الخليج بين وهم الحماية وواقع الحرب

بقلم: عامر جاسم العيداني
منذ عقود طويلة بنت دول الخليج استراتيجيتها الأمنية على التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية معتقدة أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يمثل مظلة حماية قوية تردع أي تهديد محتمل وعلى أساس هذا التصور فتحت هذه الدول أراضيها للقواعد العسكرية الأجنبية وأنفقت مئات المليارات من الدولارات على صفقات السلاح والتعاون العسكري في إطار منظومة أمنية تقودها واشنطن.
لكن ما حدث في المواجهة الأخيرة مع إيران قلب هذه المعادلة رأسا على عقب وكشف هشاشة الفكرة التي سادت طويلا بأن القواعد العسكرية الأجنبية توفر الحماية والأمان، فبدلا من أن تكون هذه القواعد درعا واقيا لدول الخليج تحولت إلى أهداف مباشرة في ساحة الصراع وأصبحت منشآت عسكرية مكشوفة يمكن استهدافها بسهولة في أي مواجهة إقليمية.
لقد أثبتت الأحداث أن وجود هذه القواعد لم يمنع الحرب بل جعل المنطقة جزءا من مسرحها وعندما اندلع التصعيد العسكري تحولت تلك القواعد إلى نقاط اشتباك وتعرض عدد منها للتدمير أو التعطيل الأمر الذي كشف إن الاعتماد على الحماية الخارجية قد يتحول في لحظة ما إلى عامل خطر بدلا من أن يكون عامل أمان.
المشكلة لم تكن فقط في استهداف القواعد بل في الحقيقة السياسية التي ظهرت بوضوح خلال الأزمة وهي أن الولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها الاستراتيجية الخاصة وليس بالضرورة وفق مصالح حلفائها في المنطقة، فعندما تصاعدت المواجهة بدا واضحا أن أولويات واشنطن تتركز على حماية مصالحها الحيوية وعلى رأسها حماية إسرائيل بينما بقي أمن دول الخليج في مرتبة أقل في سلم الأولويات.
وهنا يبرز السؤال الكبير الذي يفرض نفسه اليوم ، هل أخطأت دول الخليج عندما بنت أمنها بالكامل على التحالف مع قوة خارجية؟ وهل كان من الممكن أن تسلك طريقا آخر أكثر استقرارا وأقل كلفة؟
فإيران وعلى مدى سنوات طويلة كانت تطرح فكرة أن أمن الخليج يجب أن يكون مسؤولية مشتركة بين دوله وأن يتم بناء منظومة إقليمية للأمن تقوم على التعاون والحوار بين دول المنطقة نفسها بعيدا عن القواعد العسكرية الأجنبية والتحالفات التي تستجلب الصراعات الدولية إلى قلب الخليج.
صحيح أن هذه الدعوات قوبلت بالكثير من الشكوك لكن ما حدث اليوم يعيد طرحها من جديد فالتجربة أثبتت أن الأمن الذي يعتمد على القوى الخارجية قد يكون هشا وأن هذه القوى قد تغير حساباتها في أي لحظة تبعا لمصالحها الاستراتيجية.
ولو أن جزءا بسيطا من المليارات التي أُنفقت على التسلح والتحالفات العسكرية قد وجه نحو مشاريع التنمية والاستثمار المشترك لربما كانت المنطقة اليوم تعيش واقعا مختلفا . فهذه الأموال كان يمكن أن تسهم في نهضة اقتصادية كبرى وليس فقط في دول الخليج بل أيضا في العديد من الدول الإسلامية الفقيرة التي كانت بحاجة ماسة إلى الدعم والاستثمار.
إن الجغرافيا تفرض حقيقة لا يمكن تجاهلها حيث إيران دولة كبرى في هذه المنطقة وستظل جزءا دائما من معادلة الأمن في الخليج والتعامل مع هذه الحقيقة قد يكون أكثر حكمة من محاولة تجاهلها أو مواجهتها عبر تحالفات عسكرية خارجية أثبتت التجربة أنها ليست ضمانة مطلقة للأمن.
اليوم وبعد أن تحولت القواعد العسكرية إلى أهداف في الحرب وبعد أن كشفت الأزمة حدود الحماية الخارجية ربما يكون الوقت قد حان لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الإقليمي بأكمله. فالأمن الحقيقي لا يُستورد من الخارج، ولا يُبنى فقط بالقواعد العسكرية والأسلحة المتطورة، بل يقوم أولاً على بناء الثقة بين دول المنطقة نفسها.
إن الخليج بحاجة إلى رؤية جديدة تقوم على الحوار والتفاهم والتعاون الاقتصادي بدلا من سباقات التسلح والتحالفات التي قد تحوله في أي لحظة إلى ساحة حرب.
فالدرس الذي يجب أن تتعلمه المنطقة من هذه التجربة القاسية هو أن السلام مع الجيران قد يكون في كثير من الأحيان أكثر قوة وأمنا من أي تحالف عسكري بعيد. وفي عالم السياسة كما في الحياة قد يكون أقرب الطرق إلى الاستقرار هو بناء الجسور لا إقامة القواعد العسكرية.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى