
رضا سعد: تظاهرات أميركا تكشف أزمة ثقة عميقة بين الشارع والمؤسسة الحاكمة
كتب أحمد سمير
خاص: أجواء برس
تشهد الولايات المتحدة في الوقت الحالي موجة متجددة من التظاهرات الشعبية، التي تعكس حالة من الاحتقان السياسي والإجتماعي الغير مسبوق منذ سنوات.
هذه التحركات التي خرجت من إطار المطالب الجزئية إلى فضاء اوسع من التشكيك في بنية النظام السياسي ذاته، لم تعُد مجرد رد فعل لقرارت حكومية أو أحداث أمنية، بل أصبحت مؤشر واضح على تصدع الثقة بين الشارع الأميركي ومؤسسات الحكم.
وفي ظل استقطاب حاد بين التيارات السياسية، وتراجع الخطاب التوافقي، تتحول هذه التظاهرات إلى مرآة لتكشف لأزمة أعمق متعلقة بالهوية والعدالة ومستقبل الديموقراطية الأميركية.
في حوار خاص ل”أجواء برس” مع الكاتب والمحلل السياسي رضا سعد “مدير مركز جينيف للدراسات السياسية” أفاد فيه: بأن ما يحدث في الولايات المتحدة حاليا من تظاهرات بدل أن يكون حيوية تعكس صورة المجتمع الديموقراطي، قد تحول إلى حالة قريبة من العنف المجتمعي نتيجة الاستقطاب السياسي، خاصة بعد الانقسامات الحادة في الشارع الأميركي والكونغرس.
مشيراً: إلى أن زيادة خطاب التطرف من خلال اليمين وخاصة في عهد الإدارة الحالية، والذي يعكس حالة من التخبط في تنفيذ القوانين، خاصةً في مواضيع ذات إشكالية كبرى في الداخل الأميركي، لعل من أهم هذه الملفات “الهجرة والدعم الإجتماعي وطريقة التصدي لهذه الملفات”.
مفيدا: أن طريقة تطبيق القوى الأمنية للإجراءت لا تخلو من العنف والتمييز في بعض الأحيان، والتي أدت إلى مقتل العديد من المواطنين والمهاجرين ذات البشرة السمراء بدم بارد على أيدي القوى الأمنية، وما يتبعه من رد فعل عنيفة بالشارع الأميركي.
واستكمل قائلاً : إن بنية المجتمع الأميركي قد تتغير من خلال سياسات الإقصاء والقسوة في تطبيق القرارات التي تبعث على الاعتقاد أن الديموقراطية لم تعد تُمثل المُثل العليا للطبقة السياسية الحاكمة، بل أصبحت تعتمد على مصالح هذه الطبقة وأفكارها التي تحملها، وهذا ما أصبح سائداً، مع اختلاف الأمر من حاكم إلى آخر الأمر الذي ينتج عنه عدم ثقة بين الشارع الأميركي وبين السلطة الحاكمة خوفاً من تغيير في الإدارة ، الأمر الذي يثير الخوف من عدم الاستقرار لدي الإقتصاديين ورجال الأعمال خشيةً من تغيير في الإجراءت والقرارات السياسية، التي تنعكس سلبا ً عليها، وخاصة على السياسات الإقتصادية على المدى الطويل.

مؤكدًاً: أن لا بد من النظر إلى هذا التحول في الشارع الأميركي، على أنه تحول بنيوي ناتج عن سياسات مختلفة بين جمهورى، وديموقراطي، كما أن تطور حالة العنف المجتمعية تعتبر من التحولات الفجائية في رسم سياسات الدولة التي خضعت في الإدارة الحالية إلى مزاج الرئاسة بعدد من الملفات لعل من أبرزها “الرسوم الجمركية والعلاقات الدولية المتأرجحة” التي قد رأيناها من أوكرانيا إلى غرينلاند، وما تعكسه هذه القرارات على تخبط سياسي واقتصادي، على الداخل الأميركي ما يخلق نوع من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وختم سعد: أن تطبيق الإدارة الأميركية الحالية للقوانين يلامس سمعة الولايات المتحدة الأميركية في مجال حقوق الإنسان، ويخلق أزمة ثقة بالديموقراطية المتبعة التي تتخطى الحقوق والواجبات، إلى ممارسة سلطوية على حد تعبيره.
قد تؤثر هذه الممارسات على الشارع وتدفعه تجاه التطرف العنفي في رد على ممارسات لا مسؤولة، هذه الأزمة تحتاج إلى مراجعة شاملة وعودة إلى القيم الديموقراطية، وليست فقط استعمالها كوسيلة للوصول إلى الحكم، كي تعود حالة الاستقرار المجتمعي مرة أخرى في الإدارة والحكم، من خلال احترام حقوق الإنسان داخلياً، وسياسة الدول من خلال القوانين الدولية.
في ضوء التصريحات السابقة ومع استمرار التظاهرات واتساع رقعتها في عدد من الولايات الأميركية، يبرز التساؤل الأهم حول المسارات التي يمكن أن يتجه إليها المشهد خلال المرحلة المقبلة، فطبيعة التفاعل الرسمي مع الاحتجاجات وحدة الاستقطاب السياسي، وتوقيت هذه التحركات، في سياق داخلي مُعقد كلها عوامل تجعل مستقبل الأزمة مفتوحاً لأكثر من سيناريو.

سيناريو الإحتواء المؤسسي المؤقت
قد تنجح الإدارة الأميركية في امتصاص الغضب الشعبي من خلال إجراءت سياسية وإعلامية محدودة تشمل وعود بالإصلاح، أو فتح قنوات حوار مع قادة الإحتجاجات من دون إجراء أي تغييرات جوهرية في السياسات القائمة، هذا السيناريو يخفف من حدة التوتر بشكل مرحلي لكنه لا يعالج أصل الأزمة، مما يجعله قابلاً للإنفجار في أي وقت.
سيناريو التصعيد والإنقسام الداخلي
في حال لجوء السلطات إلى المقاربة الأمنية أو تجاهل المطالب الشعبية قد تتجه هذه التظاهرات إلى مزيد من العنف والفوضى، مع اتساع المواجهات بين المحتجين وقوات الأمن، هذا المسار يُعمق الإنقسام المجتمعي ويمنح التيارات المتطرفة مساحة أوسع للتأثير ما يهدد الاستقرار الداخلي، ويضع الديموقراطية الأميركية أمام اختيار حرج.
سيناريو التحول السياسي العميق
يفترض هذا السيناريو أن تتحول التظاهرات إلى قوة ضغط منظمة، تفرض إصلاحات تشريعية وسياسية حقيقية سواء على مستوى قوانين الانتخابات، أو العدالة الإجتماعية أو توزيع السلطة، هو السيناريو الأصعب تحقيقة على المدى القريب لكن يظل مطروحاً في ظل اتساع الوعي السياسي وتراكم الأزمات.
في المحصلة لا يمكن قراءة المشهد الأميركي الحالي باعتباره حدث عابر أو أزمة ظرفية، بل هو تعبير مكثف عن خلل في البنية الاجتماعية الأميركية، ما بين نظام سياسي يعاني من الجمود، وشارع غاضب يطالب بإعادة تعريف العدالة والتمثيل، تقف الولايات المتحدة الأميركية عند مفترق طرق تاريخي، إما أن تنجح في تجديد نموذجها الديموقراطي من خلال إصلاحات حقيقية، أو الاستمرار في دوامة الاستقطاب والتوتر، بما يحمله الأمر من تداعيات داخلية ودولية تعيد رسم صورة القوة الأميركية في العالم.



