قد حان وقت المراجعة – 2

بقلم محمد حسن العرادي

لا أحد يعرف على وجه اليقين من الذي رفع شعار “باقون حتى إسقاط النظام” فوق منصة دوار اللؤلؤة، ولا أحد يعرف مدى القناعة التي كان يمتلكها أولئك الذين تبنوا هذا الشعار، ومدى صدقهم وإيمانهم بصحة ما يفعلون، لكن الأكيد أن رفع ذلك الشعار المتطرف كان بداية لسلسة كوارث ضربت المجتمع البحريني في الصميم، وأحدثت شرخاً كبيراً ساهم في خلخلة تماسكه ووحدته الوطنية.

ولعل من المفيد بعد مضي قرابة 15 عاماً على رفع ذلك الشعار المتطرف جداً الإشارة إلى أن هذا الشعار كان بداية انتكاسه كارثية في الوعي والتوجهات المجتمعية، قاد إلى زرع الكثير من الشكوك وسوء الظن وإنعدام الثقة بين المواطنين بعضهم البعض وبينهم وبين حكومتهم مما زاد من حدة التوتر وفقدان الثقة بين الجميع، الأمر الذي أدى إلى ردود أفعال متباينة نفذها كل طرف حسب ما يمتلك من عوامل قوة ونفوذ وتصورات.

لقد تمخض عن هذا الشعار خطب رنانة سارت في ذات السياق التصادمي مع السلطة، وانطلقت مسيرات حاشدة رفعت شعارات الإسقاط والتشكيك في كل شيء وتمادت فيه حتى وصلت إلى حدود الشخصنة ومهاجمة وإستهداف قيادات سياسية مثلت رمزاً للأسرة الحاكمة طيلة عقود من الزمن، ثم استمرت في الإنحدار حتى نادت بالموت للأسرة الحاكمة، ورغم كل ذلك التغول والإنفلات الشعاراتي، فإن القيادات السياسية التي كانت تدعي بأنها تمسك بسلطة القرار في الشارع، لم تلتفت لضرورة المطالبة بترشيد الخطاب ووقف الشعارات التي تؤججه، كما أنها لم تكترث لضبط إيقاع الشارع حتى لا ينفلت إلى ما لايحمد عقباه وهو ما حدث فعلاً.

لقد كان المشهد مخيفاً بل مرعباً حول دوار اللؤلؤة، منصة رئيسية لا يرتقيها أو يصعد عليها إلا من يستطيع المزايدة على الشعار الرئيسي أو يقبل السير في سياقه العنيف وتحت لواءه المخيف “باقون حتى إسقاط النظام” كان وهماً وخيالاً فارغا، وكان من اللافت أيضاً، تشُييد الكثير من المنصات الإعلامية الفرعية ونصب الخيام المختلفة التي شكلت حاضنة لتجمعات متفرقة تتنافس فيما بينها على بث التحريض والكراهية ورفع الشعارات الرنانة، كالمطالبة بالموت للأسرة الحاكمة وإسقاط رموزها والاساءة لها بكافة الطرق والوسائل، وكأن الحكمة قد غابت والحكماء قد صمتوا أو بلعوا ألسنتهم، كانت الأخبار الكاذبة والإشاعات المفبركة تغذي الحماس وتلهب مشاعر المتجمهرين في ظل غياب تام للوعي والقدرة على التركيز والتفكير الهادئ.

إحدى الروايات المفبركة قالت بأن شخصية قيادية مسئولة كبيرة قد جمعت حاجياتها وأغراضها وكل ما خف وزنه وغلا ثمنه من أموال وذهب وفضة وغادرت عن طريق المطار إلى دولة آسيوية طلباً للنجاة بالنفس والعيال، أكذوبة أخرى تم نسجها من خيال مريض مصاب بلوثة الأنا المتضخمة، فسَرت بين الناس كالهشيم، حين تم الترويج بأن شاحنات مبردة (ثلاجات الخضار والفواكه) محملة بعشرات إن لم يكن مئات من الجثث قد غادرت البحرين عن طريق الجسر لتخفي الحقيقة عن الناس، ودون أن يقدم مروجوا هذه الإشاعة أدلة أو براهين على أكاذيبهم، كانت الناس تتلقف هذه الأنباء وتلوكها بألسنتها لتغذي وتشحن التظاهرات بالمزيد من الإنفعالات والحماس.

وعلى ذات المنوال في هدم الثقة وتفريغ المؤسسات الرسمية والأهلية من مضامينها قرر أحدهم الدعوة إلى إغلاق المدارس الحكومية، ثم طلب من المدرسين والمدرسات الإمتناع عن الذهاب إلى مدارسهم، والحضور صباح كل يوم إلى ساحة الدوار حيث نصبت الطاولات ووضعت السجلات لتثبيت الحضور والإنصراف، والغريب أن المدرسين والمدرسات الذين يفترض فيهم مستويات متقدمة من الوعي كانوا هم الضحايا لهذه الدعوات المستهتره بل والغبية فراحوا يتوافدون بالمئات إلى الدوار للتوقيع في السجلات.

لقد كانت فترة سوداء سيطر فيها الوهم على عقول الكثير من الشخصيات والفعاليات التي كانت مسئولة عن إنهيار المنظومات الإدارية والمهنية في قطاعات مهمة وخاصة في ميدان التربية والتعليم وكافة المهن الصحية والبلدية والخدمية، ولم يعد أحد يدري أين ذهب العقل والرزانة والكياسة التي عرف بها شعب البحرين طيلة عقود من تاريخه المضيئ خاض فيه العديد من المحطات النضالية والمطلبية، حتى بات معروفاً بأنه من بين أكثر الشعوب العربية وعياً وثقافة وإطلاعاً، لقد كانت حقبة مجنونة كادت أن تذهب بالبلاد والعباد إلى المجهول لو لا لطف الله، وقد أدى ذلك إلى تداعيات سلبية لا يزال مجتمعنا يدفع أثمانا باهضة بسببها، وبعد كل هذه السنوات قد يكون حان وقت معالجتها والبداية يجب أن تكون بالإعتراف بتلك الأخطاء والخطايا وتشخيصها تمهيداً لاعادة نظم أمورنا وعلاقاتنا مع الدولة.

بعد كل هذه السنوات من المراوحة حان الوقت للمراجعة، والبدء في إطلاق ورش وطاولات حوار داخلي من أجل تدشين مبادرات تهيئ الساحة لمصالحات حقيقية تخرج الوطن من حالة الإنتظار، وهنا يجب علينا الإقرار بأن المصالحة الحقيقية بحاجة إلى توافق الإرادات بين مختلف الأطراف، فلا يمكن أن تبنى أو تقوم المصالحة على عاتق طرف واحد فقط، فهل نبادر إلى السير على طريق تصحيح ما أفسدته المواقف المرتجلة لبعضنا .. وللحديث صلة ..

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى