتيجي” إلى الواجهة بقوة، مدفوعة ليس فقط بسياسات ترامب، بل بقناعة متزايدة بأن المصالح الأميركية والأوروبية لم تعد متطابقة كما كانت خلال الحرب الباردة. ويرى المحلل الفرنسي فرانسوا هايسبورغ أن “الأوروبيين يعرفون كيف تنظر إليهم إدارة ترامب، ومن الواضح أن هذا لا يفضي إلى علاقات جيدة”.
هل تستطيع أوروبا بناء منظومة دفاعية مستقلة عن الناتو؟
يُعد هذا السؤال الأكثر إلحاحاً في النقاش الاستراتيجي الأوروبي الراهن، والإجابة عليه تتطلب تفكيكاً دقيقاً بين الطموح السياسي والواقع العملي.
في جانب الطموح والإرادة السياسية: هناك تحرك أوروبي غير مسبوق نحو تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية. فقد ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى 343 مليار يورو في 2024، مسجلاً أعلى مستوى تاريخي، مع توقعات بمزيد من الارتفاع. كما أطلق الاتحاد الأوروبي برنامج “إعادة تسلح أوروبا” (ReArm Europe) بقيمة 800 مليار يورو، وتقوده فرنسا وألمانيا في سياسة دفاعية جديدة خارج العباءة الأميركية. والأهم أن جميع دول الناتو (باستثناء آيسلندا التي لا تملك جيشاً) حققت أو تجاوزت هدف 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الإنفاق الدفاعي في 2025، مقارنة بثلاث دول فقط في 2014، مع توقعات ببلوغ متوسط إنفاق 3% بحلول 2028 و5% بحلول 2032.
في جانب المعوقات والقيود: رغم هذه الزيادات، لا تزال الفجوة في القدرات النوعية هائلة. فأوروبا تفتقر إلى قدرات حاسمة لا يمكن تعويضها بسهولة: النقل الاستراتيجي بعيد المدى، الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المتقدمة، والمظلة النووية التي توفرها الولايات المتحدة. وتوجد حالياً 84 ألف جندي أمريكي في القارة الأوروبية يوفرون قدرات نوعية لا يمكن الاستغناء عنها. كما أن تكلفة الاستقلال الدفاعي الكامل باهظة: فتقديرات الخبراء تشير إلى أن أوروبا بحاجة إلى 5-10 سنوات على الأقل واستثمارات بمئات المليارات لتحقيق الحد الأدنى من الاستقلال الاستراتيجي. ويضاف إلى ذلك الانقسامات الداخلية بين العواصم الأوروبية حول أولويات الإنفاق وتوزيع الأعباء، مما يعرقل مشاريع كبرى مثل المقاتلة الأوروبية المستقبلية SCAF.
هل تفكك الناتو أصبح سيناريو واقعياً؟
تفكك الناتو ليس حتمياً، لكنه بات “سيناريو مطروحاً” أكثر من أي وقت مضى، ولفهم ديناميكيات هذا السيناريو، يجب التمييز بين ثلاثة مستويات من “التفكك”:
المستوى الأول: التفكك القانوني الرسمي انسحاب أميركي كامل من الحلف،ورغم أن ترامب لوّح مراراً بهذا الاحتمال، إلا أن المحللين يرون أنه غير مرجح على المدى المنظور، لأسباب منها التعقيدات القانونية (إذ يتطلب قرار الانسحاب موافقة الكونغرس بمجلسيه)، والمصالح الاستراتيجية الأميركية التي لا تزال مرتبطة بأوروبا، وكون التهديد بالانسحاب بحد ذاته أداة ضغط فعالة تفقد قيمتها فور تنفيذها.
المستوى الثاني: التفكك الوظيفي،الأخطر والأكثر واقعية لا يكمن الخطر في انسحاب رسمي، بل في “تحول تدريجي في طبيعة الالتزام الأميركي، من ضمانة أمنية ثابتة إلى علاقة مشروطة بالمصلحة والكلفة”،فحين يصبح تفعيل المادة الخامسة مرهوناً بتقييمات سياسية ظرفية وليس التزاماً آلياً، يفقد الردع الجماعي جوهره، حتى لو بقي الناتو قائماً من الناحية الشكلية. وهذا بالضبط ما تجلى في تصريحات ترامب حول المادة الخامسة، حين ربط الالتزام الأميركي بـ”تعريفه” الخاص، وليس بنص المعاهدة.
المستوى الثالث: التفكك السياسي الداخلي. ويتمثل في انقسامات داخل الحلف حول قضايا استراتيجية كبرى، وقد كشفت الحرب على إيران عن تصدعات حادة بين الأعضاء، حيث وجدت دول كألمانيا وإيطاليا وإسبانيا نفسها على خلاف مع واشنطن. هذا الانقسام يضعف التماسك الداخلي للحلف ويجعله أقل قدرة على اتخاذ القرارات الجماعية.
عوامل الصمود: رغم كل ما سبق، لا يزال الناتو يحتفظ بعوامل قوة مهمة، أبرزها البنية المؤسسية الراسخة المتراكمة عبر 77 عاماً، وشبكة المصالح الاقتصادية والأمنية المتشابكة، والتزام دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق التي ترى في الحلف ضماناً وجودياً ضد روسيا، كما أن رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة ، حيث حققت جميع الدول الأعضاء هدف 2% في 2025 – يمكن أن يسهم في تخفيف حدة الضغط الأميركي.
كيف تنعكس أزمة الثقة على بنية الردع الجماعي؟
المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على أن “الهجوم على أي عضو هو هجوم على الجميع”، لم تكن مجرد نص قانوني، بل كانت تمثل رادعاً نفسياً واستراتيجياً، فعالية هذا الرادع لا تقوم على وجود النص فقط، بل على “مصداقية” الالتزام بتفعيله. وعندما تهتز هذه المصداقية، يحدث ما يسميه الاستراتيجيون “فجوة الردع”: حالة لا يكون فيها الخصم متأكداً تماماً من أن تحريك القوات ضد عضو في الحلف سيواجه برد جماعي.
تصريحات ترامب المتكررة حول المادة الخامسة تخلق بالضبط هذا النوع من الفجوة، فعندما يقول الرئيس الأميركي إن التزامه “يعتمد على التعريف”، أو عندما يربط الحماية بدفع “الفواتير”، فإنه يبعث برسالة إلى الخصوم – تحديداً روسيا – بأن الردع الجماعي ليس استجابة آلية مضمونة، بل متغير تكتيكي قابل للمساومة.
وقد تمت محاولة إعادة تشكيل الخلف عبر صفقة “خمسة مقابل خمسة” (5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع مقابل إعادة تأكيد المادة الخامسة)، التي صُممت خصيصاً للتعامل مع منطق ترامب التجاري. وقد صرح الأمين العام للناتو مارك روته بأنه “لا شك” في التزام ترامب بالمادة الخامسة، مسجلاً رسالة تهنئة له على “الإجراءات الحاسمة في إيران” ونجاحه في دفع الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي. لكن هذه التطمينات تصطدم بواقع أن تصريحات ترامب نفسها تظل غامضة ومتناقضة، مما يبقي حالة عدم اليقين قائمة.
وفى نهاية الأمر أزمة الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا لم تعد مجرد خلاف بين حلفاء، بل تحوّلت إلى اختبار حقيقي لمستقبل النظام الدولي بأكمله.
فإذا كان حلف شمال الأطلسي قد وُلد في عالم ثنائي القطبية، فإنه اليوم يواجه عالمًا متعدد الأقطاب، حيث تتصادم المصالح بدل أن تتوحد.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، لم يعد السؤال هو: هل سيستمر التحالف؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل يستطيع الغرب أن يعيد تعريف نفسه قبل أن يعيد العالم تشكيله من دونه؟



