
“جيل بلا هوية… عندما يسرق العالم الافتراضي شبابنا وأسرنا”
بقلم: حسام النوام
في عصر لم يعد ينام فيه العالم على خبر ولا يستيقظ إلا على آخر، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي لاعبًا رئيسيًا في تشكيل العقول والاتجاهات. ما بدأ كأداة للتواصل وتقريب المسافات، تحول بمرور الوقت إلى سلاحٍ خفيّ ينهش في جسد المجتمع، يهز استقرار الأسر، يفتت القيم، ويزرع الاضطراب في وجدان الشباب.
تفكيك الأسرة وزيادة نسب الطلاق
لم يعد غريبًا أن تكون بداية انهيار البيوت من رسالة على تطبيق، أو إعجاب عابر على صورة، أو محادثة عاطفية عبر شاشة. فقد فتحت منصات التواصل أبواب الخيانة الزوجية على مصراعيها، لتتحول إلى وسيلة تُغري الزوج أو الزوجة بالبحث عن بديل وهمي تحت شعار الحرية والانفتاح. ومع تزايد هذه الظاهرة، سجلت مكاتب الإفتاء والمحاكم الشرعية ارتفاعًا ملحوظًا في نسب الطلاق، مما يعكس حجم الكارثة التي سببتها هذه المنصات.
جيل بلا هوية ولا انتماء
أمام هذا الطوفان من المحتوى المتناقض، نشأ جيل يعيش حالة اغتراب داخل وطنه. شبابٌ فقدوا هويتهم الوطنية والدينية، يستمدون قيمهم من مشاهير “التريند” ومؤثري المنصات، بدلًا من القدوة الحقيقية من علماء، معلمين، ومفكرين. تحولت القدوة إلى “يوتيوبر” يستعرض حياته الشخصية، أو “تيك توكر” يبحث عن مشاهدات، تاركين وراءهم جيلاً يفتقد الإحساس بالمسؤولية والانتماء.
تأثير اقتصادي مدمر
الانشغال المفرط بمنصات التواصل لم يكتفِ بهدم الأسرة، بل تعدى ليضرب الاقتصاد في مقتل. ساعات طويلة يقضيها الشباب أمام الشاشات، تسرق طاقتهم الإنتاجية، وتُهدر وقتهم دون مقابل. بدلًا من أن يكون الشباب قوة بناء ودعم لمسيرة التنمية، تحولوا إلى أسرى هواتفهم، يلهثون خلف تريند عابر أو خبر مُفبرك، تاركين وراءهم فجوة اقتصادية يدفع ثمنها الوطن.
محو القيم والأخلاق
ما تنشره المنصات لا يخضع غالبًا لرقابة أخلاقية أو قيمية. مواد مشبعة بالابتذال، محتوى يحطّ من قدر المرأة، وينشر الإباحية الفكرية والسلوكية بين الأطفال والمراهقين، حتى باتت القيم الحقيقية من صدق وأمانة وعفة مجرد شعارات باهتة. وفي ظل غياب الوازع الديني، يترسخ في الأذهان أن النجاح لا يقاس بالعلم أو العمل، بل بعدد المتابعين والإعجابات.
تحريف الأحداث وتشويه الوعي
الإعلام التقليدي يخضع لقواعد وضوابط، بينما منصات التواصل لا تعرف سوى لغة “المشاهدات”. وهنا تكمن الخطورة، إذ يتم تضخيم الأحداث أو تحريفها عمدًا لتوجيه الرأي العام. تُستخدم هذه الأدوات في صناعة بلبلة، إشعال فتن، وتضليل الجماهير، حتى أصبح المواطن العادي عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والزيف.
عقول تُدار بالتريند
بدلًا من أن ينشغل المجتمع بقضايا البناء والتنمية، أصبح التريند هو المتحكم الأول في اتجاه الرأي العام. خبر عابر أو فيديو ساخر قادر على خطف عقول الملايين، بينما تغيب القضايا الجادة والمصيرية عن دائرة الاهتمام. وهكذا، تُدار العقول بأسلوب “الموضات الفكرية”، فتضيع القضايا الكبرى وسط دوامة من التفاهة.
كيف نقضي على هذه الكارثة؟
التربية والوعي: تبدأ المواجهة من البيت، عبر تربية الأبناء على الوعي النقدي، وتعليمهم كيف يميزون بين الصواب والخطأ.
القوانين والرقابة: لا بد من تشريعات صارمة تحاسب على نشر الأكاذيب والمحتوى الهابط، مع فرض رقابة فعّالة تحمي المجتمع دون خنق الحريات.
تعزيز البدائل الوطنية: تطوير منصات إعلامية وتطبيقات محلية هادفة، تقدم محتوى جذابًا وقيميًا ينافس المنصات العالمية.
العودة للدين والقيم: استعادة الخطاب الديني المعتدل، وربط الشباب بهوية وطنية ودينية أصيلة تعصمهم من الانسياق وراء موجات التغريب.
استثمار طاقة الشباب: فتح مسارات عمل وإبداع أمام الشباب، ليجدوا بدائل حقيقية تُشبع طموحاتهم بعيدًا عن إدمان العالم الافتراضي.
* منصات التواصل الاجتماعي ليست شرًا مطلقًا، لكنها إن تُركت بلا وعي أو ضابط، تتحول إلى معول هدم يهدد المجتمع من جذوره. نحن أمام معركة وعي حقيقية، إما أن نكسبها بالعلم والتربية والرقابة، وإما أن نخسر أجيالًا كاملة، ونُسلم الوطن إلى مستقبل غامض تسيطر عليه ثقافة التريند واللاهوية.



