
الشيخ الجمري… لا يزال حاضرا – 6
محمد حسن العرادي- البحرين
حين حكمت المحكمة على سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري رحمه الله بالسجن عشر سنوات وغرامة مالية كبيرة جداً قدرها 15 مليون دولار أميركي (حوالى 5.7 ملايين دينار بحريني)، بالإضافة إلى تثبيت التهم المتعلقة بإثارة الفتنة وإدارة منظمة لقلب نظام الحكم والتخابر مع جهات أجنبية، قد ترك ذلك الكثير من التشاؤم واليأس وزرع حالة من القنوط بين الناس خاصة وأن ذلك الحكم قد صدر في العام الأول من تولي جلالة الملك المعظم مقاليد الحكم بعد وفاة المغفور له باذن الله سمو الأمير الراحل عيسى بن سلمان آل خليفة رحمه الله في 6 من مارس 1999.
ومن أجل التوثيق نشير إلى أن سماحة الشيخ الجمري رحمه الله قُدم للمحاكمة في21 فبراير 1999 أمام محكمة أمن الدولة بالتهم التي أشرنا اليها أعلاه، ثم صدر الحكم عليه في7 يوليو 1999 بالسجن عشر سنوات وغرامة مالية ضخمة ضده، لكن اليوم التالي وبالتحديد في 8 يوليو 1999، فوجئ شعب البحرين بصورة الشيخ الجمري على شاشة التلفزيون الرسمي وهو يسلم على جلالة الملك المعظم والقيادة السياسية، ثم صدر الأمر بالإفراج عنه بموجب عفو أميري، لكنه سماحته وُضع تحت الإقامة الجبرية، ما فتح الباب للكثير من التفسيرات المتناقضة والمريضة، وقدم فرصة لأصحاب الأجندات لكيل الكثير من الإتهامات والإساءات لسماحة الشيخ رحمه الله.
وباعتقادي أن الأذى الذي تعرض له سماحة الشيخ المجاهد بسبب فرض الإقامة الجبرية عليه يزيد عن الألم الذي تعرض له داخل السجن، وهو أقل بكثير من الإساءة التي تعرض لها من قبل بعض المتربصين خارج السجن ، حيث تعرض للكثير من الطعنات وتشويه السمعة، التي انطلقت من تفسيرات مغرضة لمشهد ظهوره في التلفزيون مع القيادة السياسية، ومن دون أن يكلف المنتقدون أنفسهم عناء التواصل معه ومحاولة فهم حقيقة ما جرى في ذلك اليوم الفاصل في حياة البحرين.
والحقيقة هي أن الفترة الأخيرة من حكم الأمير الراحل رحمه الله شهدت إتصالات عديدة وما يشبه المفاوضات للإفراج عن سماحة الشيخ الجمري شريطة اعتزاله الشأن السياسي وانزواءه بعيداً عن الشارع، لكن الأمور تجمدت مع مجيء جلالة الملك حمد للحكم، واستمرت حالة المراوحة أكثر من خمسة أشهر، حتى تحركت من جديد في شهر يوليو 1999، ويبدو أن الأجهزة الأمنية قد توصلت إلى قناعة تامة بأن الأوضاع السياسية قد هدأت وتبلورت لتشكل فرصة مناسبة لاغلاق ملف أحداث التسعينات، عندها صدر القرار بوضع حل نهائي لقضية الشيخ الجمري الذي كان لايزال يشكل عبئاً سياسياً يجب معالجته بسرعة.
بعد صدور الحكم القاسي بسجن الشيخ 10 سنوات وغرامة 5.7 دينار، دخلت الأمور في مسار تشاؤمي أسود ومظلم، لكن اتصالاً مفاجئاً تم مع إبن الشيخ الأخ صادق الجمري من قبل الأجهزة الأمنية، وطلب منه توفير ملابس مناسبة لسماحة الشيخ المجاهد، فاستبشرت عائلة الجمري وسارعت أم جميل حفظها الله (تلك المرأة المؤمنة والصابرة، التي كانت صمام أمان وسندٍ حقيقيٍ لسماحة الشيخ طيلة حياته ومسارات جهاده الذي لم يهدأ يوماً) سارعت إلى توفير ثياب نظيفة مع العباءة والعمامة والصاية الخاصتين بسماحته، وكان الأمل أن يعود بها إلى منزله معززاً مكرماً، لكن المفاجئة تمثلت في أخذ الشيخ لمقابلة جلالة الملك المعظم وأقطاب الأسرة الحاكمة وبعض رموز الحكومة.
على إثر تلك الزيارة غير الاختيارية للقصر، تم الافراج عن سماحة الشيخ الجمري، وأعيد إلى منزله ليدخل في دوامة الإقامة الجبرية، وتنقطع عنه الأخبار ويخفت عنه الوهج السياسي، خاصة من أصحاب الأجندات المغرضة، وكأنهم كانوا هناك في لحظات الانتصار، لكن عندما تخيلوا أن لحظات الانكسار قد بدأت، إنفضوا من حوله وتركوه وحيداً فريداً، أللهم إلا من أهل بيته وبعضاً من أفراد عائلته وجيرانه ومحبيه الذين كانوا مصرين على زيارته والتواصل مع محيطه الأسري وكانت الأمواج البشرية تحوم حول بيته رغم الحصار.
في تلك اللحظة التي أسيء تفسيرها من قِبل المؤزمين المعنيين، بدأت بعض الألسن المريضة والمسكونة بالحسابات والأجندات الخاصة تُوجه سيلاً من الاتهامات لسماحة الشيخ، وانفض عنه المنتفعين والمتملقين الذين كانوا يهيئون أنفسهم ويمنونها بالمكاسب والظهور، واللافت أن هؤلاء الأشخاص السياسيين والحركيين لم يسعوا إلى كسر طوق الحصار والإقامة الجبرية، ولم يحاولوا زيارته أو السؤال عنه، لقد تُرك الجمري في أسوأ فترات حصاره فضلاً عن التلميحات والتصريحات التي كانت بمثابة طعنات غدرٍ في الظهر، ترميه بأقذع التهم وأكثرها لؤماً بواسطة بعض الشخصيات المريضة التي كانت متصدرة للحراك السياسي فترة التسعينات، فكانت بذلك ضربات موجعة ومسمومة، لكن كما يقولون إن الضربة التي لا تقصم ظهرك تقويه، وهو ما حدث لاحقا، حين استعاد الجمري مكانته ودوره القيادي وساهم في رأب الصدع وفتح باب التسوية السياسية، وللحديث صلة.



