
انهيار الذوق العام… كابوس الفن في المستقبل إذا استمر التدهور
بقلم: حسام النوام
الضحك الذي يخفي الألم
قد يضحكك المشهد حين تتخيله: خمسون عاماً من الآن، منشور في “فيسبوك المستقبل” يتغنى فيه أحدهم بأغنية سعد الصغير “بحبك يا حمار” باعتبارها “إحدى روائع زمن الفن الجميل”، فيرد آخر قائلاً: “فين أيام سعد الصغير وعماد بعرور والسبكي ومحمد رمضان.. الفن اتبهدل بعدكم”. وربما يجلس عجوز بجانب راديو قديم يقول والدمعة في عينيه: “نفسي أسمع فن أصيل.. نفسي أسمع مفيش صاحب بيتصاحب، أو بوس الواوا، أو ركبني المرجيحة، أو سيب إيدي” وكأنه يستعيد ماضيه الذهبي.
قد نضحك لهذه الصورة الساخرة، لكنها تخفي وراءها مأساة حقيقية: مأساة انهيار الذوق العام. فالفن مرآة المجتمع، وإذا انعكس فيه الانحطاط، فهذا يعني أن المجتمع كله مهدد بفقدان قيمه ووعيه وجمالياته.
الفن بين الأمس واليوم: من “الأطلال” إلى “ركبني المرجيحة”
لم يكن الفن في مصر والعالم العربي مجرد وسيلة ترفيه، بل كان رسالة تُصاغ بعناية لتربية الذوق، وبناء الوعي، وصناعة الهوية.
أم كلثوم بأغنياتها الطويلة كانت مدرسة في الصبر والإحساس واللغة الرفيعة.
عبد الحليم حافظ كان رمزاً للرومانسية والوطنية في وقت واحد.
عبد الوهاب وفريد الأطرش قدما ألحاناً تعبر عن روح عصرها وتبقى خالدة عبر الزمن.
لكن مع مرور الوقت، ومع تحول السوق الفني إلى ساحة تجارية خالصة، ظهرت موجات متتابعة من “الأغنية الخفيفة”، ثم “الأغنية الاستهلاكية”، وصولاً إلى ما يعرف اليوم بـ “أغاني المهرجانات”، التي تقوم على إيقاع صاخب وكلمات مبتذلة و”ترند” مؤقت يختفي مع موجة أخرى.
الفارق بين “الأطلال” التي تحتاج إلى جلسة استماع وتأمل، و”سيب إيدي” التي لا تحتاج سوى لمكالمة هاتفية أو مقطع قصير على “تيك توك”، هو الفارق نفسه بين مجتمع يسعى إلى الرقي، ومجتمع يرضى بالسطحية.
السينما: من المدرسة الواقعية إلى “أفلام السبكي”
لم يكن الفن الغنائي وحده الذي شهد الانحدار، فالسينما أيضاً عانت من أزمة مشابهة.
السينما المصرية في الخمسينيات والستينيات كانت مدرسة حقيقية قدّمت أفلاماً مثل دعاء الكروان والأرض والقاهرة 30. كانت سينما تعكس قضايا المجتمع، وتناقش مشكلات الفقر، والعدالة، والهوية الوطنية.
لكن مع صعود الإنتاج التجاري الرخيص، تحولت دور السينما إلى مسرح لعرض أفلام تعتمد على الإفيه، والرقص، والمشاهد المثيرة، بعيداً عن أي رسالة أو قيمة.
وجاءت موجة “أفلام السبكي” لتجسد هذا الانحدار بوضوح: نجوم سريعو الصعود، قصص ساذجة، مشاهد عنف ورقص، ورسائل مشوشة تغرس في عقول الشباب فكرة أن “الجدعنة” والعنف والسطحية هي طريق النجاح.
زمن الفن الجميل بالمقلوب
قد يبدو مستقبلاً كابوسياً أن نسمع مذيعاً في عام 2075 يقول:
“والآن مع إحدى روائع زمن الفن الجميل.. الفنان حسن شاكوش وأغنية: أشرب خمور وحشيش. وبعدها نستمع إلى يا حبيبي ده اللي يخاف من العفريت يطلعلو عو عو عو.”
وقد نرى في شهر رمضان مسلسلاً من 30 حلقة يحكي قصة “رحلة كفاح” أحد مطربي المهرجانات مثل كزبرة أو حمو بيكا، يقدم فيه على أنه “قدوة” للأجيال.
وقد تقرأ خبراً عاجلاً عن إصدار “ديو” غنائي بين فنان المستقبل “زبالة” والشاعر “باكابورت” بعنوان: “صاحبي غدر بيا ولبسني خازوق”.
هذا السيناريو ليس مجرد نكتة، بل انعكاس لمسار حقيقي إذا استمر المجتمع في تقبل الرداءة باعتبارها فناً، وترك الساحة للابتذال ليسيطر على الذوق العام.
أسباب الانهيار: من المسؤول؟
1- شركات الإنتاج: لم تعد تبحث عن الجودة، بل عن الأغنية الأسرع انتشاراً والأكثر مشاهدة، ولو على حساب المعنى.
2- منصات التواصل الاجتماعي: جعلت “الترند” معيار النجاح، فاختفت المعايير الفنية الحقيقية.
3- غياب دور الدولة: تراجع الدعم الرسمي للفنون الرفيعة، وترك الساحة للإنتاج التجاري الرخيص.
4- الجمهور نفسه: حين يستمع الملايين إلى أغنية بلا معنى ويرددون كلماتها، يصبحون شركاء في صنع هذا الانحدار.
هل يمكن إنقاذ الفن؟
رغم الصورة القاتمة، يبقى السؤال: هل يمكن أن يستعيد الفن مكانته؟
بإحياء التعليم الفني: عبر تدريس الموسيقى والمسرح والفنون في المدارس كجزء من بناء شخصية الطفل.
بدور الدولة: من خلال رعاية الفنون الجادة، ودعم الإنتاج الذي يحمل قيمة ورسالة.
بالنقد الفني: فلا بد أن تعود الصحافة الفنية لممارسة دورها في التقييم والفرز بدلاً من التطبيل.
بذوق الجمهور: الذي يملك وحده سلطة رفض الرداءة ودعم الفن الحقيقي.
الفن مرآة الأمة
المشهد الساخر الذي بدأنا به ليس بعيداً عن الواقع، بل هو إنذار مبكر لما قد نعيشه إذا استمرت الرداءة في السيطرة على الذوق العام.
الفن ليس مجرد ترفيه، بل هو هوية، وذاكرة، وقيمة. وإذا فقدت الأمة فنها، فقدت جزءاً كبيراً من روحها.
لذلك، فإن المعركة اليوم ليست ضد سعد الصغير أو شاكوش أو بيكا، بل ضد فكرة أن الرداءة يمكن أن تصبح فناً مشروعاً. فإذا نجحنا في استعادة الذوق، نجحنا في حماية وجدان الأمة. أما إذا استسلمنا، فسوف يأتي يوم ينظر فيه أبناؤنا إلى “بوس الواوا” و”مفيش صاحب بيتصاحب” كما ننظر نحن اليوم إلى “الأطلال” و”أنت عمري”.



