
الظل الخفي في القضية الفلسطينية… أبعاد غائبة خلف المشهد
كتب حسام النوام
منذ أكثر من سبعة عقود، والقضية الفلسطينية تتصدر المشهدين العربي والدولي بوصفها أقدم صراع سياسي في العالم الحديث وأكثره تعقيدًا. غير أنّ ما يظهر على السطح من مواجهات مسلحة، وعمليات سلام متعثرة، وانتفاضات شعبية، ليس سوى جزء يسير من الحقيقة الكاملة. فخلف المشهد العام يقبع ظل خفي، تحكمه مصالح كبرى، وصراعات غير معلنة، وأجندات دولية وإقليمية ساهمت في إطالة أمد المأساة الفلسطينية، وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى ساحة صراع نفوذ تتقاطع فيها خيوط السياسة والاقتصاد والدين والإعلام.
البعد التاريخي للظل الخفي
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد نزاع حدود أو صراع على أرض، بل مثلت منذ وعد بلفور عام 1917 ركيزة أساسية لمشروع استعماري دولي يهدف إلى زرع كيان غريب في قلب المنطقة العربية. غير أنّ ما لا يظهر للعلن هو حجم التنسيق الخفي بين قوى استعمارية كبرى آنذاك، استخدمت فلسطين كبوابة لإعادة تشكيل المنطقة، ورسم خرائط النفوذ بما يضمن مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية.
هذا التخطيط الممنهج لم ينتهِ مع قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، بل استمر في أشكال أكثر حداثة، عبر دعم عسكري غير محدود، وحماية سياسية في المحافل الدولية، وفرض روايات إعلامية تبرر الاحتلال وتجرّم المقاومة.
البعد السياسي.. ازدواجية الخطاب الدولي
وراء الشعارات المرفوعة عن “السلام العادل” و”حل الدولتين” تختبئ حقيقة مرّة، وهي أنّ المجتمع الدولي يمارس ازدواجية معايير صارخة. فبينما تُدان أي مقاومة فلسطينية باعتبارها “إرهابًا”، تُغضّ الأبصار عن جرائم الاحتلال التي تشمل التهجير القسري، وهدم المنازل، وبناء المستوطنات، وقتل المدنيين.
الظل الخفي هنا يتمثل في شبكات مصالح سياسية ودبلوماسية تجعل القرار الدولي رهينة لموازين القوى الكبرى. الولايات المتحدة، بوصفها الداعم الأول لإسرائيل، تستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن مرارًا لحماية الاحتلال، فيما تلتزم أوروبا بسياسة “الوسطية الصامتة” التي لا تتجاوز حدود بيانات الإدانة.
البعد الاقتصادي.. ثروات تحت الحصار
من الأبعاد المغيبة في القضية الفلسطينية البعد الاقتصادي. فغزة – على سبيل المثال – تُحاصر منذ أكثر من 17 عامًا، لكن القليل يعرف أن هذا الحصار لا يستهدف فقط المقاومة المسلحة، بل أيضًا إجهاض أي فرصة لاقتصاد فلسطيني مستقل يمكن أن يشكل تهديدًا مستقبليًا للاحتلال.
الضفة الغربية بدورها تعيش حالة استنزاف اقتصادي بفعل المستوطنات التي تسيطر على الأراضي الزراعية، وبفعل سيطرة الاحتلال على المياه والموارد الطبيعية. في المقابل، يظل “اقتصاد الظل” الإسرائيلي هو المستفيد الأكبر من هذا الوضع، إذ يجني الاحتلال مليارات الدولارات عبر السيطرة على المعابر والتجارة والموارد.
البعد الإعلامي.. صناعة الرواية
من أخطر ملامح الظل الخفي في القضية الفلسطينية الحرب الإعلامية. فالإعلام الغربي يروّج لرواية “إسرائيل الدولة الديمقراطية المحاطة بأعداء”، بينما يتم تصوير الفلسطينيين كشعب “رافض للسلام”.
القوى الإعلامية العالمية – المرتبطة بمراكز ضغط ولوبيات صهيونية – لعبت دورًا رئيسيًا في تشكيل وعي الشعوب الغربية، وبالتالي التأثير على قرارات حكوماتها. وحتى في الفضاء الرقمي، تُمارس المنصات الكبرى سياسات قمعية تحذف المحتوى الفلسطيني وتُقيّد وصوله، في الوقت الذي تُترك فيه الرواية الإسرائيلية لتنتشر بلا قيود.
البعد العربي.. الانقسام والخذلان
لا يمكن الحديث عن الظل الخفي دون التطرق إلى الموقف العربي. فبينما كانت فلسطين يومًا القضية المركزية للأمة، تراجع الاهتمام بها لصالح أولويات داخلية وأزمات إقليمية. بل إن بعض الدول انخرطت في مسار التطبيع، الأمر الذي وفر غطاءً سياسيًا للاحتلال وعمّق عزلة الشعب الفلسطيني.
الانقسام الداخلي الفلسطيني بدوره شكّل أحد أبرز مظاهر الظل الخفي، إذ تحوّلت القضية إلى ساحة خلاف سياسي بين الفصائل، وهو ما استغلته إسرائيل لتعميق الشرخ وفرض وقائع جديدة على الأرض.
البعد المصري.. صوت الحق في مواجهة الظل الخفي
وسط هذا المشهد المليء بالتناقضات والضغوط الدولية، تظل مصر هي الركيزة الأساسية في الدفاع عن القضية الفلسطينية منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم. ومهما تبدلت الأنظمة أو تغيرت الظروف، بقيت القاهرة حائط الصد الأول أمام محاولات تصفية القضية.
الرئيس عبد الفتاح السيسي أعاد التأكيد في أكثر من محفل دولي على أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب الأولى، وأن الحل العادل والشامل لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هذا الموقف الواضح، وسط حالة من الارتباك العربي والدولي، يمثل كسرًا لحواجز الظل الخفي الذي يسعى البعض إلى فرضه عبر تهميش القضية أو حصرها في إطار إنساني بحت.
لم يكن الدور المصري مجرد خطابات، بل تجسد في تحركات ميدانية ملموسة:
مصر لعبت الدور الأبرز في وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل في أكثر من جولة عدوان، وأثبتت أن القاهرة هي الضامن الحقيقي لأي تهدئة.
المبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة بعد العدوان الأخير، التي أعلنها الرئيس السيسي بتخصيص 500 مليون دولار، كانت رسالة واضحة بأن مصر لا تنظر للقضية فقط من منظور سياسي، بل من منظور إنساني واستراتيجي شامل.
على مستوى الدبلوماسية، تقود مصر جهودًا متواصلة في الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية، لتثبيت حق الشعب الفلسطيني وإبقاء قضيته في صدارة الاهتمام الدولي.
الظل الخفي حاول طوال العقود الماضية عزل الفلسطينيين عن عمقهم العربي، لكن مصر أعادت دائمًا ربط القضية بجذورها الأصيلة، لتؤكد أن فلسطين ليست شأنًا داخليًا لشعب محتل فحسب، بل قضية أمن قومي عربي لا يمكن التفريط فيها.
كما أن الرئيس السيسي وجّه رسائل قوية إلى المجتمع الدولي، مؤكدًا أن غياب الحل العادل للقضية الفلسطينية هو المصدر الحقيقي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وهذه الرسائل لا تكشف فقط زيف الروايات الإسرائيلية، بل تفضح أيضًا التواطؤ الدولي الذي يختبئ في الظل الخفي.
البعد الديني والرمزي
فلسطين ليست مجرد أرض محتلة، بل هي أرض مقدسة تحتضن المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وهنا يكمن بُعد آخر من الظل الخفي، حيث تسعى إسرائيل إلى طمس الهوية الإسلامية والمسيحية للقدس عبر التهويد الممنهج، بينما يظل العالم الإسلامي غارقًا في صراعاته الداخلية غير قادر على توحيد موقفه في الدفاع عن أحد أهم رموزه الدينية.
الحقيقة بين السطور
الظل الخفي في القضية الفلسطينية ليس تفصيلًا جانبيًا، بل هو العامل الأبرز في استمرار المأساة. إنه شبكة معقدة من المصالح الدولية، والتحكم الاقتصادي، وتشويه الإعلام، والانقسام العربي، والتلاعب بالرمزية الدينية، جميعها اجتمعت لتجعل القضية الفلسطينية تراوح مكانها رغم عدالتها التي لا يختلف عليها أحد.
إن إدراك هذه الأبعاد المخفية شرط أساسي لفهم حقيقة الصراع، والخروج من دائرة الشعارات إلى ميدان الفعل. فالقضية ليست فقط صراعًا على الأرض، بل معركة وعي وإرادة، تحتاج إلى كشف هذا الظل وإماطة اللثام عن القوى التي تستفيد من إطالة أمد الصراع على حساب شعب يصرّ على البقاء والتمسك بحقوقه مهما كانت التضحيات.



