قد حان وقت المراجعة – 11
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
ربما تحتاج المعارضة في البحرين لمن يساعدها في النزول عن الشجرة، فقد بالغت بعض الفصائل في اتخاذ مواقف حادة وردات فعل غير مدروسه انعكست سلباً، ليس على أداء هذه الفصائل فحسب، بل على تواجدها وقدرتها على التأثير، وتحقيق المطالب (المحقة) عالية السقف التي أطلقتها خلال وهم الانتصار ونشوة الغضب التي رافقت ما سمي بالربيع العربي الذي عصف بالأوضاع في البحرين فبراير 2011.
لقد حان الوقت للتراجع عن بعض القرارات والمواقف التي ثبت خطأها، أو قادت إلى الكثير من الخسائر المجتمعية حتى لو إعتقد البعض بصحتها ودافع عنها طيلة عقد ونصف، واذا كان من الحكمة أن تلتقي بخصومك أو من تختلف معهم في منتصف الطريق، فإن أفضل وقت لاتخاذ مثل هذه الخطوات هو الآن، بعد أن هدأت الخواطر، وبدأت تداعيات ذلك المشهد المشدود في التفكك، إن من خلال إقدام الحكومة على حل مشكلة السجناء والمعتقلين عبر الإفراجات المتعاقبة واصدار العفو الملكي السامي، أو من خلال برامج العقوبات البديلة والسجون المفتوحة التي نفست الملف الأمني بشكل ملحوظ، إضافة إلى العديد من الخطوات التي إتخذتها الحكومة لخلق حالة من التوازن بين مكونات المجتمع البحريني وخاصة في توزيع الحقائب الوزارية وعدد من المواقع الرسمية المهمة.
وهنا لابد من الإستدراك، والقول بأن التفكير في كسر إرادة الدولة أو إسقاطها يجب أن يخرج من التداول والتفكير وحتى من لائحة الأمنيات والأحلام أيضاً، فلقد رأينا ما حدث في الدول المجاورة التي أُسقطت فيها الحكومات والأنظمة وكيف تحولت إلى ساحات من القتل على الهوية والصراعات الدموية التي دمرت كل شيء في تلك البلدان، وأعادتها إلى الوراء عقوداً إن لم يكن قروناً من الزمن، حتى تحولت إلى ما يشبه حكم شريعة الغاب يأكل فيها القوي الضعيف، أو يشطبه من السجلات المدنية ويحرم عليه التمتع بأي حقوق وطنية.
وفي هذا المجال، على الجميع أن يطبق القاعدة الذهبية ” رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” – أحد أقوال الإمام الشافعي رحمه الله، وانطلاقاً من هذه القاعدة والفهم، بات من الضروري إطلاق جولات جديدة ومستمرة من المراجعة والحوار الداخلي بين العناصر النشطة والمسئولة لدى كل الأطراف، فما كان مقبولاً أو جائزاً أو محتملاً قبل عقد ونصف، لم يعد كذلك مع تغير الأوضاع العالمية والإقليمية، وبكل تأكيد فإننا بحاجة للبحث عن حلول ومخارج محلية الصنع، لأن الخارج مشغولٌ بقضايا أكثر أهمية بالنسبة إليه حول العالم.
وهنا لابد من توجيه النداء إلى الأخوة أعضاء مجلس النواب والاخوة أعضاء مجلس الشورى، وحثهم على القيام بتحرك عاجل للتوفيق بين المعارضة والحكومة، خاصة وأن الكثير منهم قد لاذ بالصمت طويلاً وكأن الأمر لا يعنيه أبداً، والحديث هنا موجه إلى هذه الفئة حديثها وقديمها وليس محصوراً على الأعضاء الحاليين فقط، خاصة وأن كثيرا من أبناء المجتمع البحريني باتوا على قناعة تامة بأن أغلب السيدات والسادة أعضاء المجلسين لم يقدموا أو يقوموا بما هو مطلوب منهم، ولم يرتقوا إلى مستوى التمثيل الحقيقي لطموحاتهم، فضلاً عن الكوارث التي تسببوا فيها من خلال الإهمال واللامبالاة التي أدت إلى فرض انواع مختلفة من الضرائب ومصادرة العديد من الحقوق المشروعة التي كانت لديهم، وعلى رأس ذلك الزيادة السنوية للمتقاعدين وحرية العمل السياسي والأهلي التي تراجعت كثيراً.
إن الأخطاء وتصحيح القرارات المرتجلة التي تم تمريرها من خلال غرفتي المجلس الوطني، ساهمت إلى حدٍ بعيدٍ في تعقيد المشهد، وصعبت من عودة المياه إلى مجاريها بين الحكومة والمعارضة، وقد يعتقد البعض بأن ذلك قد أتاح له فرصة التقدم لشغل مقاعد المعارضة والفوز بمكاسب مادية آنية، لكن هذا الاعتقاد المدمر والتفكير الانتهازي المريض ستكون له عواقب وخيمة على البلاد، وسيتحمل وزر ذلك من ساهموا في إتخاذ القرارات التي أفرزت هذا الوضع.
إن العمل النيابي والشوري ليس بريستيجاً أو أوسمة ومسميات وألقاب يحملها أولئك الذين تقلدوا هذه المناصب، بل هي مسئولية أخلاقية ومجتمعية إختاروا وإرتضوا أن يتقلدوها سواء كانوا أهلٌ لذلك أم أقل من أن يتحملونها، ولن يعذر التاريخ كل من إعتبر شغل هذه المواقع المهمة والمؤثرة باباً للإرتزاق والإثراء على حساب الناس وتطلعاتهم، ولا شك أن ستة فصول تشريعية منذ عودة التجربة البرلمانية في العام 2002 وحتى الآن، كافية لتخلق إرثاً برلمانياً وتقاليد نيابية يمكن مراجعتها ودراستها لتقويم التجربة، والله من وراء القصد، وللحديث صلة.



