السودان ومصر بين منطق الأمن القومي ومخاطر التورط في حرب الآخرين

هل تمثل مزاعم القواعد العسكرية المصرية في السودان، ضرورة استراتيجية أم مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر؟

كتب أحمد سمير
لم تعد السودان مجرد دولة مجاورة لمصر،بل أصبح مرأة تعكس حجم الارتباك في النظام الإقليمي العربي الأفريقي، وساحة اختبار حقيقة لقدرة القوى الإقليمية على إدارة الأزمات، من دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة من خلال هذا المشهد المضطرب، قد أثارت تقارير إعلامية عن مزاعم وجود قاعدة عسكرية مصرية، تَستخدم لضرب قوات الدعم السريع.
موجة واسعة من الجدل بين من يراها خطوة دفاعية ضرورية لحماية الأمن القومي المصري، ومن يعتبرها مغامرة سياسية قد تفتح باباً يصعب إغلاقه، سواء كانت هذه المزاعم كانت دقيقة أو جزاء من حرب المعلومات، فإنها تضع القاهرة أمام معادلة شديدة التعقيد، كيف تحمي أمنها القومي من دون أن تتحول إلى طرف مباشر فى حرب أهلية مُعقدة، كيف توزان بين القوة العسكرية والدبلوماسية في بيئة إقليمية تتآكل فيها الحدود بين الصراعات الداخلية والحروب بالوكالة.

إذن هل تتجه صر نحو تدخل عسكري مباشر؟
الأقرب إلى الواقع أن القاهرة تَفضل حتى الآن التدخل الغير مباشر القائم على الدعم الاستخباراتي والسياسي، بل وربما العمليات المحدودة ذات البصمة العسكرية الخفية.
التدخل العسكري المباشر من القاهرة يحمل تكلفة سياسية وأمنية مرتفعة، ما يضع مصر في مواجهة غير مباشرة مع قوى إقليمية ودولية منافسة على النفوذ في السودان.
لذا فالقاهرة تسعى لتحقيق الردع دون الدخول فى حرب مفتوحة.

هل يعني هذا الأمر سقوط الجيش السوداني لمصر؟
سقوط الجيش السوداني أو تفككه لن يكون مجرد تطور عسكري في دولة مجاورة، بل زلزال استراتيجي يضرب عمق الأمن القومي المصري، نظرا لحدود تمتد لأكثر من ألف كيلومتر ستتحول إلى مناطق رخوة، وموجات لجوء غير مسبوقة متجهة نحو الشمال، أضف إلى ذلك ملف مياه نهر النيل الذي قد أصبح ورقة ضغط كبيرة في يد قوى غير صديقة.
لذا فالسودان ليست فقط دولة مجاورة لمصر فقط، بل تمثل خط دفاع جوسياسي أول لمصر.

هل التقارير الإعلامية عن قاعدة مصرية عسكرية حقيقة؟ أم حرب معلوماتية؟
واقعياً المشهد يتأرجح بين الواقع والتضخيم الإعلامي، والأرجح عبارة عن تحركات عسكرية مصرية محدودة، لكن ما يحدث من تضخيم إعلامي يخدم أطراف دولية من ضمنها قوات الدعم السريع لتصوير الحرب كصراع خارجي وقوة إقليمية لوضع القاهرة، وأطراف محلية على لنحو سياسي حرج لرفع سقف التفاوض.
النتيجه في النهاية هي حرب معلومات بقدر ما هي حرب على الأرض.

هل تؤثر هذه التقارير والمزاعم الدولية على علاقات مصر الإقليمية ؟
أى انطباع بتدخل القاهرة عسكرياً بطريق مباشر فى الصراع السوداني قد يعمق الاستقطاب الإقليمي، ويضع مصر في مواجهة غير مباشرة مع الدول الداعمة لقوات الدعم السريع، كما يزيد من حساسية القوى الدولية تجاه الدور المصري، الأمر الذي يضع القاهرة دبلوماسياً تحت المجهر بشكل دائم خاصة في ظل تشابك المصالح في البحر الاحمر والقرن الأفريقي.

هل تستطيع مصر لعب دور الوساطة؟
حيادية مصر في موضع شك لدى بعض القوى السودانية، لكن استبعادها بشكل من أي مسار تفاوضي يبدو مستحيلاً، فالقاهرة تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً وتاريخياً يجعلها لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه.

غير أن دور الوسيط الذي تلعبه القاهرة سيظل مرهوناً بعملها ضمن أطر متعددة الأطراف، وذلك لتقليل اتهامات الانحياز وتعزيز الثقة بين الأطراف السودانية.

الدبلوماسية المصرية بين الواقعية والإتهامات
رسميا تلتزم القاهرة بالخطاب الدبلوماسي الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار والحل السياسي الشامل والحفاظ على وحدة السودان، حيث تتحرك مع الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والتنسيق مع دول الجوار، والتواصل مع الدول الأخرى لاحتواء تدويل هذا الصراع .
تدرك الدبلوماسية المصرية سياسياً أن الحل العسكري وحده غير كاف، وأن السودان يتطلب استقرارها تسوية سياسية شاملة، في المقابل الرأي العام داخل السودان منقسم حول دور مصر، إذ يرى تيار مصر وسيط ضروري يمتلك مفاتيح التأثير، وتيار آخر يوجه الإتهام للقاهرة بالانحياز للجيش السوداني، مع تقويض فرص التوازن في أي عملية تفاوضية، ويعكس هذا الانقسام طبيعة الانقسام ذاته.

السيناريوات المستقبلية 
– سيناريو استمرار التدخل الغير مباشر
مواصلة مصر دعم الجيش السوداني على المستوى السياسي والإستخباراتي، مع القيام بعمليات محدودة، الأمر الذي يودي إلى إطالة أمد الصراع من دون حسم واضح مع استمرار التنافس الإقليمي على النفوذ في الخرطوم.
وهذا ما يؤدي الى المحافظة على خطوط الردع مع إطالة معاناة السودانز

– سيناريو تدخل عسكري مباشر وتصعيد اقليمي
هذا حال دخول الصراع نحو خطوط حمراء مصرية من الممكن أن تتدخل القاهرة لحماية مصالحها الاستراتيجية.
هذا السيناريو يحمل مخاطر جسيمة من تدويل الصراع إلى استنزاف الموارد المصرية وفتح جبهات سياسية جديدة.

– سيناريو التسوية السياسية برعاية دولية
قد تفرض الضغوط الإنسانية والاقتصادية هدنة طويلة أو إتفاق سياسي برعاية دولية تشارك فية مصر كضامن إقليمي.
يبدوا هذا السيناريو أكثر عقلانية، ولكن الإرادة الدولية الحقيقة لم تتبلور بعد.

– سيناريو تفكك السودان إلى مناطق نفوذ
إذا استمر الجمود العسكري والسياسي قد يتحول السودان إلى مناطق نفوذ منافسة بين القوى المحلية والإقليمية، وهذا السيناريو قد يكون الأسواء لمصر، لأنه يحول حدودها الجنوبية إلى بؤرة عدم استقرار دائم.

– سيناريو إعادة بناء الدولة بدعم إقليمي
هذا السيناريو الأقل ترجيحاً، لكن من الممكن حدوثه على المدى البعيد، إذ يقوم على إعادة بناء مؤسسات الدولة السودانية بدعم إقليمي ودولي، مع دور مصري بارز في الأمن والتنمية وإعادة الإعمار مما يعيد الاستقرار ويعزز النفوذ المصري.

فب نهاية الأمر، ليست القاعدة العسكرية المزعومة هي جوهر السؤال، بل جوهره هو موقع مصر في معادلة السودان الجديدة، هل تختار القاهرة طريق الردع العسكري المحدود؟ أم الدبلوماسية النشطة متعددة الأطراف؟ هل تستطيع تحقيق التوزان بين حماية أمنها القومي وتجنب التورط في حرب طويلة الأمد؟

فالسودان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة بل مفصل استراتيجي يعيد تشكيل خرائط النفوذ في شمال شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، ومصر بحكم التاريخ والجغرافيا لا تستطيع الوقوف على الهامش، لكن الحكمة السياسية تفتضي أن تكون القوة العسكرية آخر الخيارات، وأن تبقى الدبلوماسية الذكية هي الأداة الأولى لإدارة الصراع، حفاظاً على الأمن القومي المصري واستقرار المنطقة بالكامل.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى