
بين ثوابت السيادة وعبثية التفويض: قراءة استراتيجية في طرح إخضاع لبنان للفصل السابع
كتب العميد اندره بومعشر *
لا خلاف في لبنان، على المستوى المبدئي، حول جملة من الثوابت السيادية التي تشكّل أساس قيام الدولة واستقرارها، وفي مقدمتها حصرية السلاح بيد الدولة، وحصر قرار السلم والحرب ضمن مؤسساتها الشرعية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية. هذه الثوابت، التي تحظى بإجماع نظري واسع، تمثّل الإطار الطبيعي لأي مقاربة جدية لمعالجة الاختلالات القائمة. غير أن الإشكالية لا تكمن في تحديد الهدف، بل في الوسائل المعتمدة للوصول إليه، ولا سيما حين يُطرح إخضاع لبنان لأحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة كخيار يُفترض أنه حاسم.
إن إدخال الفصل السابع في النقاش اللبناني لا يمكن فصله عن مفارقة أساسية تتعلق بمنطق المقاربة ذاتها. فبينما يُفترض أن ينطلق أي نقاش سيادي من رفض مبدئي لأي اعتداء خارجي، فإن هذا الطرح ينطوي، ضمناً، على انتقال تدريجي من رفض هذا الاعتداء إلى القبول بمنطقه، وصولاً إلى السعي لإعادة إنتاجه ضمن إطار دولي. فبدل أن يكون السؤال: كيف نُنهي منطق الإكراه؟ يصبح: من هي الجهة التي تمارسه وتحت أي غطاء؟
من هنا، تبرز خطورة الانزلاق من رفض الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، بوصفها انتهاكاً واضحاً للسيادة، إلى القبول الضمني بإمكانية استبدال هذا الفعل بقوة أخرى تعمل تحت مظلة دولية. فالفصل السابع، في جوهره، لا يلغي منطق استخدام القوة، بل يعيد تنظيمه، ويمنحه غطاءً قانونياً مختلفاً. وعليه، فإن النقاش لا يعود حول شرعية الفعل، بل حول هوية الفاعل.
في هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الفصل السابع لا يشكّل حلاً بحد ذاته، بل إطاراً قانونياً لقرار سياسي–عسكري باستخدام القوة. فهو لا يُنشئ قدرة تنفيذية مستقلة، بل يستند إلى إرادة الدول واستعدادها للانخراط في عمل قسري، وهو ما يخضع حكماً لتوازنات القوى داخل مجلس الأمن ومصالح الدول الكبرى. ومن هنا، فإن التعويل عليه كخيار جاهز يتجاهل طبيعة النظام الدولي القائم على التنافس، كما يتغافل عن غياب التوافق الضروري لتفعيل مثل هذا المسار.
وعند إسقاط هذا التحليل على الحالة اللبنانية، يتضح أن جوهر الإشكالية لا يكمن في غياب الإطار القانوني، بل في غياب القرار السياسي الداخلي القادر على ترجمة هذه الثوابت إلى واقع عملي. فالمسألة، في بعدها التنفيذي، لا تتعلق بما ينص عليه الفصل السابع، بل بمن سيتولى تنفيذ ما يُفترض فرضه بالقوة. وفي هذا الإطار، يغيب عن الطرح أن المؤسسات الوطنية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، تمتلك من حيث المبدأ الشرعية والقدرة على تنفيذ أي قرار سيادي، متى توافر التوافق السياسي اللازم. وعليه، فإن استدعاء أداة خارجية يعكس، في جوهره، عجزاً عن إنتاج هذا التوافق، لا حاجة موضوعية إلى بديل دولي.
إن المقارنة بين الخيارات المطروحة—سواء أكانت في إطار الفصل السابع، أو من خلال قوة متعددة الجنسيات، أو حتى عبر تدخل مباشر—تُظهر أن الفروقات بينها شكلية أكثر منها جوهرية. فجميعها تقوم على فرض أمر واقع بالقوة، ويكمن الاختلاف فقط في هوية الجهة المنفذة والغطاء السياسي والقانوني الذي تتحرك في ظله. ومن هنا، فإن التركيز على الإطار القانوني يغفل السؤال الجوهري المتعلق بطبيعة الفعل نفسه، أي استخدام القوة لفرض حل على مكوّن داخلي، بما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار ووحدة المجتمع.
غير أن طرح الفصل السابع يفترض، في الأساس، وجود نظام دولي أممي فاعل قادر على تفعيل آلياته، وفي مقدمتها مجلس الأمن. إلا أن الواقع الدولي الراهن يشير إلى تراجع فعالية هذه المنظومة، نتيجة اختلالات بنيوية وتوجهات سياسية عملت على تحييد دورها وإضعاف قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة وتنفيذها. وفي هذا السياق، يصبح التعويل على الفصل السابع، في غياب بيئة دولية متماسكة، طرحاً يفتقر إلى الواقعية العملية.
إضافة إلى ذلك، يبرز تناقض واضح في بعض الطروحات التي تدعو، من جهة، إلى إنهاء عمل قوة ، ومن جهة أخرى، إلى استبدالها بقوة تعمل تحت الفصل السابع. إذ إن إنهاء وجود قوة دولية قائمة بالفعل، رغم محدودية دورها، يتناقض مع منطق الدعوة إلى استقدام قوة أكثر انخراطاً وتعقيداً من حيث المهام والتفويض. فذلك يعكس غياب تصور متكامل لطبيعة الأداة المطلوبة وشروط عملها.
في ضوء ما تقدم، تبدو الدعوة إلى إخضاع لبنان للفصل السابع، ولا سيما عندما تصدر عن قوى داخلية، تعبيراً عن خلل في المقاربة أكثر مما هي اقتراح قابل للتطبيق. فهي، من جهة، تنطوي على قبول ضمني بمنطق الإكراه الخارجي، ومن جهة أخرى، تسعى إلى إعادة إنتاجه ضمن إطار دولي يُفترض أنه أكثر شرعية، رغم ما يعتريه من تعقيدات وقيود. وبذلك، يتحول النقاش من البحث في سبل إنهاء الأزمة إلى إعادة تدوير أدواتها، ومن معالجة الأسباب إلى إدارة النتائج.
إن المقاربة البديلة، التي تفرضها الوقائع كما التجارب، تنطلق من رفض مبدئي لأي حل قائم على الإكراه الخارجي، وتتجه نحو مسار تفاوضي—مباشر أو غير مباشر—يعالج جذور الأزمة، لا مظاهرها فقط. غير أن هذا المسار لا يمكن أن ينجح إلا إذا قام على تلازم واضح بين عناصره، وفي مقدمتها الوقف الفوري لإطلاق النار كمدخل إلزامي، يواكبه التزام علني وصريح من جميع الأطراف المعنية بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ولا سيما في ما يتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة وتسليم السلاح ضمن آليات تدريجية واضحة، تُنفّذ تحت مظلة الدولة ومؤسساتها.
كما يفترض هذا المسار تضمين عناصر سيادية مقابلة لا تقل أهمية، وفي طليعتها الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، وضمان عدم تكرار الاعتداءات، وترسيخ قواعد اشتباك واضحة تحول دون العودة إلى منطق القوة. إن الربط بين هذه العناصر—وقف إطلاق النار، الالتزام بالتنفيذ، معالجة مسألة السلاح، وتأمين الانسحاب وعدم الاعتداء—يشكّل الإطار الوحيد القادر على إنتاج تسوية متوازنة ومستدامة.
وعليه، فإن الخلاصة التي تفرض نفسها لا تكمن في المفاضلة بين أدوات قسرية مختلفة، بل في إعادة الاعتبار للعمل السياسي كمدخل وحيد للحل. فلبنان، بتعقيداته الداخلية وتشابكاته الإقليمية، لا يمكن إخضاعه لمنطق الحسم الخارجي، بل يحتاج إلى إعادة بناء توازناته من الداخل، عبر تسوية سياسية واقعية، تقوم على التزامات متبادلة، وتحفظ السيادة، وتعيد للدولة دورها الحصري في إدارة السلم والحرب.
* العميد الركن الطيار



