
قد حان وقت المراجعة -21
بقلم محمد حسن العرادي - البحرين
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
من المفارقات العجيبة والغريبة أن يكون العمل السياسي في البحرين محصوراً بين إرادة رسمية تفرض العزل السياسي وإرادة شعبية تمارس الانكفاء السياسي، وبين هؤلاء وأولئك تضيع التجربة الديمقراطية ويتراجع المشروع الإصلاحي الذي دشنه جلالة الملك المعظم منذ مجيئه للحكم عام 1999، وتستمر لعبة شد الحبل منذ أزمة فبراير 2011 دون انقطاع حتى دخلت عامها الخامس عشر من دون أفق واضح للحل، ورغم أن هذه النتيجة البائسة لم يخسر فيها سوى الوطن، الا أن حالة من اللاغالب واللامغلوب لا تزال تفرض نفسها على الجميع، في انتظار أن تتغير الظروف الاقليمية والدولية فترجح كفة هذا أو ذاك من الأطرف، إنها لعبة خاسرة بكل المقاييس وقد حان الوقت لايقافها فوراً.
لقد أصبحنا نصحو وننام على إيقاع هذه النتيجة المزعجة جدًا، فالمعارضة تقول إن التجربة الديمقراطية عرجاء وكسيحة وغير قادرة على النهوض بسبب سياسة العزل السياسي، التي أقصت الكثير من الكوادر والكفاءات الوطنية، وابعدتها عن قبة البرلمان والمجالس البلدية، وأن استمرار هذه السياسة دليل على الاستفراد بالسلطة، وأن الحكومة لا ترغب في الشراكة ولا تتيح الفرصة لتقوية مجلس النواب والمجالس البلدية، بل تعمل على افراغها من مضمونها من خلال التعديلات الدستورية والقوانين المضيقة للحريات.
وفي المقابل، فإن الحكومة تشيع بأنها أفشلت خطط المعارضة لإيقاف وإجهاض التجربة الديمقراطية، ومنعتها من تعطيل الحياة السياسية عندما انسحبت من مجلس النواب على خلفية أحداث 2011، ثم قاطعت الانتخابات النيابية والبلدية منذ العام 2014 وحتى الآن، مشيرة إلى أن انسحاب المعارضة من مجلس 2010 قد ساهم في تعميق الشرخ السياسي وفاقم من أزمة الثقة، وأن المعارضة كان بإمكانها أن تكون شريكاً كاملاً في الحل لو استمرت في مجلس النواب ، أو عادت إليه في انتخابات 2014، لكنها اختارت الانكفاء السياسي وأقصت نفسها من المشهد، بل ودعت الى تصفير الصناديق الانتخابية، لكن محاولاتها باءت بالفشل.
بينما التراشق والمناكفة بين الطرفين، أبرز الحاجة إلى فتح قنوات حوار مباشرة أو غير مباشرة، تساهم في ترطيب الأجواء واستعادة الثقة، تمهيداً لتجاوز الأزمة وتداعياتها، ولعل من أهم الخطوات المطلوب اتخاذها لجعل التلاقي على طاولة الحوار ممكنة، هي خطوة تحجيم الخلاف وتفكيك نقاطه لكي تسهل عملية الحل، من خلال الابتعاد عن تضخيم المواقف المتقابلة، ولناخذ قضية العزل السياسي مثالاً، فالمعارضة تتعامل معها باعتبارها قضية اقصاء شاملة تعيق العودة للمشاركة في العملية الديمقراطية، والحال أنه بالامكان التعامل معها باعتبارها نصف عزل وليس عزلاً كاملاً بما يساهم في إيجاد حل يرضي الطرفين ويتفس الاحتقان السياسي.
انني هنا أدعو إلى التعامل مع العزل السياسي كنصف عزل، باعتبار أن المنع ينصب على حجب حق الترشح واتاحة حق الانتخاب، وذلك يفتح نافذة المشاركة في العملية الانتخابية من خلال اختيار مرشحين أكفاء من أنصار المعارضة غير المدرجة أسمائهم في مشروع العزل السياسي، ومن دون شك فان ذلك سيتيح قدراً كبيراً من المرونة لايصال المرشحين المناسبين لمعالجة ملف العزل السياسي من داخل المجلس، والعمل على اعادة جسور الثقة بين الطرفين.
وبالمقابل فإن الحكومة مطالبة بإعادة النظر في طريقة تعاملها مع جداول الناخبين واتاحة الفرصة لعودة الأسماء المحذوفة من تلك السجلات، وتمكين أصحابها من المشاركة في العملية الانتخابية والتصويت لمن يرونه مناسبا لتمثيلهم داخل مجلس النواب والمجالس البلدية، فإذا تقدمت المعارضة خطوة إيجابية وأبدت رغبتها واستعدادها للمشاركة في انتخابات 2026، وقابلتها الحكومة بخطوة إيجابية من جانبها تعيد من خلالها كامل الأسماء المستبعدة لجداول الناخبين، تمهيداً لتعزيز المشاركة في الانتخابات القادمة، فإن نصف القطيعة تكون قد عولجت، وفتحت الأبواب لمعالجة كافة الملفات وفتح أبواب الحوار للخروج من تداعيات الازمة.
إن خطوات إعادة بناء جسور الثقة تحتاج إلى الاعتراف بالمشكلة وتشخيصها وتحجيمها والعمل على تفكيكها وحلها بالتدريج، إذا لم يكن الحل الشامل متاحاً من خلال تجديد المشروع الاصلاحي لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، ولا شك أن حفظ كرامة الطرفين وعدم إحراج الحكومة والحرص على هيبتها، والتعاطي معها بالاحترام والالتزام الذي يعزز من موقعها، ويثبت مكانتها في المجتمع الدولي، سيساهم في اقناع المسؤولين بالاسراع في معالجة كافة الملفات العالقة، فالأصل في التعامل هو أن الجميع خاضع للدستور والقوانين الناظمة للعمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وعلى الجهات الراغبة في تعديل أي من مواد الدستور او المعترضة على القوانين القبول بالاحتكام لآليات العمل الديمقراطي والإصلاح من خلال المشاركة وليس من خلال المقاطعة.
إننا نتطلع الى معالجة الكثير من الملفات السياسية والحقوقية المعطلة وأهمها ملف المهجرين والمغتربين والمعتقلين والبطالة وحقوق المتقاعدين وتوفير الخدمات المجتمعية اللازمة، إضافة إلى الملفات الإقتصادية وعلى رأسها ملف الدين العام، وانخفاض متوسط المرتبات، وارتفاع معدلات الضرائب والأسعار والمحروقات والخدمات الرسمية، ومن دون شك فإن ايجاد حلول مناسبة لهذه الملفات بحاجة إلى توافق مبني على مصالحة وطنية صادقة، وفق قاعدة رابح رابح وليست وفق قاعدة طرف رابح وطرف خسران، والله من وراء القصد، وللحديث تتمة.



