في ذكرى 14 فبراير 2011

بقلم: محمد حسن العرادي

على مفترق طرق كانت البحرين في ذلك اليوم 14 فبراير 2011، طريق يؤدي إلى مزيد من الألفة والمحبة، وآخر يقود إلى تأجيج الصراع المذهبي ويفاقم الانقسام بين مكونات المجتمع المسالم، ربما لم يقراء بعض الساسة الذين قادوا الحراك السياسي المشهد بالشكل الصحيح، فسمحوا لأنفسهم برفع شعارات براقة في ظاهرها، خطيرة في جوهرها، وربما لأنهم لم يقدروا حجم واتجاه التفاعلات وردود الأفعال التي ستتوالى بعدها، لكن النتائج في الحالتين كانت كارثية على الوطن والمواطن.

بعض المنتشين بالصراخ والأصوات العالية وضجيج التظاهرات الصاخبة التي سيطرت على أغلب الطرقات والشواراع الهامة، توهموا بأن المشهد الذي يرونه أمامهم هو مقدمة للتغيير الإيجابي الذي ينشدونه ويطالبون به منذ سنوات، بعضهم أصابته الصدمة والذهول فراح يبالغ في الصمت واللافعل، أو يبالغ في الفرجة من دون أن يحرك ساكناً يمكن أن يحتوي الانفجار الذي يوشك على الوقوع، بعضهم أصابته النشوة وساورته الظنون ودغدغت عواطفه الأحلام الطوباوية، تلك كانت لحظات استثنائية شطحت وأطاحت برجاحة عقول كثيرة، توهم أصحابها بأن القادم سيغير الجالسين على سدة القرار ويسلمها بأيديهم، ربما بسبب بعض التلميحات الصادرة عن مصادر أجنبية، اعتادت أن تطلق الوعود التي تدغدغ الأحلام فتوهمت بأن هذا الأجنبي المنافق يدعم تحركاتها ويناصر مطالبها، بينما هو يحرض الجميع ضد الجميع، ثم يجلس للفرجة في إنتظار النتائج، وأي كان المنتصر فإنه يقف إلى جواره ليقنعه بأنه السبب الرئيس في نجاحه، البعض إستدار وراح يجدف عكس التيار (ربما ضد الوطن ايضا) ضناً منه بأن الضفة الأخرى ستكون أكثر أمناً وسلاما ..

لكن «حسابات الحقل وحسابات البيدر» كانت متباينة بشكل كبير ، فما اعتبره البعض وهناً وضعفاً لدى الحكم، كان يخفي بين جوانبه تمهلاً وحنكة وخبرة سنوات من السياسة والقيادة في انتظار الفرصة المناسبة للرد، ربما حين تنضج الظروف، وربما رغبة في انكشاف المستور وسقوط البعض في شباك الأخطاء الكبرى، وبينما راح بعض الحالمون يبنون قصوراً من الرمال بالقرب من المياه الراكدة، كانت الأمواج الصاخبة تعتمل في مكان آخر، في إنتظار لحظة جزر تسحب المياه من ساحل الإحتجاجات وتكشف حجم الوهم الذي بنته الأفكار المنفلته ثم تنهدُ عليها في موجه مدٍ جارفة تطيح بكل ما تم بناءه على تلك الرمال.

كثيرٌ من العقل كان مفقوداً والقليل المتبقي لم يجد لكلامه صدى ففضل الصمت السكوت وعدم الفعل، وبدل أن يتجه بعض أصحاب الرؤس الباردة لتهدئة الجماهير الغاضبة والمحتقنة بيد فاعل مبني للمجهول، وضع عقله في ثلاجات الموتى وراح يسبح في تيار ردات الفعل علّ وعسى أن يكون شيئاً من التغيير، ذلك البعض سلم انقياده لأشخاص مجهولين أو متوارين عن الأنظار، هو لا يعرفهم لكنه يثق فيهم .. كيف يكون ذلك، هكذا تركوهم يقررون مصير البلد، بعضهم أسمى نفسه ثائراً، بعضهم نصب نفسه قائداً وزعيماً لأنه حُمل على الأكتاف، فراح يكيل الخطب الرنانه وينذر بأهوال يوم القيامة، بعضهم إعتبر نفسه أمتداداً لربيع عربي موهوم رسمت دوائره وارتداداته دوائر المخابرات العالمية التي كانت تريد أن تضغط على الجميع لكي تجني المكاسب، وتحقق ما عجزت عنه المفاوضات من استسلام وخضوع وخنوع.

اتفاقيات للتطبيع، وخطط للسيطرة والهيمنة كانت معدة ومرسومة منذ سنوات، لكنها محفوظة في الأدراج، تنتظر اللحظة المناسبة كي تفرض نفسها على بعض الأنظمة التي كانت مترددة في الإنسياق ضمن ركب التسوية والمصالحة المفروضة مع الكيان المغتصب، لكن الثورات الملونة بلون الدم راحت تهدد الأنظمة المستقرة حتى تنساق خلف الأوامر الأمريكية، فمن قَبلَ نجى ومن تخلف عن التنفيذ غرق وهلك في أتون المعارك الطائفية والحروب الأهلية، فتغيرت بعض الحكومات وتبدلت بعض الأنظمة، كثيرون انصاعوا وكثيرون انكسروا وأصبحوا أثراً بعد عين فصاروا في النسيان بعد ان كانوا ملئ الزمان والمكان.

بعض الأنظمة الناجية من جراحات الثورات العربية المزعومة في أكذوبة ما سمي بالربيع العربي، أعادوا التموضع وحافظوا على رباطة جأش مجروحة قلقة، في انتظار أن يتغير اتجاه الرياح، وتتبدل المواسم، فيحين الوقت لاصلاح ما أفسدته الضغوط من علاقات بينية وأوضاع معيشية وسياسية، بسب تراكم التهديدات الدولية، فيما بعض التيارات السياسية المصنفة على قوائم المعارضة والتي ركبت الموجة وجدت نفسها خارج السياق، قد خسرت كل ما راكمته من منجزات وسجلته من حظور لافت، فغدت عبرة في الذاكرة، بعد أن كانت صاحبة صولات وجولات تؤثر وتناور وتتفاوض وتحقق أهدافاً بينة وازنة.

في ذكرى 14 فبراير تلك الذكرى الفارقة والفرص الضائعة، نحتاج إلى وقفة صدق نراجع فيها ما جرى وصار، نعيد التقييم، نشخص الأخطاء ونعترف بها، ثم نعيد تدوير الزوايا، لاصلاح ما فسد من علاقاتنا مع الدولة ومع المكونات الاخرى، نرمم القنوات والدروب التي كانت تصل بيننا، نبتعد عن المكابرة، فلقد كان المسار السياسي في البحرين يحقق الكثير من المنجزات والتطورات الايجابية، بعضها بطيئ بينما أغلبها كان فائق السرعة حرق الكثير من المراحل التاريخية، لكن الشراكة لا تتم عبر الالغاء، وعبر الفوضى وعبر فلسفة الإقصاء، والاستئثار وعدم النضج السياسي لدى البعض، بل عبر الجلوس على طاولة تتسع لكل أطياف الوطن، لمناقشة القضايا المختلف عليها بحثاً عن أفضل الطرق لتضييق الفجوات، وليس عبر سياسة كسر العظم ..

في ذكرى 14 فبراير 2011، نربد أن نتجاوز الألم والوهم، ونعود إلى ذكرى ميثاق العمل الوطني الذي جَسَرَ الهوة التي خلفتها أحداث التسعينات القاتمة، نريد أن نعيد صياغة مفهوم الشراكة المجتمعية والعمل السياسي، والعمل الأهلي، وأن نكرس جهودنا لاعادة بناء التوافقات التي تفتح الباب للأمل والمصالحات والتسويات، فهذا الوطن الصغير الحجم الكبير بالمحبة والسلام، هو كل ما نملك وما يجب الحفاظ عليه.

أخيرا .. هذه دعوة لتجاوز أحداث الماضي بهدف الخروج من الأزمة عبر الانفتاح على الطرف الآخر، وابداء الرغبة الصادقة في التسوية وفق نظرية لاغالب ولا مغلوب، مع تشديد وتأكيد المحافظة على الدولة والاحتكام إلى الدستور والقوانين والأنظمة، والعمل على التغيير وفق الآليات السلمية المتاحة وخاصة وفق تطوير العملية البرلمانية من خلال الانتخابات والمشاركة فيها بأفضل الكوادر، وإنهاء فصل المقاطعة الذي أكمل اليوم 15 عاماً من المراوحة والمكابرة، لامناص من أن تقوم الدولة أيضاً بمراجعة وتعديل بعض القوانين والأنظمة الخشنة كقانون العزل السياسي واحكام حل الجمعيات السياسية، والتراجع عن كل ماكدر ساحة العمل الأهلي وفاقم من توتر الوضع السياسي، والله من وراء القصد.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى