
اليمن والبحر الأحمر: صراع النفوذ عند بوابة باب المندب
من تحالف ضد الحوثيين إلى مواجهة نفوذ في الجنوب.. كيف حسمت الرياض الجولة وماذا يعني ذلك للملاحة العالمية والأمن الإقليمي؟
كتب أحمد سمير
يظل البحر الأحمر ومضيق باب المندب شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، فهو يمثل نحو 12-15% من الشحن البحري العالمي، بما في ذلك إمدادات النفط.
منذ أكتوبر 2023، حوّل الحوثيون (أنصار الله) هذا الممر إلى ساحة مواجهة، من خلال هجمات على السفن بدعوى دعم غزة، مما أدى إلى إعادة توجيه الشحن حول رأس الرجاء الصالح وزيادة التكاليف والزمن.
لم تعد الحرب في اليمن مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع المفتوح في المنطقة، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، وتتصادم المصالح الإقليمية والدولية عند واحدة من أهم بوابات العالم: باب المندب.
هنا، لا تُقاس المعارك فقط بعدد الجبهات، بل بقدرتها على التأثير في أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية.
في هذا المشهد المعقد، صعدت جماعة أنصار الله الحوثيون من قوة محلية محدودة التأثير إلى لاعب إقليمي قادر على إعادة رسم قواعد الاشتباك، مدعومة بشبكة علاقات تتجاوز حدود اليمن، وفي مقدمتها إيران، في المقابل اندفعت المملكة العربية السعودية ومعها الإمارات العربية المتحدة إلى حرب لم تعد أهدافها متطابقة كما كانت في بدايتها، بل كشفت مع الوقت عن تباينات عميقة في الرؤية والمصالح.
اليمن اليوم ليس فقط ساحة مواجهة، بل نقطة ارتكاز لصراع أوسع: صراع على النفوذ، على الممرات البحرية، وعلى موازين القوة في الشرق الأوسط، وبينما تتدخل القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تحت شعار حماية الملاحة الدولية،
في ظل هذا التعقيد، تبدو الحقيقة أكثر قسوة: اليمن لم يعد مجرد أزمة، بل عقدة استراتيجية تُعاد صياغتها بالنار، حيث لا مكان للحلول السريعة، ولا نهاية واضحة في الأفق.
في السياق اليمني، استمرت الحرب الأهلية منذ 2014-2015 مع تدخل التحالف العربي بقيادة سعودية (وشراكة إماراتية أولية). لكن الديناميكيات تحولت في نهاية 2025 وبداية 2026 إلى صدام مباشر بين السعودية والإمارات حول النفوذ في الجنوب (حضرموت والمهرة)، انتهى بحسم سعودي وانهيار المجلس الانتقالي الجنوبي (STC).
يعكس المشهد تداخلاً بين الصراع المحلي، التنافس الخليجي، والتوترات الإقليمية مع إيران.
ومع اتساع رقعة الاشتباك وتتداخل الحسابات، ليصبح السؤال الحقيقي: هل ما يجري في اليمن حرب يمكن احتواؤها، أم شرارة لصراع إقليمي قابل للانفجار في أي لحظة؟
البحر الأحمر والخليج – مسرح الاستراتيجية الكبرى
يُمثل البحر الأحمر وخليج عدن شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، حيث يمر عبرهما ما يقرب من 10% إلى 13% من إجمالي التجارة العالمية، ويتحكم اليمن، بموقعه الجغرافي الفريد، في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم،هذه الأهمية تجعل من استقرار اليمن مسألةً تتجاوز الأمن الإقليمي إلى الأمن الاقتصادي العالمي.
منذ عام 2015، شكّل التحالف الذي قادته السعودية والإمارات “جدار صد” لمواجهة تمدد الحوثيين المدعومين من إيران، بهدف تأمين الحدود السعودية الجنوبية وضمان حرية الملاحة البحرية،ومع ذلك، تباينت الرؤى بين الرياض وأبوظبي. فبينما كانت السعودية تنظر إلى اليمن كـ “عمق استراتيجي حيوي وحديقة خلفية” يجب حمايتها من التهديد الإيراني على حدودها المباشرة، نظرت الإمارات إلى السواحل اليمنية والممرات البحرية كـ “منصة لتعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي”، سعياً للسيطرة على الموانئ والجزر الحيوية لتأمين خطوط التجارة العالمية التي تخدم اقتصادها.
هذا التباين حوّل اليمن، لا سيما سواحله الممتدة على البحر الأحمر وخليج عدن، إلى ساحة تنافس بين مشروعين: مشروع سعودي يُركز على تأمين الحدود ودعم حكومة مركزية موحدة تقصي النفوذ الإيراني، ومشروع إماراتي يقوم على بناء نفوذ طويل الأمد عبر شبكات من القوى المحلية الحليفة والسيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية.
الحوثيون – الوكيل الاستراتيجي والتهديد الممتد
في قلب هذه المعادلة، تقف جماعة “أنصار الله” (الحوثيون)، التي لم تعد مجرد فصيل يمني متمرد، بل تحولت إلى الذراع الأكثر فاعليةً لطهران في المنطقة، وأحد أبرز وكلائها المزعزعين للاستقرار.
من سيطرة محلية إلى تهديد إقليمي : منذ سيطرتهم على صنعاء عام 2014، رسّخ الحوثيون وجودهم العسكري بفضل الدعم الإيراني المستمر بالأسلحة والتكنولوجيا، وسيطروا على شريط ساحلي حيوي على البحر الأحمر، بما في ذلك الوصول إلى مضيق باب المندب، وقد صمدوا في وجه حملة عسكرية طويلة الأمد بقيادة السعودية، مما حوّلهم إلى قوة إقليمية قادرة على تهديد الملاحة الدولية.
تهديد الملاحة الدولية: أداة ضغط استراتيجية
أثبت الحوثيون أنهم قادرون على استخدام موقعهم الجغرافي لتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر، مما يُشكل أداة ضغط فعالة بيد إيران. فبعد اندلاع الحرب في غزة أواخر 2023، شن الحوثيون أكثر من 100 هجوم على سفن تجارية، مما أدى إلى اضطراب كبير في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.
ورغم توقف هذه الهجمات إثر تفاهمات إقليمية في مايو وأكتوبر 2025، ظل التهديد قائماً،ومع اندلاع المواجهة الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في فبراير 2026، عاد الحوثيون للواجهة، مهددين بإغلاق مضيق باب المندب إذا شاركت دول الخليج في العمليات العسكرية ضد طهران.
تشير التحليلات إلى أن الحوثيين يمتلكون “قدرة حقيقية على التعطيل” من خلال استهداف السفن، وهو ما يُصنف على أنه “حرمان انتقائي” وليس سيطرة كاملة على المضيق، لكنه كافٍ لإحداث فوضى اقتصادية عالمية، وتطورت قدراتهم العسكرية لتشمل صواريخ كروز وطائرات مسيرة متطورة، مما يُضاعف من التهديد.
التعاون مع شبكات إقليمية: تهديد التطويق
لم يعد الخطر الحوثي مقتصراً على اليمن، بل امتد عبر تعاونهم مع حركة الشباب في الصومال لتشكيل تهديد مزدوج لتطويق باب المندب، وكشفت تقارير أممية عن اجتماعات لتشكيل وحدة مشتركة بين الحوثيين والقاعدة في اليمن وحركة الشباب، مما يُنذر بتحويل المنطقة إلى بؤرة تهديد دائم للملاحة البحرية بدعم وإشراف من الحرس الثوري الإيراني.
من “عاصفة الحزم” إلى “الحرب الباردة” – تفكك التحالف السعودي-الإماراتي
في مارس 2015، وقفت السعودية والإمارات معاً في تحالف “عاصفة الحزم” لمواجهة الحوثيين. ولكن بعد مرور عقد، تحول هذا التحالف إلى ما وصفه العديد من المحللين بـ “الحرب الباردة”.
جذور التنافس: تباين الأهداف الاستراتيجية : الهدف المُعلن المشترك كان مواجهة النفوذ الإيراني، لكن الاستراتيجيات كانت على طرفي نقيض:
السعودية: دعم حكومة مركزية موحدة، لأن وجود دولة يمنية مستقرة يُسهل إدارة التهديدات الأمنية ويحد من تمدد إيران على حدودها الجنوبية.
الإمارات: تبني استراتيجية دعم القوى المحلية الجنوبية وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، الساعي للانفصال، بهدف بناء نفوذ مباشر على السواحل والموانئ الاستراتيجية بعيداً عن سيطرة صنعاء.
نقطة التحول: المواجهة العلنية 2025-2026 : تصاعد التوتر من التنافس الخفي إلى الصدام العلني. وكانت نقطة التحول الكبرى في 30 ديسمبر 2025، عندما شنت السعودية غارات جوية على قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في ميناء المكلا، أوقفت تقدمه في جنوب وشرق اليمن. وقد تبع ذلك اتهامات سعودية مباشرة للإمارات باتخاذ إجراءات “بالغة الخطورة” تهدد أمنها القومي.
وجاء الرد الإماراتي بإعلان سحب ما تبقى من قواتها من اليمن وحل المجلس الانتقالي الجنوبي رسمياً في 9 يناير 2026. لكن الخبراء يرون أن هذا الانسحاب لم يكن نهاية للنفوذ الإماراتي، بل هو “إعادة تموضع محسوبة”، فالإمارات لا تزال تحتفظ بشبكات سرية وعلاقات مع قوى محلية، وقد تسعى لاستعادة نفوذها في أي فرصة مستقبلية حتى لو كان ذلك على حساب السعودية.
الاختلاف الجوهري في فلسفة السياسة الخارجية
يعكس هذا الصراع اختلافاً جوهرياً في عقيدة الدولتين:
السعودية تتبنى نهجاً يركز على الاستقرار الإقليمي والتنمية الداخلية عبر المؤسسات الرسمية.
الإمارات تنتهج سياسة أكثر “مكيافيلية”، تقوم على المخاطرة ودعم الجماعات المسلحة غير الحكومية، وبناء “محور الانفصاليين” لتعزيز نفوذها من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.
ما تأثير حسم السعودية للجنوب على التهديد الحوثي في البحر الأحمر؟
أضعف الخلاف الجبهة المضادة للحوثيين مؤقتاً، لكنه جعل السعودية المهيمنة الوحيدة في الجنوب، قد يساعد ذلك في دفع مفاوضات شاملة، لكن التوترات مع إيران (حرب 2026) قد تدفع الحوثيين لاستئناف الهجمات، خاصة مع تهديدات بإغلاق باب المندب إذا انخرطت دول خليجية.
هل انتهى نفوذ الإمارات في اليمن؟
الانسحاب العسكري الكامل في يناير 2026 يمثل تراجعاً، لكن الإمارات قد تحافظ على نفوذ غير مباشر عبر شبكات اقتصادية أو فصائل محلية،السعودية تسعى الآن لـ”حوار جنوبي” تحت رعايتها لتوحيد الجنوب.
ما الآثار الاقتصادية والإنسانية؟
اضطراب الملاحة في البحر الأحمر (خسائر لمصر وقناة السويس)، واستمرار الأزمة الإنسانية في اليمن (ملايين بحاجة لمساعدات)، الخلاف الخليجي أضاف طبقة من عدم الاستقرار في الجنوب.
كيف استفاد الحوثيون من التنافس السعودي-الإماراتي؟
استغل الحوثيون حالة “الانقسام الاستراتيجي” بين أكبر قوتين في التحالف لتعزيز بقائهم وتوسيع سيطرتهم. فبدلاً من مواجهة جبهة موحدة، وجدوا خصومهم منشغلين في صراع على النفوذ، مما أتاح لهم هامشاً للمناورة السياسية والعسكرية وإدامة سيطرتهم على مناطق واسعة في الشمال.
2. هل يُمكن للحوثيين إغلاق مضيق باب المندب فعلياً؟
يُشير المحللون إلى أن قدرة الحوثيين لا تكمن في “السيطرة الكاملة والمستدامة” على المضيق، بل في “التعطيل الانتقائي” عبر الهجمات المركزة. وهذا القدر من التهديد كافٍ لشل حركة الملاحة التجارية، ورفع تكاليف التأمين إلى مستويات قياسية، وإجبار السفن على تغيير مساراتها، مما يُحدث ضرراً اقتصادياً عالمياً يفوق تكلفة أي عملية عسكرية مضادة.
3. ما هي حدود ومستقبل التنافس السعودي-الإماراتي في اليمن؟
من المُرجح أن يستمر هذا التنافس كعامل ثابت في المشهد اليمني. فبالرغم من إمكانية التوصل إلى تفاهمات مرحلية لتقاسم النفوذ، إلا أن الأهداف الاستراتيجية للطرفين لا تزال متباينة بشكل جوهري: وحدة اليمن واستقرار حدوده الجنوبية بالنسبة للسعودية، مقابل نفوذ جيوسياسي واقتصادي دائم على السواحل والممرات المائية بالنسبة للإمارات،هذا التنافس لن ينتهي، بل سيتخذ أشكالاً جديدة ويمتد إلى ساحات أخرى مثل السودان والقرن الأفريقي.
4. كيف تؤثر المتغيرات الإقليمية الأخيرة (الحرب على إيران) على المعادلة اليمنية؟
أدت الحرب على إيران منذ فبراير 2026 إلى سحب جزء من الاهتمام الإقليمي والدولي عن اليمن، لكنها في المقابل رفعت من قيمة الحوثيين كورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، فدفعتهم إلى تجديد تهديداتهم للملاحة في البحر الأحمر كجزء من خطة “الضغط متعدد الجبهات” التي تنتهجها إيران لتشتيت قدرات خصومها وإرهاقهم،وهذا ما يُبقي خطر اتساع رقعة الصراع إلى الممرات المائية العالمية قائماً.
تصورات للمشهد: بناءً على المعطيات الحالية، يُمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع.
الفوضى الخلاقة واستمرار الوضع الراهن
وهو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، يستمر فيه الحوثيون في السيطرة على الشمال، ويستمر التنافس السعودي-الإماراتي في إدارة مناطق النفوذ بشكل غير مباشر عبر وكلاء محليين، مما يُبقي اليمن في حالة حرب أهلية مُجمدة ويُهدد أمن البحر الأحمر بأزمات دورية.
تسوية هشة وتقاسم النفوذ:
تتوصل السعودية والإمارات إلى تفاهمات مرحلية برعاية دولية لتقاسم النفوذ في اليمن (شمال تحت النفوذ الإيراني غير المباشر، جنوب بشبكات نفوذ إماراتية، وضمانات أمنية للحدود السعودية)، هذا السيناريو قد يُقلص العنف مؤقتاً لكنه يُكرس تقسيم اليمن ويُبقي على التنافس الخفي.
التصعيد الشامل: وهو الأسوأ، ويتمثل في إقدام الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب فعلياً رداً على تطورات إقليمية. سيؤدي هذا إلى تدخل عسكري دولي مباشر، وانهيار اقتصادي عالمي، وتحويل اليمن إلى ساحة حرب مفتوحة بين القوى الكبرى، مما قد يُنهي أي أفق للسلام لسنوات طويلة.
نهاية الأمر اليمن، لم تعد الحرب فيها مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى اختبار مفتوح لموازين القوة في المنطقة، حيث تتكشف حدود النفوذ الإقليمي وتُعاد صياغة خرائط السيطرة على وقع المواجهة،فكل طرف يعتقد أنه يمسك بخيط الحسم، بينما الحقيقة أن الجميع عالقون في معادلة استنزاف طويلة لا منتصر فيها.
جماعة أنصار الله الحوثيون رسّخت حضورها كقوة أمر واقع، فيما تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام تحدي الخروج من حرب مكلفة دون خسارة استراتيجية، بينما تواصل الإمارات العربية المتحدة تثبيت نفوذها في الجنوب والممرات البحرية. وفي الخلفية، تواصل إيران إدارة الصراع ببرودة أعصاب، مستفيدة من إطالة أمده، في وقت تتحرك فيه الولايات المتحدة وفق حسابات حماية المصالح لا إنهاء الأزمة.
لكن ما يتجاوز كل ذلك، هو حقيقة أكثر عمقًا: اليمن لم يعد مجرد ساحة صراع، بل تحوّل إلى ورقة ضغط جيوسياسية مرتبطة بأمن البحر الأحمر واستقرار التجارة العالمية. ومن هنا، فإن أي تصعيد في هذا الملف لن يبقى محصورًا داخل حدوده، بل مرشح للتمدد إقليميًا ودوليًا.
الخلاصة الحاسمة:
لا أحد يملك اليوم قرار إنهاء الحرب، لأن مفاتيح الحل لم تعد يمنية فقط. وبينما تتشابك المصالح وتتصارع الإرادات، يبقى اليمن عالقًا في قلب معادلة قاسية: موقع استراتيجي يمنحه أهمية استثنائية… لكنه في الوقت نفسه يحرمه من السلام.



