
الشيخ الجمري… لا يزال حاضراً – 5
محمد حسن العرادي- البحرين
كانت الأوضاع تزداد تأزماً كلما مرت أيام الاعتصام وازدادت أعداد المتجمهرين أمام دارة سماحة الجمري، حتى أصبح الوضع العام يسير للمجهول ، وبدى أن كل طرف يتعصب ويتمسك بمواقفه أكثر، فالمعارضة تصر على أن الحكومة لم تفي بأغلب التزاماتها، والحكومة من جهتها تعتبر بأن المعارضة لم تتمكن وربما لم ترغب في تهدئة الشارع وضبط إيقاعه حتى تكون التسوية ممكنه، بينما الجمهور يترقب وينتظر الخطوات القادمة من الطرفين، ورغم أن الشعار الرئيسي للحراك كان تفعيل الدستور وعودة البرلمان (البرلمان هو الحل) الا أن غياب البرنامج السياسي لدى “لجنة المبادرة” قد خلق فراغاً كبيراً في إدارة الجموع المحتشدة حولهم والمتضامنه معهم، ما إضطرهم لوضع برامج دينية مذهبية لتعبئة الفراغ الجماهيري من خلال تنظيم تجمعات وليالي حسينية يحييها عدد من الرواديد المعروفين، ما اعتبره البعض طأفنة للحراك السياسي وانحرافاً في أهدافه الوطنية.
في ظل هذه الأجواء تهيئ لي التعرف على شخصيات “لجنة المبادرة” بشكل مباشر من خلال لقاء خاص قام بترتيبه الأخ العزيز صادق الجمري الذي وفر الفرصة للدخول لمقر الاعتصام، هناك تعرفت على سماحة الشيخ الجمري ورفاقه للمرة الأولى بصورة مباشرة، وبعد حديث قصير مع سماحته، إستلم الحوار الأستاذ عبدالوهاب حسين (زعيم تيار الوفاء المعارض حالياً، وهو تيار ولد من رحم تيار جمعية الوفاق، وكان الأستاذ أبرز من قاد المسيرات الاجتجاجية في فبراير 2011 – لا يزال مسجوناً منذ إنتهاء تلك الأحداث) وكان يرافقني في اللقاء كل من الصديقين العزيزين الأخ المرحوم عبد الرسول المقابي، والأخ ميرزا أمان ، وكلا الرجلين كانا يعملان لدى السفارة الامريكية في البحرين (المرحوم المقابي هو الوسيط الذي عرفني بالأخ صادق والأخ ميرزا وسهل ترتيب اللقاء بحضورهما ولم يكن لي أي خيار في ذلك).
دار بيننا وبين الأستاذ عبدالوهاب حسين الكثير من التساؤلات والملاحظات حول ظروف الاعتصام وأهدافه، (علمت لاحقاً أن الأستاذ عبدالوهاب قد أرسل يسأل عني مستفسراً عن خلفيتي السياسية والدينية بين شباب قرية عراد) وخلال اللقاء الذي جمعنا مع أعضاء لجنة المبادرة أبديت الإعتراض والاستغراب من استضافة أحد الرواديد المشهورين للعزاء على السيدة الزهراء عليها السلام، وأذكر أنني قلت لهم، كيف تطالبون بتفعيل الدستور وعودة البرلمان، وتنسقون لتعزيز الوحدة الوطنية مع شركائكم في “لجنة العريضة الشعبية” بينما يتم دعوة المتجمهرين للعزاء الحسيني في قضية خلافية بين الشيعة والسنة، وقد أمر سماحة الشيخ رحمه الله بالغاء البرنامج العزائي فوراً.
كثيرة هي الوفود الرسمية والشعبية التي زارت “لجنة المبادرة” أثناء فترة الإعتصام أما لنقل المطالب والمواقف المتضامنة وإما لايصال رسائل التهديد والتحذير من الجهات الرسمية، وفي تقديري أن السلطات والجهات الأمنية كانت تراقب التجمهر عن كثب بكثير من الحذر واليقضة، وكانت تخشى أن تتحرك كل تلك الكتل البشرية المتجمهرة في محيط منزل الشيخ الجمري باتجاه المنامة العاصمة أو في أي إتجاه آخر، وفي تصوري بأن الأجهزة الأمنية لم تكن جاهزة أو مستعدة للتعامل مع أعداد هائلة بالحجم التي كانت عليها أعداد المتجمهرين في بني جمرة، وفي الوقت نفسه فإن عدم وجود برنامج ورؤية سياسية متكاملة لدى “لجنة المبادرة” وحتى “لجنة العريضة الشعبية” قد ساهم في عدم تفاقم الأوضاع أو تحولها إلى إشتباك وصدام لايحمد عقباه.
كما يمكن القول إن الخسائر البشرية التي وقعت منذ بداية أحداث التسعينات وخاصة منذ سقوط الهانيين في 17 ديسمبر 1994 مروراً باستشهاد أعداد أخرى في مواجهات متفرقة من البلاد، حتى وصل الحال إلى إرتقاء حوالي 40 شهيداً، وقد ساهم ذلك في زرع الخوف والحذر من الصدام مع الأجهزة الأمنية، والالتزام بإبقاء التجمهر في حاله سلمية مستقرة في حدود محيط الاعتصام من قبل المنظمين، إضافة إلى أن التكتيك الذي إتخذته الحكومة في تسريب “رسالة الاعتذار” قد ساهم في إحداث حالة من الإرباك والتململ بين صفوف المتجمهرين الذين كان سقف توقعاتهم عالٍ جداً، خاصة بعد أن تم الإعتراف بتوقيع الرسالة من على منبر صلاة الجمعة في خطبة سماحة الشيخ الجمري نفسه أمام أكثر من 15 ألف مصلي غص بهم جامع الصادق في الدراز، رغم أن سماحته أوضح بأن الاعتذار كان مشروطاً بإنه (نعتذر إذا ما كنا قد أخطئنا) وفي الحقيقة أننا لم نخطئ وبالتالي لم نعتذر، لكن الناس كان لهم رأي آخر.
لقد ترك الإعتراف برسالة الاعتذار (كان رأيي أن لا يتم الإعتراف بتوقيع الرسالة بل يتم الاكتفاء بالبراءة منها بدون تعليق وفق صياغة – *نحن بريئون من رسالة الاعتذار براءة الذئب من دم إبن يعقوب* ، ويترك للناس إختيار التفسير الذي يناسبهم (انكار توقيع الرسالة، الرسالة وقعت تحت الإجبار والاكراه، الرسالة مزورة ) لكن هذا الرأي لم يؤخذ به رغم أنه وصل لسماحة الشيخ عن طريق أحد أقاربه قبل خطبة الجمعة التي تم فيها الإعتراف برسالة الإعتذار)، لقد إختار سماحة الشيخ الجمري مصارحة الجمهور بالحقيقة التي تمت غائبة فترة من الوقت، وربما قام من خلال تلك الخطوة بسحب ورقة الضغط والتهديد التي كان واقعاً تحت تأثيرها.
في تصوري أن تنفيس الإعتصام الجماهيري وإنهاء الإضراب عن الطعام وإعتصام لجنة المبادرة بعد الإعتراف بتوقيع رسالة الإعتذار، قد ساهم في تحاشي الصدام الحتمي الذي كان النتيجة الطبيعية لتصاعد الاعتصام، ففي كل التحركات الجماهيرية التي تحدث في العالم، يتصاعد الإعتصام الجماهيري إلى إضراب عام ومن ثم يتحول إلى عصيان مدني، وربما تنزلق البلاد بعد ذلك إلى مواجهات واسعة وعنيفة، أو حرب أهليه لا يعلم أحد نتائحها وحجم خسائرها، لكن الله قدر و لطف وحمى البحرين من الإنحدار إلى تلك المرحلة الدامية.
ويمكنني القول بأن ما كان متوقعاً حدوثه في نهاية العام 1995، قد تأخر بسبب حكمة إلهية جرت على لسان سماحة الشيخ الجمري رحمه الله، وأن تلك المواجهات العنيفة التي كانت تبدو حتمية لو لا وجود شخصية معتدلة وعاقلة ومتزنة كالشيخ الجمري، لكن الاحداث قد أعيد إنتاجها في فبراير 2011 نتيجة تصدي شخصيات سياسية أقل خبرة وحكمة وحنكة من سماحة الشيخ الجمري رحمه الله، ويمكنني القول بكثير من الحزم والجزم أن وجود سماحة الشيخ الجمري كان صمام أمان حمى البلاد من الانزلاق إلى حرب أهلية وخسائر فادحة في حقبة التسعينات، وأنه لو كان موجوداً وعلى رأس الحراك السياسي عام 2011 لما وصلت الأمور إلى حد الصدام العنيف الدامي الذي شطر البلاد لمعسكرين وأدخلها في أزمة سياسية لم تنته بعد، فهل تبرز شخصية سياسية بديلة تستطيع القيام بالدور التاريخي الإيجابي الذي قام به سماحة الشيخ الجمري وساهم في حفظ البلاد والعباد من داومة العنف، ننتظر لنرى وللحديث صلة.



