
الشيخ الجمري… لا يزال حاضراً – 3
بقلم: محمد حسن العرادي- البحرين
“يجوز للجمري ما لا يجوز لغيره ” عبارة كنت أرددها أثناء حواراتنا في مجلس المرحوم الأخ العزيز عبد الرسول المقابي في بني جمرة أواسط العام 1995، لكنني دفعت ثمنها غالياً لها، بسبب قيام أحد المؤدلجين بنقلها إلى بعض الشخصيات الدينية التي كانت تشتغل بالسياسة وتقيم آنذاك خارج مملكة البحرين، فقد تبرع هذا المؤدلج الانتهازي بتقديم تفسير مريض لهذه الجملة، ادعى فيه كذباً بأنني أستنكر على تلك الشخصيات الاشتغال بالسياسة وأعترض على حقهم في الاختلاف مع ما ينادي به ويطرحه سماحة الشيخ الجمري رحمه الله من مقاربات لفتح أفاق الحوار والتواصل وتدوير الزوايا، مضيفاً لكلامه الكثير من البهارات التي تسخن المشهد وتزيد من سوء التفسير والدخول في النوايا ما أوغر ضدي بعض الصدور بدون مبرر.
لقد كان الراحل الشيخ عبد الأمير الجمري رجل سلم وتسامح لا يحمل الضغينة، ولا يكن العداء والبغضاء حتى لمن يختلفون معه، أو يسيئون إلى سمعته ويشوهون مواقفه، وفي السنوات التي تَفَرَدَ فيها بالزعامة الشعبية خلال الفترة (1992 – 2002)، كان الجمري رحمه الله أرفع شخصية مجتمعية حملت المسؤلية الكاملة مدافعاً عن الناس ومطالبِاً بحقوقهم، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحته وصحته وسلامة وأمن أبناءه وأهل بيته، وعندما انطلقت لجنة العريضة الشعبية المطالبة بعودة الحياة البرلمانية إثر إندلاع أزمة الخليج الثانية بعد الغزو العراقي الغاشم لدولة الكويت الحبيبة في 2 أغسطس 1990، وما تبعها من حرب تحرير الكويت، كان الشيخ الجمري الصوت الأبرز بين من تصدوا لقيادة الشارع .
لقد شكلت شخصية الراحل سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري رحمه الله فارقاً ايجابياً كبيراً، منح الحراك الشعبي والسياسي في التسعينات زخماً كان يحتاجه لإضفاء المصداقية والسلمية عليه، وقد أعطى وجود سماحة الشيخ المجاهد في قيادة الحراك شرعية دينية لافتة خاصة وسط الشارع الشيعي، وكان من أكثر الشخصيات المتصدية تقديماً للتضحيات وأكثر من نالته الخسائر الشخصية والعائلية بين قادة الحراك الشعبي، نتيجة المكانة المرموقة التي كانت تمثلها مواقفه الحاسمة المؤيدة والمناصرة للمطالب الشعبية، وكان شعار المرحلة ” البرلمان هو الحل ” لكن وقودها الشعبي الذي أعطى الحراك الكثير من الحماس، كان شعاراً آخر إنتشر كالنار في الهشيم ” الجمري لا يساوم من أجلنا يقاوم” فهم يعرفون الجمري من خلال تاريخه الجهادي.
1- حصل سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري على 817 صوتاً في الدائرة 15 من إنتخابات المجلس الوطني 1973، وترشح معه في نفس الدائرة سماحة الشيخ عيسى قاسم الذي حصد 1079صوتاً محققاً أعلى نتيجة، فيما حل الشيخ الشهيد عبدالله محمد المدني في المرتبة الثالثة وحصل على 771 صوتاً في الدائرة 14، وبذلك أصبح الشيخ الجمري عضواً في البرلمان الذي لم يستمر سوى عامين وثمانية أشهر تقريباً (1973 – 1975)، وقد كرست المواقف المميزة لسماحة الشيخ الجمري في تحرك الكتلة الإسلامية في البرلمان وخاصة معارضتهم لقانون أمن الدولة سيء الصيت، مكانة عالية لسماحة الشيخ ومن وقف إلى جانبه.
2- كان سماحة الشيخ الجمري قاضياً في المحكمة الجعفرية أكثر من عشر سنوات في الفترة (1977 – 1988)، وقد اكسبته تلك الفترة حضوراً كبيراً وعلاقات لافتة مع كثير من أهالي القرى الذين كان يتبادلهم الزيارة والمحبة الأمر الذي أكسبه الكثير من الشعبية والاحترام والتقدير في أوساطهم.
3- تم اعتقال الأستاذ محمد جميل الجمري، الإبن الأكبر للشيخ الجمري وحُكم عليه بالسجن 10 سنوات ( 1988- 1998)، وفُسرت تلك الخطوة على إنها رسالة أمنية موجهة إلى الشيخ الجمري، في حين تعرضت زوجته (أم عمار ) للإعتقال لمدة شهرين عام 1996 ضمن نهج التضييق.
4- تم إعتقال الأستاذ عبدالجليل خليل (1988- 1995) لذات الأسباب التي أعتقل وسجن من أجلها إبن الجمري الأكبر، في حين تعرضت زوجته الأستاذة عفاف الجمري للإعتقال لمدة شهر كامل عام 1995.
5- أضطر إبنه الدكتور منصور الجمري للإقامة في المنفى أكثر من 14 سنة منذ العام 1987، مدافعا شرساً عن حقوق المواطنين في البحرين، وخلال فترة إقامته بالخارج عمل مديراً هندسياً في شركة BOC البريطانية في الفترة 1990 – 1999، وقد تولى مسئوليات حقوقية وإعلامية كبيرة، ساهمت في تجذير الحراك السياسي المعارض في الخارج، وكان الجمري الإبن يتمتع بشعبيه واضحة وتأثير مباشر في إدارة الأحداث وتوجيهها نظراً لما بسبب الكاريزما القيادية والحضور الإعلامي المميز له، وباعتباره الإبن الأبرز لسماحة الشيخ الجمري من خلال بياناته السياسية ومقالاته الإعلامية ومشاركته في الأنشطة الحقوقية دفاعاً عن النشطاء السياسيين في البحرين وناطقاً رسمياً باسم حركة أحرار البحرين المعارضة، قبل أن يعود إلى البحرين مع بداية عهد الانفتاح ويصبح رئيساً لتحرير صحيفة الوسط التي حصل على ترخيصها وإمتيازها الشيخ عبد الأمير الجمري نفسه في أحد لقاءاته مع جلالة الملك المعظم، وكانت الوسط أحد أهم الصحف التي صاغت الوعي الثقافي والسياسي للبلاد في بداية عهد الاصلاح، وقد تعرضت الصحيفة للإغلاق بسبب مواقفها ودورها المميز مرات عديدة كان أخرها في 4 يونيو 2017.
6- في أوائل العام 1995 تعرض إبنه الدكتور لؤي عبدالأمير الجمري للإستدعاء الأمني ضمن موجة الإستدعاءات الأمنية التي رافقت الحراك السياسي، فسارع مع آخرين للسفر خارج البحرين، حتى استقر بعيداً عن أهله للدراسة في لندن، ولأنه كان يحمل شهادة البكالويوس في الكيمياء من جامعة البحرين، فقد التحق بالدراسات العليا هناك حتى حصل على شهادة الماجستير وإجازة الدكتوراه في ذات التخصص.
7- أصبح سماحة الشيخ الجمري محاصراً وبعيداً عن عدد من أبناءه وزوج إبنته، فيما تعرضت عائلته ومن تبقى من أبناءه في البحرين (صادق ، محمد حسين، علي، ومهدي) للكثير من المضايقات وخاصة فترات الإعتقال والإقامة الجبرية المتكررة التي تعرض لها سماحة الشيخ، وقد قام إبنه صادق بدور الوسيط الرئيسي بينه وبين القيادات الوطنية والشعبية، وكان عنواناً للتواصل مع كثيرٍ من الشخصيات المعارضة وحتى الرسمية والأهلية التي كانت تسعى لتليين مواقفه المتصلبة في الدفاع عن المطالب السياسية، وقد تعرض صادق الجمري للكثير من الانتقادات والاتهامات والإساءات من قبل أشخاص سعوا للقفز على مكانة والده وإحتكارها والسطو عليها.
كل هذه التضحيات والجهاد الذي قدمه سماحة الشيخ عبد الأمير منصور الجمري رحمه الله، جعل منه أيقونة الحراك الشعبي وزعيماً شعبياً بلا منازع، رغم المحاولات التي بذلها البعض للإيحاء بأنهم هم من يرسمون الخطط والبرامج والمواقف التي يتحرك في أفقها، لكن الجماهير كانت تعرف قائدها وزعيمها المطالب بعودة الحريات وإرجاع الحقوق وعلى رأسها عودة البرلمان، ولم تلتفت للكثير من التصريحات الرنانة التي أُطلقت من قبل شخصيات الصف الثاني والصف الثالث وغير ذات التأثير، فهل يستكثر عليه أحد مقولة يجوز للشيخ الجمري .. مالا يجوز لغيره؟ ، وللحديث صلة.



