
قد حان وقت المراجعة – 16
بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين
من الواضح جداً أن الأجواء السياسية في البحرين لا تزال محتقنة ومتوترة جداً، ولا يزال التخندق الحزبي الضيق الأفق يضرب بأطنابه بين الناس، وينتشر كالفطر المسموم الذي يهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور كل من يتجرأ على الكتابة أو البوح أو الخروج من الصندوق المُسيَج بكثيرٍ من التهديد والوعيد وقلب الحقائق والتدليس، بل وحرف المقاصد الطيبة وشيطنة من ينادي بالمُراجعة والتغيير وتجاوز سلبيات الماضي.
ورغم سعادتي البالغة حول ما أثارته سلسلة مقالاتي بعنوان “قد حان وقت المراجعة” وخاصة المقال السابق الذي حمل الرقم 15 من هذه السلسلة، من تفاعلات ونقاشات وحوارات مجتمعية، كان بعضها واعياً ومنتبهاً لأهمية النهوض وتعزيز المشاركة في الحياة السياسية قبل فوات الأوان، حتى مع وجود العزل السياسي المرفوض قطعاً، إلا أن البعض الآخر يصر بإمعان على تفريغ هذا الخطاب المتوازن من مضمونه بل ويسعى لشيطنته، ثم يعمل على تحويله دفاعاً عن مصالح وطموحات شخصية وتوهمات غير موجودة سوى في وعيه الملتبس.
بعض الردود كانت سيئة وهابطة إلى حد الغثيان وهي تعمل جاهدة على الهروب من الاستحقاقات التي أطالب بها، وعنوانها جيل جديد من القيادات السياسية والمجتمعية تمثل ذات التيارات السياسية (الجمعيات المنحلة) التي تم حجب قياداتها وحرمانها من المشاركة لسبب أو لآخر، ساعية إلى تصوير الأمر وكأنني أبحث عن زعامة هنا أو هناك، وهذا تدليس فاقع وكذب فاضح.
لقد أمعن البعض في الانحدار واستخدام الكلمات والعبارات الجارحة، في محالة لثنيي عن الدعوة لتجديد المواقف والخطاب السياسي، من خلال البحث عن عناصر جديدة قادرة على اجتراع المصالحة والتسويات مع الحكومة بعد مضي أكثر من خمسة عشرة عاماً من أزمة فبراير 2011 المؤلمة، وفي حين فند البعض دعوتي بالقول أن الساحة مفتوحة لمن يريد أن يتقدم لقيادتها، وهو يعلم بأن هذا الكلام غير دقيق (كم من الأذى والتسقيط واجهه الذين تقدموا للترشح خلال السنوات الماضية)، وأنني شخصياً لست من اللاهثين وراء المناصب والمكاسب ولم أشغل نفسي بها أبداً.
على المقلب الآخر تمادى البعض وانحدر أخلاقياً إلى مستوى الشخصنة وتوجيه الإتهامات بالانتهازية والوصولية (ربما تعبيراً عن أزمته الداخلية بسبب خسارة منصب أو زعامة لم يفز بها، وهنا يقفز سؤال لماذا لم يتم منع هذا البعض في موجة العزل السياسي… ربما بسبب التواري وقت الأزمات كما فعل بعضهم واختبئ 2011)، لمجرد ممارستي حقي الطبيعي في النقد وحرية التعبير، التي يتغنون ويدبجون أدبياتهم بها لتتهاوى عند أول إختبار، ليسمح لنفسه بتوزيع شهادات الوطنية وتفصيلها وفق المقاسات القصيرة النظر، والتي تفتقر إلى رؤية موضوعية وتقوم بشكل سافر على تصفية حسابات وهمية.
لكنني بكل جرأة أعيد توجيه وتصويب البوصلة إلى أن الأمر لا يتعلق بطموح شخصي (وهو حق للجميع إن وجد) ، لأن دعوات المراجعة والتنحي وإتاحة الفرصة لجيل جديد من القيادات والكوادر، التي أوجهها تنطبق على شخصي في المقام الأول أيضاً، فأنا من هذه الفئة المشمولة بالعزل السياسي والحرمان من الترشح في الانتخابات العامة والأهلية ايضاً، ورغم ذلك لا زلت أطالب الكوادر الجديدة بالمشاركة، حيث أنني مؤمن بأن الدنيا لن تتوقف على وجودي أو وجود غيري من النشطاء، أو تقلدنا أو ترشحنا لأي من تلك المواقع والمناصب القيادية وحتى الادارية، فالمجتمع البحريني مليء بالكوادر الشابة التي لم تصطدم مع السلطة السياسية، وهي قادرة على ملئ الفراغ الذي خلفه قرار العزل السياسي الذي طالما طالبنا الحكومة بالتراجع الفوري عنه.
من جهة أخرى يجب الاعتراف بأن السلطة السياسية في البحرين قد تمكنت من تجديد نفسها وكوادرها في الكثير من الوزارات والمؤسسات الرسمية، ونجحت في استقطاب الكوادر الشابة من جميع المكونات، كما أنها امتلكت الجرأة على القيام بالمراجعة واعترفت بالكثير من أخطائها واخفاقاتها، وخاصة عندما شكل جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه “لجنة بسيوني” التي قدمت تقريراً شفافاً وثَقَ العديد من المخالفات والانتهاكات التي رافقت العملية السياسية، وسلمها لجلالة الملك على الأشهاد، فوجه بأريحية لاعتمادها ومعالجتها.
وبغض النظر عن نجاح الحكومة أو اخفاقها في تنفيذ توجيهات وتوصيات “لجنة بسيوني” فإن تلك التوصيات قد أصبحت وثيقة حقوقية وسياسية يمكن الرجوع اليها لتقييم مستوى التغيير والاصلاح المطلوب ومدى تقدمه، وصارت الكرة الآن في ملعب المعارضة السياسية بكافة أشكالها الأيدلوجية، التي بات عليها القيام بمراجعة شاملة تُقر فيها بوجود إخفاقات وأخطاء مُعطلة، وتعمل على تصحيحها مهما كبر أو صغر حجم هذه الأخطاء.
من جهة أخرى فإن من يُطالب الطرف الرسمي وهو الطرف الأقوى بالتنازل وتقديم المبادرات وإثبات حسن النوايا، عليه أيضا أن يُطالب المعارضة السياسية وهي الطرف الأقل قوة بالتنازل وتقديم المبادرات وإثبات حسن النوايا، وأول تلك الخطوات العودة لشروط اللعبة السياسية وهي المشاركة في الانتخابات العامة بعناصر جديدة، والله من وراء القصد، وللحديث صلة.



