
قد حان وقت المراجعة – 17
بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين
متى تنتهي لغة التحدي ونعود إلى لغة التعاون والبحث عن المشتركات بين الحكومة ومختلف مكونات المجتمع المدني، متى نعرف أن خيار العيش المشترك وتعزيز المواطنة والانتماء والولاء للوطن وقيادته هو صمام الأمان الذي يحتاجه الوطن، ليعبر من خلاله الكثير من الأزمات والاحتقانات المرتبطة بملفات إقليمية ودولية قبل ارتباطها بالوضع الداخلي.
متى تعود الثقة بين الحكومة ومختلف مكونات المجتمع البحريني لسابق عهدها، وتختفي الحاجة للمتابعات والتحقيقات الأمنية والبحث والتحري عن الجميع، وخاصة المواطنين المتقدمين للوظائف المختلفة، أو للمشاركة في انتخابات الجمعيات الأهلية ومختلف مؤسسات المجتمع المدني، متى يصبح التقدم للمشاركة في الانتخابات العامة و الاستحقاقات النيابية والبلدية شرف يتسابق نحوه كافة المواطنين الذين بلغوا السن القانونية وتنطبق عليهم شروط المواطنة، متى تتظافر جهود جميع مكونات المجتمع وتتجانس معاً، في مواطنة متساوية تلتف حول القيادة الحكيمة لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وحكومته الرشيدة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد الامين رئيس الوزراء الموقر حفظه الله ورعاه من دون شعور بتفوق أو انتقاص.
أكثر من نصف قرن مرت منذ أن استقلت البلاد وبدأت في الاحتفال بالعيد الوطني الأول في 16 ديسمبر 1971، فهل يعقل بأننا لانزال نبحث عن الإستقرار والهدوء والسكينة، بعد أكثر من نصف قرن من الإستقلال، هل من المناسب أن يشعر أبناءنا بالغربة في وطنهم، وأن يتطلعوا لخدمة بلادهم في التخصصات التي أفنوا أعمارهم وهم يدرسون بها ويتقنونها، فيجدون العمالة الوافدة قد سبقتهم بالسيطرة عليها، واحتكرت أفضلها وأحسنها رواتب.
أليس من المعيب أن يبحث أهل هذه البلاد، وخاصة من فئة الشباب عن وظائف تلائمهم وتسد حاجتهم خارج وطنهم، بينما تذهب وظائف البلاد الجيدة إلى الأجانب بدون وجه حق، متى تكون الأولوية لأبناء البلاد في كل المجالات، متى يصبح المعروض من الوظائف للمواطنين أكثر من أعداد الباحثين عن العمل حتى تنتهي هذه المعضلة المصطنعة، متى يتوقف المواطنون عن الحاجة إلى التسجيل في برامج بدل التعطل المذل والمهين والقاتل لأحلامهم، تلك الأحلام التي أصبحت تخبوا وتذوي نتيحة انقضاء سنوات طويلة ومتعبة في انتظار الوظيفة المناسبة.
نسمع عن مشاريع جديدة لزيادة الضرائب وخصخصة الوزارات والمؤسسات الخدمية، لكننا لا نسمع عن خطط حقيقية لإنهاء البطالة، خطط يشترك في وضعها إلى جانب الحكومة القطاع الخاص المعني بدرجة كبيرة بالعمالة الوطنية كرافعة للإنتاج والتنمية وحفظ الرأسمال الوطني من التسرب خدمة لدول وبلاد اخرى، إن معالجات البطالة لا تتمتع بخطط واضحة المعالم وإنما عموميات معظمها تُفّرغ من مضمونها عبر الطرق الملتوية.
متى يُرفع الحد الأدنى للأجور، ونفرح لتخصيص المهن والوظائف المتميزة لأبناء البلاد، وبينما يكثر الحديث عن التنافسية والسوق المفتوح، إن سنوات العمر لأبنائنا تذهب وهم ينتظرون على قارعة الطريق، وظيفة هنا، أو ترقية هناك، يطاردون اوهام لا تتحقق، متى سيتمكنون من بناء حياتهم المستقبلية، وتكوين عائلة مستقرة، تشعر بالأمان ولا تقلق على لقمة العيش والسكن والتعليم والصحة، بل تعيش الأمل لحياة أجمل في وطنٍ هو الأفضل والأجمل دائما وأبداً.
وبالعودة إلى الاحتفال بالعيد الوطني، أعتقد أن الوقت قد حان للتخلي عن بعض المماحكات غير المجدية التي تجعلنا نضيع الكثير من الوقت والجهود في معارك ليس لنا فيها ناقة ولاجمل، مثل ذلك الإصرار الغريب على أن يوم استقلال البحرين هو 14 أغسطس، باعتباره اليوم الذي قررت فيها بريطانيا إنهاء احتلالها لكل من البحرين والإمارات وقطر، فيما سمي بالانسحاب من شرقي قناة السويس بعد تفكك الامبراطورية البريطانية ومغادرتها لصالح الامبراطورية الأميركية.
وبناء على ذلك القرار حصلت هذه الدول استقلالها، وحددت لها أياماً وطنية للاحتفال، ونلتحظ بأن كافة دول الخليج العربية اختارت لها أياما متقاربة، الإمارات إختارت 2 ديسمبر ، البحرين اختارت 16 ديسمبر، قطر اختارت 18 ديسمبر، وكل دولة قدمت لاختيارها تبريراً مناسباً، ومضت تحتفل به كنهاية لحقبة مُكبلة وبداية لحقبة البناء والتنمية والسيادة.
ويبدوا أن هذه الدول جميعها احتاجت ما لا يقل عن ثلاثة أشهر لترتيب الأمور ولإنجاز إجراءات الإستقلال والانضمام إلى الجامعة العربية ومنظمة الأمم المتحدة، فلماذا وافق القطريون والإماراتيون على يوم العيد الوطني الذي اختارته حكوماتهم بدون تذمر، وفقط المعارضة في البحرين تُصر على أن يوم الإستقلال هو 14 أغسطس، وكأن بريطانيا سحبت قواتها من البحرين بعد حرب تحرير طويلة قادتها المعارضة”* ، حان الوقت لوقف هذا الوهم الذي يهدر طاقات تُوظف في غير مكانها الصحيح، والتوافق على الإحتفال باليوم الوطني في 16 ديسمبر، كما تقرر منذ العام 1971، والله من وراء القصد، وللحديث صلة.



