هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي صنّاع الأفلام؟

كتب عمر العمران

تخيّل أن تكون فنانًا، كأن تكون مثلًا كاتبًا أو ممثلًا، وتجد ذات يوم أن شركة الإنتاج التي تعمل فيها قد قررت الاستغناء عنك. ولكن، ليس لأنهم وجدوا بديلًا أجود منك، أو أن وظيفتك أو دورك لم يعد مهمًا لهم، بل لأنهم، ببساطة، استنسخوك عبر الذكاء الاصطناعي! ما زالت إضافتك ودورك مهمين، ويصعب أو حتى يستحيل إيجاد بديل عنك، إلا أنهم استغنوا عنك لمجرّد أنهم استنسخوا قدراتك، ودون إذنك.

بعدما أطلقت «OpenAI» النسخة 3.5 من نموذجها الشهير «ChatGPT» في 30 نوفمبر، 2022، فُجّرت ثورة متسارعة لتطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه في شتى المجالات والقطاعات، وليست صناعة الفنون بمعزلٍ عن ذلك، وعندها لم يعد خيال الفقرة الأولى خيالًا، بل عاشه الفنانون واقعًا.

ففي صيف 2023، حاولت نقابات أميركية، كنقابة الكتّاب (WGA) ونقابة الممثلين (SAG-AFTRA)، مواجهة الأزمة عبر إعلان إضرابهم عن العمل، متظلّمين من تدريب شركات الإنتاج نماذجها للذكاء الاصطناعي على أعمالهم، أو حتى استنساخ أشكالهم وأصواتهم من دون إذنهم، وبمقابلٍ مالي يتراوح بين الزهيد أو حتى المعدوم.

ونمّت هذه الأزمة، بتطوّر أحداثها المتسارع، تساؤلًا ضخمًا شغل أذهان الفنانين: هل سيستبدلنا الذكاء الاصطناعي؟ فحسب دراسة لجمعية حقوق نشر المصممين والفنانين (DACS) البريطانية، يخشى 69% من الفنانين من استنساخ الذكاء الاصطناعي لأعمالهم.

في هذه المقالة، سأناقش هذا السؤال، وهذا التخوّف.

الوضع اليوم

رغم التطورات المتسارعة لقدرات الذكاء الاصطناعي الفنية، ما زال القطاع يعتمد اليوم اعتمادًا شبه كليّ على القدرات البشرية في العمليات الفنية كالكتابة والإخراج والتمثيل وغيرها، وهو ما أشار إليه وأكّده بن آفلك.

وبالمناسبة، هذا هو حال الذكاء الاصطناعي اليوم في مختلف المجالات؛ إذ رغم التطوّرات الهائلة والمبهرة خلال السنين الأخيرة، ما زال غير قادر على استبدال البشر في المهام التي تتطلب الحكم، والإبداع، والتكيّف، وفقًا لبحث في كلية (Sloan) من جامعة (MIT).

ولكن، كيف أثّرت تطورات الذكاء الاصطناعي إذن؟ ببساطة، يمكن تقسيم تأثير ظهور أي أداة جديدة إلى نوعين:

1- أداة معززة لعمل الموظّف ورافعة لكفاءته، من دون استبداله. فمثلًا، لم تستبدل الأدوات التعليمية التقنية المعلم، بل عزّزت عمله بتحسين كفاءته. فعندما يستخدم المعلم تلك الأدوات وتصبح مخرجاته معادلة لمخرجات معلمَيْن قبل ظهور الأدوات، فلن يعني هذا الحاجة إلى الاستغناء عن نصف المعلمين بحجة أن النصف الآخر أصبح قائمًا مقامهم، بل يمكن إبقاؤهم جميعًا، والاستفادة من تضاعف المخرجات بسبب استخدام الأدوات، مقارنةً بما قبلها.

2- أداة تستبدل وظيفة للإنسان، ولكن لا تلغي الحاجة إلى الإنسان كليًّا. فمثلًا، عندما اُخترعت الآلة الحاسبة، وظهر أنها أكفأ وأدق و«أصمل» من البشر الذين كانوا يقومون مقامها، لم نعد نحتاج إلى هذه الوظيفة، وفقدها البشر. ولكن، في المقابل، توجّه من كانوا يشغلونها -أو كانوا ليشغلوها- إلى وظائف أخرى لا تحسنها الآلة، ووجدوا طلبًا عليهم فيها.

أي بلغة اقتصادية: عندما يزيد العرض (إما بسبب دخول أدوات ترفع الكفاءة، أو دخول آلات تؤدي الأعمال) فقد يزيد الطلب معه بالقدر نفسه، وليس بالضرورة أن الطلب سيبقى بعدها على ما هو عليه، وبذلك نحتاج إلى الاستغناء عن الفائض من العرض.

ماذا عن المستقبل؟
وفقًا للفقرة السابقة، ستبقى للإنسان حاجة ووظيفة ما دام يملك قدرة لا تملكها أي أداة بديلة كالذكاء الاصطناعي، بل سيؤدي ظهور تلك الأدوات البديلة إلى توجيهه نحو استغلال قدراته الحصرية، التي لا يمكن لتلك الأدوات محاكاتها، وتحسينِ كفاءته فيها. ولذا، يبقى السؤال: هل سيملك الذكاء الاصطناعي كل قدرات الإنسان؟

سأكون واهمًا إن ادّعيت أن بإمكاني الإجابة عن هذا السؤال. ولست في هذا العجز بمعزل، بل أزعم أن أيّ مختص في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد، مهما علا قدره وعظم علمه، لا يمكنه الإتيان بهذا التنبؤ بدقة مقبولة.

وشاهدُ ذلك، التنبؤات الغزيرة التي أطلقها المختصون خلال السنين الأخيرة، والتي لم يفارق معظمها أحد حالتين: تنبؤات متفائلة بإفراط، فيظهر لاحقًا أن التقنية لم تصل إلى القدرة التي توقعوها في الوقت الذي حددوه، أو تنبؤات متشائمة بإفراط، فنُفاجأ بوصول التقنية إلى قدرات توقّعوا أن تستغرق أضعاف الوقت الذي احتاجته.

والسبب المعقول والمتفهّم وراء هذه «العشوائية» هو زخم تطوّر الذكاء الاصطناعي الهائل، الذي يعيق أي قدرة على التنبؤ بوجهته.

ولذا، كلتا الفرضيتين واردة:

1- يستكمل الذكاء الاصطناعي تطوّره، ويتجاوز البشر في مختلف القدرات.

2- تستعصي قدرات بشرية معينة على الذكاء الاصطناعي، ويعجز عن امتلاكها مهما تطوّر.

إلا أنني ألاحظ تنامي انتشار الفرضية الأولى، بل وعدَّها الكثير المآل المحتوم، مغفلين الفرص الواقعية للفرضية الثانية، وبالذات في صناعة الفنون.

ولأنتصر لواقعية الفرضية الثانية سأورد حجتين:

أما الأولى، فهي أنه لا يمكن إثبات أن قدرات الذكاء الاصطناعي ستستمر في التنامي من دون توقف. فرغم التطوّرات الهائلة والباهرة، قد يصل الذكاء الاصطناعي إلى حدودٍ لا يمكنه تجاوزها؛ وذلك لأنه يفكّر بآليات وطرق مختلفة كليًّا عن آلية الإنسان وطريقته. ولذا، من المنطقي الافتراض بأن آلياته وطرقه -حتى التي سيبتكرها باحثو الذكاء الاصطناعي في المستقبل- قد لا تتمكن من الوصول إلى نتائج وقدرات يمكن الوصول إليها عبر آلية وطريقة مختلفة، وهي الآلية والطريقة البشرية.

ومن أمثلة اصطدام قطار التطوّر في مجال ما بحدود الطبيعة، ما حصل مع «قانون مور» (Moore’s Law)، وهو القائل إن بإمكان البشرية مضاعفة كثافة المقاحل (Transistors) في الرقاقات الإلكترونية كل سنتين. ومن اللافت أن القانون ثبت لأكثر من خمسة عقود، قبل أن يفشل خلال 2015 – 2020. والسبب، ببساطة، أن كثافة المقاحل تنامت أسيًّا عبر العقود، حتى وصلت إلى مرحلة لا يُفصل فيها كل مقحل عن جاره إلا بالمسافة التي تشغلها خمس إلى عشر ذرات فقط! ويناقض هذا أي افتراض سطحي بأن أي تطوّر بإمكانه دائمًا الاستمرار من دون توقف.

وأما الحجة الثانية، فهي تفكيك «الطلب» وفهمه في الفنون. فعندما اُخترعت الآلة الحاسبة، كان من المنطقي استخدامها بدلًا من «الإنسان الحسّاب»؛ إذ المطلوب مجرّد إتمام عملية منطقية ما، وما دامت الآلة قادرة على ذلك بكفاءة أعلى، فلا داعي لبقاء الإنسان في منافسة غير عادلة معها.

ولكن، هل يطلب مستهلكو الفنون منتجًا ما بسبب نتيجته النهائية وحسب، أم يشترطون المكوّن البشري فيه؟ ولأستوضح ذلك، اسأل نفسك: لو تمكّن مهندسو الروبوتات من صنع روبوتات تفوق اللاعبين البشر في مختلف المهارات والقدرات المطلوبة في اللاعبين، فهل ستختفي وظائف اللاعبين البشر، وسيشاهد متابعو كرة القدم روبوتات تلاعب بعضها؟

وكذلك، ما زال الملايين يشاهدون مباريات الشطرنج بين اللاعبين البشر، رغم أن الذكاء الاصطناعي هزم في 1997 (قبل ثمانٍ وعشرين سنة) مصنّف البشر الأول في الشطرنج آنذاك: قاري كاسباروف. أما اليوم، فلا تتنافس نماذج الذكاء الاصطناعي في الشطرنج إلا مع بعضها؛ إذ إن الفجوة بين قدراتها وقدرات البشر ضخمة، وتزداد تضخمًا بمرور الوقت.

والأمر ذاته مع بقاء -بل وتنامي- الصناعات اليدوية، رغم تأخرها عن قدرات الأتمتة. ولم يعنِ تجاوز التقنية قدراتِ البشر في فن ما انتفاءَ وظائف الفنانين والحاجة إليهم فيه. فالبشر عندما يستهلكون الفنون يبحثون عن الارتباط البشري فيها، لا المنفعة المادية المباشرة كما يفعلون عندما يستهلكون ما يلزمهم للبقاء.

ما العمل؟
إن كنت فنانًا، فلا تُشغل بالك بالتنبؤات العبثية لمستقبل قدرات الذكاء الاصطناعي. في المقابل، تنبّه لنقطتين:

يوسّع ظهور الأدوات الجديدة -كالذكاء الاصطناعي- الفجوة بين من يغفلها، ومن يحسن استغلالها في تحسين كفاءة عمله وتعظيم مخرجاته. والذكاء الاصطناعي، وإن كان مختلَفًا في قدرته مستقبًلا على استبدال البشر بالكلية، إلا أنه حتمًا أداة مساعدة بالغة الفعالية في تحسين الكفاءة وتعظيم المخرجات. ولذا، لا تتأخر في استكشاف واستخدام كل الطرق والقدرات التي يمكن أن يفيدك فيها بصورة ملموسة.

وحتى وإن افترضنا أن الذكاء الاصطناعي لن يستبدل جميع وظائف البشر، وهي الفرضية الثانية المشار إليها آنفًا، فإنه من المحتّم أنه سيلغي بعض الوظائف في كل قطاع، وهذا يُرى اليوم رأي العين. ولذا، اتّجه نحو الوظائف التي يعجز -أو غالبًا سيعجز- الذكاء الاصطناعي عن محاكاتها.

من البداية، لم يكن الغرض من هذه المقالة الإجابة عن السؤال في عنوانها، بل كما ذكرت في بدايتها: أن أناقش السؤال، وأحلّل ذاك التخوّف؛ لأضع مختلف الفرضيات المحتملة. والأهم: أن تجد خطوات عملية بوسعك أن تسلكها، لتكون متوافقًا ومتلائمًا مع التحولات الضخمة التي يسبّبها الذكاء الاصطناعي في كل قطاع، والفنون حتمًا منها.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى