
مؤتمر ميونخ للأمن 2026: إعادة تشكيل النظام الدولي في ظل تصاعد الأزمات العالمية
الدورة الـ62 (13–15 فبراير) تجمع قادة العالم في ميونخ لمناقشة عدد من القضايا الدولية الحرب الأوكرانية،توترات الشرق الأوسط، مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، والتهديدات النووية والجيواقتصادية وسط مرحلة دولية شديدة الحساسية
كتب أحمد سمير
تتجه أنظار العالم هذه الأيام إلي مدينة ميونخ الألمانية لمتابعة فعاليات الدورة الـ62 من مؤتمر ميونخ للأمن، الذي يعد من أعرق المنتديات السنوية في العالم والمكلف بمناقشة قضايا الأمن والسياسة الدولية.
جاء انعقاد المؤتمر هذا العام وسط سلسلة من التحديات الجيوسياسية غير المسبوقة، تشمل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تراجع ثقة التحالفات التقليدية مثل العلاقات عبر الأطلسي، تصاعد التنافس بين القوى العظمى، في ظل تهديدات أمنية متشابكة في مجالات التكنولوجيا والطاقة.
من خلال ما سبق، نرى أن المؤتمر يعكس حساسية المرحلة التي يمر بها النظام الدولي، إذ لا تقتصر الأزمات على صراع عسكري واحد، بل تشمل أبعادًا أمنية وسياسية وعسكرية تمتد عبر القارات، وقد باتت السياسات التقليدية لدول كبرى موضع تساؤل وتحليل.
سياق انعقاد المؤتمر وأهميته
يانطلق المؤتمر في فندق Bayerischer Hof بالعاصمة الألمانية “ميونخ”، ويُعد منصة استراتيجية مركزية يجتمع من خلالها أكثر من 50 دولة منهم رؤساء دول وحكومات ووزراء خارجية ودفاع، ومسؤولون كبار في المنظمات الدولية وقادة فكر من بإجمالي مئات المسؤولين المشاركين.
أهمية هذه الدورة تنبع من كونها تتزامن مع تحديات تجعل من إعادة تأكيد الترتيبات الأمنية والعلاقات الدولية أمرًا ضروريًا، خاصة في ظل التوترات الدولية التي تشهدها عدد من المناطق الحيوية:
– الحرب الروسية في أوكرانيا التي تشكل تهديدًا مباشراً لأمن أوروبا واستقرار النظام الدولي.
– التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا على خلفية سياسات تجارية وأمنية متباينة.
– نقاشات حول مستقبل التحالفات العسكرية التقليدية مثل الناتو.
ـ أزمات إقليمية في الشرق الأوسط لا تزال مصدر قلق دولي وإقليمي.
– ربط الأمن التقليدي بالتهديدات غير التقليدية مثل الأمن السيبراني والتكنولوجيا.

هذا وقد شهد المؤتمر حضورًا واسعًا لمسؤولين بارزين، من بينهم:
* فريدريش ميرز، مستشار ألمانيا، وهو من أبرز المتحدثين الذين ركزوا على ضرورة إعادة بناء الثقة والتضامن عبر الأطلسي.
* إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، شدد على دور أوروبا في تعزيز أمنها الذاتي.
* ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي ورئيس الوفد الأميركي، الذي سخّر كلمته للدفاع عن سياسة الولايات المتحدة وعلاقاتها مع أوروبا.
ممثلون عن الناتو أكدوا على الدور الحاسم للتحالف في مواجهة التحديات الأمنية:
* كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني، دعا إلى تعزيز التزامات بريطانيا وأوروبا ضمن الناتو.
شرق أوروبا وأزمة أوكرانيا
* فولوديمير زيلينسكي، رئيس أوكرانيا، أعرب عن أهمية المؤتمر في اتخاذ خطوات جديدة نحو أمن أوكرانيا وأوروبا.
منطقة الشرق الأوسط
* الشيخ أحمد عبدالله الأحمد الصباح، رئيس مجلس الوزراء الكويتي، وصل ألمانيا لتمثيل بلاده في المؤتمر.
* أسعد حسان الشيباني، وزير الخارجية السوري، الذي حضر للمشاركة في النقاشات الدولية.
* ممثلون من الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا مثل إلهام أحمد ومظلوم عبدي ضمن الوفود المشاركة في جلسات الحوار.
وتمثل هذه القائمة عينة من الوجوه الفاعلة داخل المؤتمر.

القضايا المطروحة على جدول أعمال المؤتمر
ناقش المؤتمر على مدى الأيام الثلاثة مجموعة من القضايا الأساسية التي تعكس التحديات الأمنية الراهنة:
أولاً: أمن أوروبا والتهديد الروسي
تشكل الحرب في أوكرانيا محورًا أساسياً في المناقشات، وقد ركز قادة دول عدة على ضرورة دعم أوكرانيا وتعزيز قدرات الردع الأوروبية، بالإضافة إلى مناقشة تأثير الصراع على الأمن الأوروبي بشكل عام.
ثانياً: العلاقات عبر الأطلسي وأزمة الثقة. ظهر الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية في مناقشات ملف العلاقات عبر الأطلسي، حيث أشار بعض القادة الأوروبيين إلى تنامي شكوك حول التزامات الأميركيين التقليدية تجاه حلف الناتو.
في المقابل، سعى الجانب الأميركي، ممثلاً في وزير الخارجية روبيو، لطمأنة الشركاء والتأكيد على أهمية الشراكة.
ثالثاً: مستقبل النظام الدولي والتنافس بين القوى العظمى، فقد توسعت المناظرات لتشمل مواضيع مثل التنافس الاستراتيجي بين القوى العظمى، ودور الصين في النظام العالمي، والتحديات المتعلقة بالاقتصاد العالمي والتكنولوجيا الحديثة وتأثيرها على الأمن العالمي.
فهل يستطيع المؤتمر أن يحقق تماسكًا بين الولايات المتحدة وأوروبا؟
الحوار في المؤتمر بين القادة الأوروبيين والأميركيين يمثل فرصة نادرة لإعادة بناء الثقة المتآكلة. فالأوروبيون يشددون على ضرورة تحملهم مزيدًا من المسؤولية الأمنية، بينما تسعى واشنطن لتأكيد التزامها بالتحالف، لذا، فإن التوصل إلى تفاهمات واضحة حول مساهمات كل طرف في تعزيز أمن الجماعة الأطلسية سيكون مفتاحًا لتقوية هذا التحالف الأساسي.
هل تؤثر الحرب الروسية في أوكرانيا على مستقبل الأمن الأوروبي؟
أولاً: يستند أمن أوروبا لمبدأ الردع الجماعي، وقد أثبتت الحرب في أوكرانيا أن القدرات الدفاعية الأوروبية الفردية غير كافية لمواجهة تهديدات عسكرية واسعة، لذلك، فإن تعزيز التعاون الدفاعي وتطوير الصناعات العسكرية الأوروبية سيكونان من العوامل الحاسمة في ضمان أمن دائم، كما أن استمرار الحرب يزيد من الحاجة إلى تطوير إستراتيجيات مشتركة في مجالات الطاقة والاستخبارات والأمن السيبراني.
هل سيؤثر التوتر عبر الأطلسي على موقف الغرب من الصين؟
يُظهر النقاش بين الأوروبيين والأميركيين أن التوتر عبر الأطلسي قد يدفع أوروبا للسعي نحو استقلال إستراتيجي جزئي، مع الحفاظ على قناة تعاون مع واشنطن لمواجهة التحديات المشتركة من الصين في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا، لذا، من المرجح أن يكون هناك موقف غربي موحد أكثر مرونة يستند إلى تكامل المصالح بدلًا من الهيمنة الأحادية.

هل هناك تشابه بين مجلس الأمن في الأمم المتحدة، وقرارات التي لا يعمل بها بسبب قانون النقد “الفيتو”؟
يُثار كثيرًا سؤال حول مدى التشابه بين مؤتمر ميونخ للأمن وآليات عمل مجلس الأمن الدولي، خاصة فيما يتعلق بفعالية القرارات الدولية وإمكانية تعطيلها بفعل حق النقض (الفيتو)، ورغم أن المؤسستين تختلفان من حيث الطبيعة القانونية والوظيفية، فإن المقارنة تكشف عن أوجه تشابه مهمة في طبيعة التوازنات الدولية وتأثير القوى الكبرى.
أولاً: الاختلاف البنيوي بين المؤسستين،
مجلس الأمن الدولي هيئة رسمية ضمن الأمم المتحدة تمتلك صلاحيات قانونية مُلزمة، مثل فرض العقوبات أو إقرار استخدام القوة.
أما مؤتمر ميونخ للأمن فهو منصة حوار إستراتيجي غير ملزمة قانونياً، تهدف إلى تبادل الرؤى وبناء التوافقات وليس إصدار قرارات تنفيذية.
بمعنى آخر: مجلس الأمن يصدر قرارات، بينما مؤتمر ميونخ يصنع التفاهمات.
ثانياً: الفيتو كأداة لتعطيل القرار الدولي:
يمتلك الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا) حق النقض، ما يسمح لأي دولة بإيقاف قرار حتى لو أيده معظم أعضاء المجلس.
تأثير الفيتو:
تعطيل العدالة الدولية: يمنع تمرير قرارات في نزاعات كبرى عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
تسييس القضايا الإنسانية: تتحول الأزمات إلى ملفات مساومة سياسية.
إضعاف مصداقية النظام الدولي: يظهر عجز المؤسسات الدولية عن فرض حلول ملزمة.
ثالثاً: هل يوجد “فيتو غير رسمي” في مؤتمر ميونخ؟
رغم غياب آلية تصويت رسمية، فإن موازين القوى الدولية تفرض نوعاً من الفيتو السياسي غير المعلن، ويظهر ذلك في:
ـ قدرة القوى الكبرى على توجيه النقاشات وتحديد الأولويات.
– صعوبة بناء توافقات تتعارض مع مصالح القوى العظمى.
– سيطرة الخطاب الجيوسياسي للدول الكبرى على مخرجات الحوار.
– الفارق هنا أن التعطيل في مجلس الأمن قانوني ورسمي، بينما في ميونخ سياسي وتوافقي.
رابعاً: لماذا يظل مؤتمر ميونخ مؤثراً رغم غياب سلطة القرار؟ رغم عدم امتلاكه قوة إلزامية، فإن المؤتمر يلعب دوراً محورياً في:
– تمهيد الطريق للقرارات الدولية عبر خلق تفاهمات أولية.
– اختبار مواقف الدول قبل طرحها في المؤسسات الرسمية.
– بناء قنوات اتصال خلفية بين الخصوم الجيوسياسيين.
– خفض احتمالات التصعيد عبر الحوار المباشر.
خامساً: ما الذي تكشفه المقارنة عن النظام الدولي؟
المقارنة بين مجلس الأمن ومؤتمر ميونخ تكشف عن حقيقة أساسية:
– النظام الدولي لا تحكمه المؤسسات فقط، بل تحكمه توازنات القوة.
– الفيتو يعكس صراع المصالح أكثر مما يعكس مبادئ العدالة الدولية.
– المنتديات الحوارية مثل ميونخ أصبحت ضرورة لتعويض الجمود المؤسسي الدولي.
وبذلك، فإن التشابه الحقيقي لا يكمن في آليات العمل، بل في حقيقة أن إرادة القوى الكبرى تظل العامل الحاسم في صنع القرار الدولي أو تعطيله.
هل يمكن أن يكون مصير مؤتمر ميونخ للأمن متشابه؟
لا يُرجَّح أن يواجه مؤتمر ميونخ للأمن مصيراً مطابقاً لحالة الجمود التي قد تصيب المؤسسات الدولية الرسمية، لأنه لا يعتمد على قرارات ملزمة أو آليات تصويت ومع ذلك، فإن تأثيره قد يتراجع إذا تحول إلى منصة تعكس الانقسامات الدولية بدلاً من معالجتها.
وفي عالم يتسم بتزايد الاستقطاب وتآكل الثقة في المؤسسات الدولية، قد يصبح نجاح المؤتمر مرهوناً بقدرته على الحفاظ على دوره كمساحة حوار حقيقية، لا كساحة لتبادل الخطابات السياسية.
بعبارة أخرى: خطر المؤتمر ليس الشلل المؤسسي، بل فقدان المعنى والتأثير في نظام دولي يتغير بسرعة.
السيناريوات المحتملة
* سيناريو تعزيز الشراكة الغربية
في هذا السيناريو، قد يؤدي المؤتمر إلى ميثاق تفاهم واضح بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن مستقبل الدفاع المشترك، ما يسهم في تخفيف التوتر عبر الأطلسي وتعزيز التعاون العسكري والاستخباراتي.
* سيناريو تصعيد عسكري إقليمي
نظرًا لاستمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، قد يؤدي عدم التوصل إلى حلول تفاوضية إلى مزيد من التصعيد العسكري في المنطقة الأوروبية الشرقية أو في ملفات إقليمية أخرى، ما يزيد من أعباء الأمن الدولي.
* سيناريو تحول نحو التعددية والتعاون المتعدد الأطراف
يمكن أن يشهد العالم في أعقاب المؤتمر تحركًا نحو تعزيز دور المنظمات الدولية في إدارة الأزمات، مع توافق دولي أكبر على وضع قواعد واضحة للتعاون بدلًا من الصراع الأحادي.
وفى نهاية الأمر، فإن هذه الدورة من مؤتمر ميونخ للأمن ليست مجرد لقاء سنوي تقليدي، بل هي مؤشر على نقطة محورية في تاريخ العلاقات الدولية. فهي تجمع بين القديم والجديد ، بين النزاعات العسكرية التقليدية كالحرب في أوكرانيا والتحديات الحديثة مثل التكنولوجيا، وبين التوترات بين القوى الكبرى وتطلعات التعاون المتعدد الأطراف.
يعكس المؤتمر إحساسًا عالميًا بأن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية، حيث تتداخل قضايا الأمن، الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة السياسية بطريقة غير مسبوقة. وهذا يتطلب إعادة صياغة استراتيجيات التعاون بين الدول، تجاوز اختلافات الماضي لصالح منظومة أمنية أكثر شمولية ومرونة.
ختامًا، نجاح هذا المؤتمر في إيجاد جذور تفاهمات جديدة حول الأمن الجماعي، التحديات المستقبلية، واستقلالية السياسات الدولية لن يكون مجرد إنجاز دبلوماسي، بل خطوة ضرورية نحو تحقيق استقرار عالمي في ظل عالم يتغير بوتيرة متسارعة.



