
قد حان وقت المراجعة – 13
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
قد يفرح البعض بما يناله من مديح وثناء نتيجة مواقفه المتشددة، وقد يتصور البعض بأن انتصار رأيه بشأن قضية عامة، دليل على رجاحة عقل وعمق تجربة، وقد يتباهى البعض بنجاحه في تقديم استشارات ومقترحات تقصي المختلفين معه من أبناء وطنه، وتفتح الباب له للترقي واغتنام الفرص، واثبات الحضور والتمثيل والاستحواذ على العديد من المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية، خاصة إذا كان من ورائها تدفقات ومكافآت نقدية مجزية، لكن هذا الصنف من البشر يرتكب أكثر من جريمة بحق الوطن والمواطنين.
إن الأوطان ليست مزارع خاصة يديرها أشخاص ما وفق مصالحهم الخاصة وما يرونه مناسبا لهم وربما للمحيطين والمصفقين لهم فقط، خاصة اذا نظر هؤلاء الأشخاص ممن يقدمون المصالح الشخصية على المصالح العامة إلى تجارب مختلف الشعوب والدول حول العالم، حينها سيكتشفون بأن من نجحوا في خلق مؤسسات مالية وامبراطوريات اقتصادية، انتهت مؤسساتهم واندثرت امبراطورياتهم وغابت حتى أسمائهم من الوجود، وأصبح ذكرهم وإرثهم منسياً بمجرد أن غادروا الدنيا، أو تعرضوا لانتكاسات وافلاس وفشل وإخفاق، بينما أولئك الذين شيدوا الأوطان وكافحوا من أجل تطويرها وتقدمها ودافعوا عنها، نُصبت لهم التماثيل وخُلدوا في الميادين والذاكرة الجمعية لهذه الأوطان.
بل إن سمعة وسيرة أشخاصٍ بعينهم كسرت حاجز أوطانهم التي ينتمون إليها وانتشرت في كافة بلدان العالم، باعتبارهم إرثاً انسانياً ملهماً للبشرية، فأصبحوا أيقونات عالمية تتخذها الشعوب نموذجاً أخلاقياً لها وتربي أبنائها عليه، تغذيهم بمآثرهم ومنجزاتهم وتخلد ما حققوه لاوطانهم،
وانطلاقاً من هذا الفهم، نحتاج إلى إعادة قراءة المشهد دائماً كلما مرت حقبة زمنية أو حدثت تغيرات محلية واقليمية ودولية، من أجل الاعتراف بالأخطاء وتمحيصها والعمل على تصحيحها، وأن لا نفرح أبداً بالانتصارات الصغيرة التي قد تأتي على مقاسنا في فترة ما ولوقت محدد، غير مكترثين بالمآسي التي قد نتسبب بها لمن حولنا، فالحياة ليست مباراة أو لعبة كرة قدم بين فريقين، بقدر ما هي ساحة تعاون وتنافس من أجل فعل الخير وتحقيق الفوز الجماعي.
الفوز الدائم هو فوز الوطن برمته، وهو ما يعني العمل وفق قاعدة الفوز للجميع، وهذا لن يتحقق ما دامت بعض الأطراف تتمترس في مواقعها، وتحافظ على الأسوار العالية التي شيدتها حول مناطقها الآمنة، فهذه القلاع قد تتحول في لحظة ما إلى سجون وقيود تعيق المتباهين بالنصر وتمنعهم من حرية الحركة، وهي لا شك تحجب عنهم القدرة على البناء والانتقال إلى ساحات عطاء أكثر اتساعاً، لذلك ندعو الجميع وخاصة (المعارضة والحكومة) إلى إعادة النظر في كافة مواقفهم السابقة، والبدء بوضع خطط التقارب والتسويات التي تجعل الأولوية للوطن، ومن بعده تأتي المصالح والمنافع الفردية أو الفئوية، شريطة أن لا تكون متناقضة مع المصلحة العليا للوطن.
لتكن انتخابات العام 2026 نقطة إنطلاق لاعادة التلاحم وتعزيز الوحدة الوطنية، وإحياء للمشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، هذا المشروع الرائد الذي ضاع بين حماقة هنا وسوء تقدير هناك، حتى كاد أن يختفي ويبهت، أو كما تقول السيدة أم كلثوم (كان صرحاً من خيال فهوى)، على الجميع أن يعيدوا حساباتهم الآن قبل فوات الأوان، ويفكروا بطريقة إيجابية، تعيد للوطن هيبته وانسجامه وقدرته على استيعاب حق الاختلاف بين المواقف، بحثاً عن الأفضل والأكمل والأجمل لبناء الوطن ومصلحة مواطنيه، والله من وراء القصد وللحديث صلة.



