الحروب الكبرى والطاقة العالمية

كيف ينزفت اقتصاد العالم في وسط صراع إيران- إسرائيل- أميركا وحرب روسيا- أوكرانيا

قصف آبار النفط وإغلاق الممرات البحرية يفتحان باب خسائر اقتصادية بمئات المليارات ويهددان الاقتصاد العالمي بصدمة تضخم جديدة

كتب ط أحمد سمير

يشهد النظام الدولي في السنوات الأخيرة موجة من الحروب ذات التأثير الاقتصادي العميق، أبرزها الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى جانب الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا. هذه الصراعات لم تعد مجرد مواجهات عسكرية على مستوى محدود، بل تحولت إلى أزمات اقتصادية عالمية تمس الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
ففي الشرق الأوسط، أدت الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت الطاقة وآبار النفط، إلى اضطراب كبير في سوق الطاقة العالمية، خصوصًا مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20٪ من إمدادات النفط العالمية.
ومع تصاعد الحرب، ارتفعت أسعار النفط بشكل سريع، مع توقعات بتجاوزها 100 دولار للبرميل وربما 150 دولارًا إذا استمر تعطّل الإمدادات.
في الوقت ذاته، تسببت الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 في صدمة غذائية وطاقة عالمية، بسبب تعطّل صادرات الحبوب والطاقة من روسيا وأوكرانيا، ما أدى إلى موجات تضخم غير مسبوقة في العديد من الاقتصادات.
وهكذا يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام صدمة مزدوجة، حرب طاقة في الشرق الأوسط،،وحرب جيوسياسية واقتصادية في أوروبا الشرقية، الأمر الذي يعيد تشكيل خريطة الاقتصاد الدولي ويهدد الاستقرار المالي العالمي.
لماذا يعد قصف آبار النفط ومنشآت الطاقة أخطر تداعيات الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا اقتصاديًا؟
الاقتصاد العالمي يعتمد بشكل كبير على استقرار إمدادات الطاقة، لذلك فإن أي ضربات تستهدف البنية التحتية النفطية تؤدي مباشرة إلى اضطرابات في الأسواق العالمية.
في الحرب الحالية، تسببت الضربات المتبادلة والهجمات على المنشآت النفطية في الخليج في تعطّل تدفق النفط والغاز، خصوصًا مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي تمر عبره قرابة 20 مليون برميل نفط يوميًا.

هذه الكمية تمثل نحو خمس استهلاك العالم من النفط، ما يجعل أي تعطّل في هذا الممر البحري بمثابة زلزال اقتصادي عالمي.
وقد انعكست هذه التطورات بسرعة على الأسواق، حيث ارتفعت أسعار النفط بنسبة ملحوظة خلال أيام قليلة بعد اندلاع الحرب، مع توقعات بتجاوز 100 دولار للبرميل في حال استمرار الأزمة.
التأثر ذلك لا يقتصر على أسعار الوقود فقط، بل يمتد إلى: تكاليف النقل والشحن،أسعار الغذاء والأسمدة،تكاليف الإنتاج الصناعي،معدلات التضخم العالمية.
بالتالي فإن ضرب منشآت النفط لا يمثل خسارة للدول المنتجة فحسب، بل يتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية تضرب كل القطاعات.

ما حجم الخسائر الاقتصادية المباشرة للدول المتحاربة في صراع إيران – إسرائيل – الولايات المتحدة؟
الخسائر الاقتصادية المباشرة للحرب تتوزع على ثلاثة مستويات رئيسية: الخسائر العسكرية والإنفاق العسكري،الخسائر في البنية التحتية،الخسائر في النشاط الاقتصادي.
في حالة إيران، تعرضت منشآت طاقة ومواقع صناعية وعسكرية لضربات متعددة، مما أدى إلى تراجع كبير في صادرات النفط،ففي إحدى جولات الحرب السابقة انخفضت الصادرات الإيرانية من 1.7 مليون برميل يوميًا إلى نحو 100 ألف فقط.
كما أن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة يكلف مليارات الدولارات، قد تصل تكلفة بعض الهجمات الصاروخية إلى عدة مليارات في أيام قليلة.
أما إسرائيل فقدرت وزارة المالية لديها خسائر الاقتصاد الإسرائيلي بنحو 3 مليارات دولار أسبوعيًا بسبب تعطّل النشاط الاقتصادي وتعبئة الجيش وإغلاق المدارس والمؤسسات.
أما الولايات المتحدة فتتحمل: تكلفة العمليات العسكرية،دعم الحلفاء،اضطراب الأسواق الداخلية.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة التضخم وتقليص القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي،بذلك تتحول الحرب إلى نزيف مالي مستمر لكل الأطراف.
كيف تؤثر الحرب على الاقتصاد العالمي وليس فقط على الدول المتحاربة؟
الحروب الكبرى لا تبقى محصورة جغرافيًا، بل تنتقل آثارها عبر الاقتصاد العالمي من خلال ثلاث قنوات رئيسية:
ـ قناة الطاقة : ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي إلى موجة تضخم عالمية، حيث أن الطاقة تدخل في كل مراحل الإنتاج والنقل،وقد حذرت مؤسسات مالية من أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10٪ قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم العالمي وتقليص النمو الاقتصادي.
ـ قناة التجارة وسلاسل الإمداد : الهجمات المتتالية على الممرات البحرية أو إغلاق المجال الجوي يعطل التجارة العالمية.
وقد تسببت الحرب الحالية في تعطيل حركة الطيران والشحن عبر الخليج، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وتأخير البضائع بين آسيا وأوروبا.
ـ قناة الأسواق المالية : الحروب الكبرى تؤدي إلى،هروب الاستثمارات،ارتفاع أسعار الذهب،اضطراب أسواق الأسهم،تقلب أسعار العملات،وهذه العوامل مجتمعة يمكن أن تدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة تباطؤ أو ركود اقتصادي.

كيف تقارن الخسائر الاقتصادية للحرب الإيرانية مع الحرب الروسية الأوكرانية؟
الحرب الروسية الأوكرانية تعد أحد أكبر الصدمات الاقتصادية منذ الحرب الباردة، وقد أثرت على الاقتصاد العالمي من خلال : أزمة الطاقة في أوروبا،أزمة الحبوب العالمية،العقوبات الاقتصادية على روسيا .
هذا وقد كانت روسيا من أكبر مصدري الطاقة في العالم، وأدى فرض القيود والعقوبات إلى خسائر كبيرة في عائدات النفط والغاز، حيث يمكن أن تصل خسائر القيود النفطية إلى عشرات الملايين من الدولارات يوميًا.
فى سياق متصل أدى تعطّل الزراعة الأوكرانية إلى اضطراب كبير في سوق الغذاء العالمي، خاصة في القمح والزيوت النباتية،لكن الحرب في الشرق الأوسط قد تكون أكثر خطورة اقتصاديًا لسبب واحد ،تركز الطاقة العالمية في منطقة الخليج.
فإذا تعطلت صادرات الخليج بشكل واسع، فإن تأثيرها قد يتجاوز تأثير الحرب الأوكرانية.

تصورات مستقبلية للمشهد :

” احتواء الصراع ” : في حال نجاح الجهود الدولية في وقف التصعيد،تعود إمدادات النفط تدريجيًا،تنخفض الأسعار،يتعافى الاقتصاد العالمي ببطء .
لكن هذا يتطلب توافقًا دوليًا واسعًا.
” استمرار الحرب الإقليمية ” : إذا استمرت الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا دون توسع كبير،سيبقى النفط مرتفع السعر،سيستمر التضخم العالمي،ستتراجع معدلات النمو الاقتصادي،وقد يدخل العالم في مرحلة ركود تضخمي.
” توسع الحرب إقليميًا ” : وهو الأكثر خطورة.
إذا امتدت الحرب إلى دول الخليج أو تعطلت صادرات النفط بالكامل فقد يحدث: انهيار في سلاسل الإمداد،ارتفاع النفط إلى مستويات قياسية،ركود عالمي واسع.
وقد تتجاوز الخسائر الاقتصادية العالمية تريليونات الدولارات.
وفى نهاية الأمرتظهر التجربة التاريخية أن الحروب الكبرى لا تقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار العسكري، بل بقدرتها على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي،الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب الحرب الروسية الأوكرانية، تمثلان نموذجًا واضحًا لهذا التحول.
فالعالم اليوم يقف أمام معادلة معقدة:اقتصاد عالمي ضعيف يعتمد على استقرار الطاقة والتجارة، مقابل صراعات جيوسياسية تتصاعد في أهم مناطق الموارد الاستراتيجية.
وإذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية قد فجّرت أزمة الطاقة والغذاء في أوروبا، فإن الحرب في الشرق الأوسط قد تهدد شريان النفط العالمي نفسه.
لذلك يبقى السؤال الاستراتيجي الأكبر:
*”هل يستطيع الاقتصاد العالمي الصمود أمام حربين كبيرتين في وقت واحد، أم أننا أمام بداية مرحلة اقتصادية دولية جديدة أكثر اضطرابًا؟*”

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى