
العيد… حين يمرّ فوق الركام، وتحت ظلال القلق
ارسل لي صديقي “محمد برجي” معايدة مليئة بالأسى ومرارة الواقع:
كلّمني قبل قليل صديق الذي لم يبدأ بالمعايدة، بل بالنجاة. قال: قضينا رمضان كله تحت النار… لم يتوقف قصف العدو الإسرائيلي إلا هذه الليلة فقط. ثم أضاف بصوتٍ خافت: فقدنا كثيراً من الأصدقاء.
في بيروت، لم يعد الزمن زمناً. الليل غارات، والنهار ترقّب، والإنسان معلّق بين انفجارٍ وآخر. هناك، لا تُقاس الأيام بعدد الساعات، بل بعدد الذين غابوا فجأة. قالها ببساطة موجعة: لا خلّونا نأكلوا… لا نرقدوا.
وهكذا، تختصر الحرب نفسها: أن تُسلب من الإنسان أبسط حقوقه، قبل أن تُسلب منه حياته.
ثم قال: سنخرج إلى القاهرة.
كأن النجاة جغرافيا فقط… لكن الحقيقة أن الحرب لا تُغادر، بل تنتقل مع صاحبها، تتحول إلى ذاكرة، إلى صوتٍ داخلي، إلى خوفٍ بلا صفارات إنذار.
لكن ما يكتمل به المشهد، وربما ما يجعله أكثر تعقيداً، هو ما يحدث في الخليج العربي.
هناك، لا تسقط الصواريخ بنفس الكثافة، لكن القلق يسقط كل يوم. منطقة تقف على دوي صواريخ ومسيرات ايران التي تجعلها على حافة توترٍ دائم، وبين تهديداتٍ مفتوحة، وصراعٍ إقليمي يتسع، وممرات طاقة قد تتحول في أي لحظة إلى شرارة كبرى. الخطر هنا ليس في الدمار الظاهر، بل في الاحتمال… في الإحساس بأن الاستقرار نفسه مؤقت.
في الخليج، العيد يُقام… لكن بحذر.
وعيون على الأخبار.
الحياة مستمرة، لكن خلفها إدراك عميق بأن المنطقة كلها تعيش على توازنٍ هش ودقيق.
وهنا تتكشّف المفارقة القاسية:
أمة واحدة، لكن أزمنة مختلفة.
هنا حرب مباشرة، وهناك قلق مؤجل.
هنا موت يومي، وهناك خوف من موتٍ محتمل.
لكن النتيجة واحدة: غياب الطمأنينة.
العيد، الذي كان يفترض أن يكون لحظة وحدة، أصبح يكشف حجم التباعد.
لا في الجغرافيا فقط، بل في المصير نفسه.
تحوّلنا من جسدٍ واحد إلى جزرٍ متباعدة، يجمعها الاسم، ويفرقها الواقع.
المأساة لم تعد فقط في الحروب، بل في عجزنا عن قراءتها كجزءٍ من سياقٍ واحد، وفي وهم كل منطقة أنها بمنأى… حتى يصلها الدخان.
صديقي خرج من الحرب، لكن الحرب لم تخرج منه.
والخليج لم يدخلها بعد، لكنه يعيش ظلّها.
وبين هذا وذاك، يمرّ العيد… لا كفرحٍ مكتمل، بل كهدنةٍ مؤقتة في زمنٍ مضطرب.
لم يعد العيد موعدًا للفرح… بل موعدًا لمواجهة الحقيقة.
حقيقة أننا لم نُهزم فقط حين سقطت المدن،
بل حين اعتدنا سقوطها.
حين أصبح القصف خبراً عادياً،
والنجاة حدثًا شخصيًا لا يعني إلا صاحبه.
من بيروت التي تحترق،
إلى فلسطين التي تُذبح،،
إلى الخليج العربي الذي ينتظر قيامته بصمتٍ ثقيل…
نحن لا نعيش أعياداً… نحن نعيش فواصل قصيرة بين الكوارث.
والأخطر من كل هذا،
أننا لم نعد نسأل: كيف نُوقف هذا؟
بل: كيف نتأقلم معه؟
هذه ليست أمة في أزمة…
هذه أمة تتكيّف مع أزمتها،
تُجمّل هزيمتها،
وتؤجل مواجهتها إلى أجلٍ غير مسمّى.
إن لم يتحول هذا الألم إلى وعيٍ صادم،
وإن لم يتحول هذا الوعي إلى فعلٍ حقيقي…
فإن القادم لن يكون أسوأ فقط،
بل سيكون طبيعياً.
وحين يصبح الخراب طبيعياً…
لا يعود هناك ما يمكن إنقاذه.
ومع ذلك… سلامٌ على العيد،
إن مرّ فوق الجراح فخفّفها، أو أيقظ فينا ما تبقّى من إنسان.
وسلامٌ عليه… إن كان بدايةً لا لفرحٍ عابر، بل لوعيٍ يُنقذ ما تبقّى.
وكل العام وانتم بالف خير.



