
تصعيد إقليمي على حافة المواجهة… الشرق الأوسط بين منطق الردع واحتمالات الإنفجار
كتب أحمد سمير
يشهد الشرق الأوسط في الوقت الحالي مرحلة دقيقة من التصعيدات المتدرجة، تتقاطع فيها التحركات العسكرية الغربية مع حالة التأهب الإسرائيلي، في مقابل رسائل ردع إيرانية مباشرة وغير مباشرة.
ويأتي خبر نشر بريطانيا لمقاتلاتها في قطر، مع توجه حاملة طائرات أميركية إلى خليج عًمان، وإجراءت احترازية إسرائيلية، جميعها مؤشرات على انتقال المنطقة من مرحلة التحذير السياسي إلى مرحلة الجاهزية العملياتية، في الوقت نفسه بدأت عدة تداعيات على الصعيد الإقتصادي والمدني في الظهور، لتعكس شركات الطيران الكبرى القرارات بإلغاء رحلاتها إلى تل أبيب، ما يعكس ارتفاع منسوب المخاطر الأمنية.
التحركات العسكرية في الوقت الحالي تمثل ردعاً وقائياً أم تمهيداً لمواجهة محدودة؟
ما يجري الآن من تحركات عسكرية في مضمونها الردع الوقائي أكثر من كونه تمهيداً للحرب، مسألة حشد القوات ونشر حاملات طائرات وإعادة التموضع الجوي، يهدف في الأساس إلى رفع كلفة أي خطوة إيرانية محتملة، وإيصال رسالة محتواها أن أي تصعيد سيواجه برد سريع ومؤلم، غير هذا إلا أنه يحمل في طياته خطر التحول إلى مواجهة محدودة إذا فشلت قنوات الضبط السياسي، أو حدوث خطأ في الحسابات.
المدى الذي تسعى إليه كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا لاحتواء التصعيد من دون الدخول في حرب مفتوحة
تسعى الإدراتين في واشنطن وبريطانيا إلى إدارة التصعيد لا تفجيره، من خلال إظهار الجاهزية العسكرية مع الإبقاء على هامش المناورة الدبلوماسية.
هذا ويتمثل الهدف الغربي في حماية المصالح الاستراتيجية والممرات البحرية، ومنع إيران من فرض وقائع جديدة بالقوة من دون تحمل كلفة حرب شاملة قد تزعزع الاستقرار الإقليمي.
حدود الرد الإيراني المحتمل، وهل سيكون مباشر؟ أو من خلال أدوات غير تقليدية؟
المرجح أن إيران لن تلجأ إلى مواجهة عسكرية مباشرة واسعة، وذلك لاختلال ميزان القوى التقليدية، بل من الأرجح أن يكون الرد غير مباشر ومتدرج عبر أدوات إقليمية حليفة، أو عمليات سيبرانية، أو تهديدات أمن الملاحة والطاقة، سيكون هذا هوالنهج الذى سيسمح لطهران بإرسال رسائل قوة من دون أن تتجاوز الخطوط الحمراء التي قد تستدعي رداً دولياً واسعاً.
التأهب الإسرائيلي سوف يؤثر على معادلات الردع الإقليمي ومسارات التصعيد.
بالفعل فهذا التأهب يرفع من منسوب التوتر ويُعقد حسابات الردع، إذ تُبقي تل أبيب خيار الضربة الاستباقية حاضراً في المشهد، هذا الإستعداد يعزز الردع من جهة، لكنه في الوقت ذاته يزيد احتمالات الانزالق إلى مواجهة أوسع، خاصة في حالة تفسير إيران أو حلفاؤها أي تحرك إسرائيلي على أنه نية هجومية على وشك الحدوث.
انعكاسات إلغاء الرحلات على الإقتصاد والأمن والاستثمار في المنطقة
إلغاء الرحلات الجوية يعكس تراجع الثقة في البيئة الأمنية، ويمثل مؤشراً مبكراً على التداعيات الاقتصادية للتصعيد، هذه الإجراءت تؤثر على السياحة والاستثمار وحركة الأعمال، كما تبعث برسائل سلبية للأسواق الدولية، كما أنها تؤكد أن التوترات العسكرية لم تعد محصورة في المجال الأمني، بل بدأت تمتد إلى الاقتصاد المدني والبنية التجارية للمنطقة.
وفي تصريح خاص للخبير الاستراتيجي اللواء عبدالحميد خيرت، وكيل جهاز مباحث أمن الدولة السابق لموقع “أجواء برس”، أكد فيه: أن التحركات العسكرية التي تحدث حالياً هي عبارة عن ردع وقائي لا يمثل تمهيداً مباشر للحرب في المنطقة، وإن كان هذا لا يمنع من وجود هامش خطير للإنزلاق في الحرب.

مكملاً: بأن عملية نشر القوات البريطانية لمقاتلاتها في قطر وحاملة الطائرات الأميركية في بحر عمان، لا يوفر بالضرورة بنية هجومية مكتملة، بل قدرة على الاستجابة السريعة، وذلك لحماية القواعد والممرات البحرية، مع رفع كلفة أي تحرك إيراني مباشر.
وإن هذا النمط من التحركات العسكرية يتوقف على عنصر الوقت، وكلما طال الوقت- من دون تفريغ سياسي- قد يتحول التحرك العسكري من ردع إلى بيئة قابلة للإشتعال، وذلك بفعل أخطاء في الحسابات أو ضربات استباقية محدودة، حتى الآن هو في المنظور العام إجراء ردع وقائي مع قابليته للتحول إلى مواجهة محدودة حالة فشلت عملية الاحتواء.
مشيراً: إلى أن سياسية الاحتواء هي الخيار الاول والأخير لدى الإدارتين في واشنطن ولندن، وذلك لعدة أسباب، هي:
1ـ أن الولايات المتحدة غارقة استراتيجاً في الوقت الحالي داخل اوكرانيا، وفي منافسة شرسة مع الصين ولا تريد إعادة فتح جبهة شرق أوسطية شاملة، كما أنها تسعى إلى حماية إسرائيل من دون منحها ضوءاً أخضرا للتصعيد غير المحسوب .
2ـ تتحرك بريطانيا تحت مظلة الولايات المتحدة الأميركية، فوجودها العسكري شكل رمزي عملياتي لتعزيز الردع لا أكثر.
وأن الخطورة تكمن في حالة فشل الاحتواء إلى يمكن أن يحدث، أذا بادرت إسرائيل بضربة كبيرة، أو وقع هجوم إيراني يُسبب خسائر بشرية مباشرة للأميركين.
موضحاً: أن إيران تُفضل الرد الغير مباشر المتدرج والمتعدد الساحات، لأن الرد المباشر سوف يفتح باب حرب لا ترغب بها، وأن الحفاظ على “غموض الرد” جزء من عقيدتها.
في نفس السياق: أشار اللواء خيرت إلى أن الرد بالوكالة يمنح إيران إنكاراً سياسياً، ومرونة في التصعيد أو التراجع، وهذا سوف يتحقق من خلال تنفيذ عمليات دقيقة عبر:
1ـ حزب الله “حدود محسوبة”.
2ـ الحشد الشعبي في العراق “ضغط على القواعد”.
3ـ الحوثيون “ممرات بحرية، صورايخ بعيدة المدى”.
4ـ هجمات سيبرانية.
5ـ رسائل أمنية غير معلنة.
على الجانب الآخر لا تريد إيران غالباً ضربة صاروخية مباشرة واسعة على إسرائيل، أو أستهداف أميركي واسع النطاق، قد يستدعي رداً أميركياً مباشراً.
مبيناً: أن التأهب الإسرائيلي عامل مزدوج الخطورة فهو من جهة يعزز الردع، ويبعث رسالة جاهزية واستعداد ويرفع كلفة أي هجوم مفاجئ، من جهة أخرى يضغط على القيادة السياسية لاتخاذ قرارات سريعة يخلق عقلية “الضربة الاستباقية “، يزيد من احتمالات الخطاء الإستخباري أو الميداني، فإن إسرائيل تتحرك ضمن معادلة “إذا كان الهجوم حتمياً، فالأفضل أن نبدأ نحن”، وهذه أخطر نقطة في المشهد.
مختتماً: أن عملية إلغاء رحلات الطيران له تأثيرات مباشرة من الممكن حصرها فيما يلي:
1ـ ضرب قطاع السياحة.
2ـ إرتفاع كلفة التأمين.
3ـ تعطل سلاسل الأعمال والاستثمار.
4ـ إشارة نفسية سلبية للمستثمرين.
5ـ إعادة تقويم المخاطر السيادية.
6ـ تآكل صورة الاستقرار حتى من دون حرب فعلية.
في نهاية الأمر، المنطقة لا تسير نحو حرب شاملة حتمية، لكنها تتحرك على حافة مواجهة محدودة قابلة للتوسع، على حد تعبيره.
وفي الختام التطورات الجارية الآن في المنطقة تقف عند مفترق طُرق استراتيجي، ثبيت معادلة ردع جديدة تمنع الإنفجار أو الإنزلاق إلى مواجهة قد تتجاوز حدود الصراع التقليدي، في نفس الوقت تحاول القوى الكبرى إدارة التوتر بأدوات عسكرية وسياسية محسوبة، تظل احتمالات التصعيد قائمة مدفوعة بتعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح.
وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستُحسم بمدى قدرة الأطراف على ضبط الإيقاع وتفادي القرارات التي قد تُشعل صراعاً واسعاً يصعب احتوائه.



