قد حان وقت المراجعة – 4

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

لا تُبنى الأوطان التي تمر بالأزمات والكوارث من غير أن تتم عمليات المراجعة لتشخيص الأسباب التي قادت وأدت إلى تلك الأزمات، ومن ثم الإعتراف بها والعمل على معالجتها وتجاوز آثارها وتداعياتها، وبدون أي تردد نقول إن الحراك السياسي والجماهيري الذي شهدته البحرين فيما عرف بأحداث 14 فبراير 2011 قد صاحبتها الكثير من الأخطاء والاخفاقات وردود الأفعال السلبية والمرتجلة.

لقد قاد الانفعال وتمترس كافة الأطراف خلف مواقفها والتشدد في الدفاع عنها وإعتبارها الخيار الأمثل للخروج من حالة الفوضى التي عصفت بالبلاد إلى المزيد من الاحتقان والتوترات، ولم تقبل أو تختار جميع الأطراف اللجوء إلى فتح قنوات التواصل والحوار، ما أدى إلى المزيد من التعصب ولعبة شد الحبل، حتى كادت تنقطع كل الخيوط التي كانت تتشابك فيها المصالح المجتمعية بين الحكومة وكافة مكونات المجتمع، وبين المكونات الاجتماعية ذاتها فيما بعد.

عندما ينقسم الوطن الى سماطين (فريقين – معسكرين) كل منهما يدعي بأنه صاحب الكلمة العليا والمواقف الصائبة والأكثرية، فإن النتيجة تكون إنقساماً وشرخاً مجتمعياً يصعب إن لم يكن يستحيل حله، أو الخروج من دائرة سطوته وسيطرته على عقول وقرارات القادة والمنظرين الذين يغذونه بالافكار والتبريرات والمواقف، وحتى من يشكلون وقوده وضحاياه.

ما حدث أن معسكر الدوار ومعسكر الفاتح كانا أماكن إستقطاب طائفي قاد إلى زعزعة السلم المجتمعي، وكاد أن قود البلاد والعباد إلى قطيعة أبدية، تدمر ما بني من علاقات إجتماعية ومهنية وإقتصادية، وتقضي على عناصر التداخل والتكامل والإنصهار المجتمعي كحسن الجوار والمصاهرة والتزاور الاجتماعي، وقاد ذلك إلى نشوء دعوات المقاطعة الإجتماعية فلا تبادل تجاري ولا تبتدل إبتسامات أو مجاملات بين أبناء مكونات المجتمع.

واذا كنا نقر ونعتقد بأن التمترس والإعتصام في دوار اللؤلؤة كان خطئاً تكتيكياً وإستراتيجياً قاد إلى خلق تصورات واهمة بإمكانية صياغة مستقبل البلاد وفق هوى القائمين على نصب الدوار ونسج فلسفته وصياغة شعاراته، فإن ردة الفعل التي إتخذت لمعالجة هذا الخطئ بإنشاء تجمع الفاتح كانت هي الأخرى تكريساً للإنقسام والإنشطار المجتمعي، ودون شك فإن قيادة المعسكرين تتحملان عبئ هذه الأخطاء التاربخية والاستراتيجية التي كادت أن تودي بالوطن إلى غير رجعة.

كان الأولى التركيز على معالجة الأسباب التي أدت إلى تشكل الدوار والبحث عن مخارج هادئة لتفكيكه كتجمع حاشد عبر الحوار والتسويات ونزع الذرائع والمسببات، لكن البعض اختار بدل ذلك العمل على خلق تجمع مقابل في الفاتح، ما أدى إلى تعزيز الحضور في تجمع الدوار، ثم توالت الخطوات التنافسية التي قادت إلى خروج المسيرات والتظاهرات من محيط الدوار إلى ساحات أوسع، وقادت في الوقت ذاته لنشوء منصات وتجمعات جماهيرية مضادة في المواقع المقابلة.

واليوم حان الوقت للتفكر في تلك القرارات والخطوات الانفعالية غير المدروسة التي صنعت حائط صد متين، وسوراً فاصلاً بين الجانبين كانت جدرانه ترتفع وتعلو وتتصلب كلما خطت قيادة المعسكرين نحو تكريس التفرقة وثقافة التقوقع الطائفي، ثم العمل على إستعراض القوة والقدرة على عزل الطرف الآخر وإبعاده من وعن مواقع التأثير والقرار ، ولاشك بأن العلاج يبدأ بالاعتراف (وهذا يتطلب جدية وحزم وجرأة ) والبدء في إصلاح ما أفسده كل طرف، فهل إلى ذلك من سبيل، ذلك ما ستجيب عليه الأيام المقبلة وما نحتاج اليه بعد مضي 15 عاماً على الحدث، فمتى ينطلق قطار المصالحة ومن يتخذ الخطوة الأولى؟

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى