“حماس” حركة مقاومة بقامة دولة

كتب عيسى سيار

لقد أثبتت حركة المقاومة الإسلامية حماس الفصيل الفلسطيني الأصيل في الحرب والسلم بأنها حركة مقاومة وتحرر وطني، ولكنها بقامة دولة في تعاملها مع القضية الفلسطينية إنسانيا وسياسيا وعسكريا وثقافيا واجتماعيا، ولن أبالغ اذا قلت إن تعاطيها مع تداعيات الحرب الصهيواميركية على غزة تعجز عنه الكثير من الدول ذات السيادة.
منذ تأسيس حركة حماس عام 1987 على يد الشهيد الشيخ أحمد ياسين ورفاقه إبراهيم اليازوري ومحمد شمعة وعبدالفتاح دخان ود. عبدالعزيز الرنتيسي وعيسى النشار وصلاح شحادة، وحتى الآن، استطاعت الحركة وباقتدار وحنكة وبالتنسيق مع الحركات المقاومة الفلسطينية الجهاد والشعبية، بإستثناء فتح، أن تبعث الروح في القضية الفلسطينية من جديد بعد أن كادت توأد من خلال اتفاق الاستسلام (أوسلو) وما يسمى بحل الدولتين وكامب ديفيد ووادي عربة والاتفاق الإبراهيمي، التي مكنت الكيان الصهيوني أن يبتلع الأراضي الفلسطينية بحجج واهية تحت سمع وبصر العالم، والذي لم يحرك ساكنا، وكانت حق أريد به باطل، كما قال عنها الأمير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات العامة السعودية سابقا، في مقابلة مع قناة العربية، بل كانت أميركا داعمة للكيان الصهيوني في وحشيته ومصادرته الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقد توجت أميركا ذلك باعتراف ترامب المارق بأن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، كما قدمت أميركا دعما سخيا وغير مسبوق للكيان خلال حربه على غزة، بل هي شريكة فى الإبادة الجماعية والتهجير القسري للمدنين ومعظم الدول الأوروبية أيضآ.
لقد تجلت الحكمة والمسؤولية الوطنية والرؤية الاستراتيجية لحماس في منعطفين مهمين في مسيرة القضية الفلسطينية وهما:
الأول: عندما اتخذت قرار ذا بعد استراتيجي، ولكن بالطبع بعد دراسة مستفيضة لتداعياته وتأثيراته الصعبة على أهل فلسطين بشكل عام وأهل غزة بشكل خاص، ألا وهو القيام بعملية السابع من أكتوبر المجيدة، هذه العملية هي التي أحدثت تسونامي ليس للكيان الصهيوني فحسب، بل للعالم أجمع، حيث أصبحت غزة بسبب هذه العملية البطولية ايقونة عالمية، بعد إن كانت على قاب قوسين أو أدنى من أن تنتهي وإلى الأبد ويطويها النسيان، بسبب تخاذل وخنوع العرب ورفعهم الراية البيضاء لاميركا من جهة، وبسبب سياسات اليمين الصهيوني المتطرف في المجاهرة بتصفية القضية الفلسطينية وتهجير أهل غزة وفرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية وطرد محمود عباس وزمرته من مبنى المقاطعة في رام الله، حيث اصبح بالنسبة الى الصهاينة ورقة منتهية الصلاحية.
الثاني: الرد المسؤول والمتزن والحصيف على خطة ترامب المكونة من 21 بندا، لقد كان ردا دبلوماسيا وذكيا بإمتياز، حيث وافقت على الأصول وهي وقف الحرب العدوانية على غزة وتبادل الأسرى، وتركت التفاصيل للتفاوض، فردها لم يرفض خطة ترمب بالكامل، لكن لم يقبل بها على علاتها، وعلى الجميع أن يحترم ويقدر هذا الموقف الوطني المسؤول بامتياز، وكما يقال “أهل مكة أدرى بشعابها” لقد وضعت حماس والجهاد والشعبية مصلحة فلسطين فوق المصالح الحزبية، وهذا ما لم تفعله فتح التي استمرءت التعاون الأمني مع الكيان الصهيوني ولم توقفه، حتى خلال حرب الصهاينة على غزة، وهذا الموقف المسؤول قل ما يحدث بالنسبة الى الاحزاب السياسية عند المنعطفات التاريخية، والتي عادة ما تقدم مصالحها الحزبية على المصالح الوطنية.

لقد كان رد حماس وازنا وبغطاء عربي إسلامي وبإشراك فصائل المقاومة، وأكدت بأن سلاح المقاومة قرار فلسطيني ومتروك للتشاور بين الفصائل الفلسطينية، وأن غزة يجب أن يحكمها تكنوقراط مشهود بكفاءتهم ونزاهتهم. إن هذا الرد الحصيف والمسؤول أدى رأسا إلى موافقة ترمب ومن دون الرجوع إلى النتن ياهو، حيث نشر ترمب رد حماس كاملا على منصته تروث سوشيل وموقع وزارة الخارجية الأميركية، بما فيه من مصطلحات كالإبادة الجماعية، بل قال ترمب أكثر من ذلك إن حماس إيجابية وترغب في السلام وأنها تفاوض بشكل جيد واحترافي، هذا قول رئيس الدولة التي ادرجت حماس على قائمة الإرهاب.

إن رد حماس المتوازن، أحبط مخطط النتن ياهو وعصابته في احتلال غزة والسيطرة عليها، وتدمير ما تبقى منها وتهجير شعبها.
لقد وقعت حماس اتفاق المرحلة الأولى بحضور الفصائل المقاومة، ولنتصور أن التوقيع تم بين حركة مقاومة تستخدم أسلحة بسيطة، ولكنها فتاكة ضربت جيش الكيان في مقتل، مصنعة في أنفاق غزة وبين الكيان الصهيوني الذي يمتلك أقوى جيش في الشرق الأوسط حسب تقديرات الخبراء، والذي يحصل على كل ما يريد من دعم عسكري ومادي من “ماما” أميركا والعديد من الدول الدول الأوروبية، حيث يرون بأن بقاء الكيان الصهيوني على قيد الحياة قويا مسألة استراتيجية ليست محل نقاش.

الكيان الصهيواميركي دمر %90 من غزة وقتل أكثر 67 الف غير آلاف الجرحى والمفقودين، ورغم كل هذا الدمار والقتل الوحشي وغير المسبوق في القرن 21 إلا أن أهل غزة وحركة مقاومته لم ترفع الراية البيضاء، وكبدت الصهاينة خسائر مؤلمة وغير مسبوقة في تاريخه.

إن صمود وصلابة أهل غزة وحماس والفصائل المقاومة رغم الحصار الخانق والضغوط، وبعد أكثر من عامين من قتال الجيش الأقوى في الشرق الأوسط أحبط كل المخططات الصهيونية الرامية لتصفية القضية الفلسطينية وجعل الكيان يوقع الاتفاق صاغرا، حيث لم يتحق أي من أهداف الحرب الثلاثة التي وضعها النتن ياهو وعصابته وهي: إرجاع الأسري الصهاينة بقوة السلاح، القضاء على حماس، والهيمنة والتحكم في اليوم الذي يلي توقف الحرب.

لقد خالفت حماس كل توقعات الكثير من المحللين السياسين والعسكرين والاكاديمين والاعلامين ومراكز البحث العلمي شرقا وغربا، التي راهنت على القضاء حركة حماس ومعها الفصائل المقاومة خلال شهور قليلة، ولكن هؤلاء جميعا إما أنهم ممولون من جهات ترى أن بقاء المقاومة الفلسطينية تهديد لمصالحهم، أو أن هؤلاء لم يقرأوا التاريخ جيدآ، أو ربما خانتهم الذاكرة، ألم يقرأوا ماذا فعل ثوار فيتنام بجيش الولايات المتحدة الأميركية؟ ألم يروا الذل عندما هرب الاميركيون من سطح السفارة الأميركية بالطوافات؟ ألم يقرأوا كيف اذاقت الثورة الجزائرية الاحتلال الفرنسي الأمرين، في أسوأ احتلال في القرن الماضي. حتى وإن دمر المحتل الأخضر واليابس، كما فعل الكيان الصهيوني في غزة، فالأرض تحارب من أصحابها وليس مع المحتل.

لقد راهنت على انتصار غزة منذ بداية الحرب الصهيونية الوحشية عليها، وقلت إن أهل غزة سيدفعون ثمنا باهضا، ولكنهم سينتصرون على الكيان الصهيوني وسوف ينسحب الجيش الأسوء أخلاقيا في العالم من غزة بعد أن غاصت أرجله في رمال غزة الزكية، كما هرب شارون وجيشه قبل ذلك في عام 2005 يجر أذيال الهزيمة.
وصدق أبو عبيدة وكذب المنجمون ولو صدقوا عندما قال: لن تحصلوا على اسراكم بالحرب، ولكن سوف تحصلون عليهم من خلال طاولة المفاوضات.
إن حركة حماس والتي مرجعيتها الإخوان المسلمين لم تكن حركة مقاومة فحسب، بل فصيلا سياسيا أصيلا وولادا، متجذرا في أوساط الشعب الفلسطيني كشجرة الزيتون يحتضن كوادره منذ نعومة اظفارهم، ويقوم بتنشأتهم دينيا وسياسيا وعسكريا، ويوفر لهم أفضل التعليم، ثم يقوم بتحديد المجالات التي يمكن أن ينتجوا ويبدعوا فيها، كل حسب إمكانياته وقدراته.
إن حركة المقاومة الإسلامية حماس، عملت وبكل اقتدار ومنذ استلامها لمسؤولية غزة بعد هروب شارون وجيشه عام 2005، ووفرت حياة كريمة لأهل غزة رغم الحصار الصهيوني الخانق المفروض على غزة والأكثر من 17 عاما، فكونت حكومة بما تحمله الكلمة من معنى واقامت غرفة قيادة مشتركة مع الفصائل الفلسطينية بإستثناء فتح، وشيدت البنية التحتية في القطاع وشكلت ذراعا استثماريا من أجل استدامة تمويل مشاريع القطاع، وبالطبع كان لدعم بعض الدول العربية والإسلامية كقطر والأردن ومصر وتركيا وإندونيسيا وماليزيا، دورا ملموسا في تنمية وتطوير قطاع غزة.
لقد استطاعت حماس ان تجمع 20 دولة وازنة في شرم الشيخ في قمة سلام غزة من أجل اعتماد خطة ترمب، أن حركة بهذه المقومات والامكانيات والتي جعلت القضية الفلسطينية حية في الضمير العالمي، أليس من الإنصاف أن نطلق عليها حركة بقامة دولة وربما أكثر من ذلك، وأن يرفع لها العقال؟
فمن يرفع الشراع!؟
* باحث وأكاديمي بحريني

ملاحظة: حقوق المقال محفوظة للكاتب من يرغب في إعادة نشر المقال له الشكر ولكن من دون إضافة او تعديل.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى