قد حان وقت المراجعة – 24

بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين

نسمع كثيراً عن أطراف الانتاج الثلاثة، القطاع العام وتمثله الحكومة، والقطاع الخاص وتمثله الغرف والاتحادات التجارية، والعمال وتمثلهم النقابات والاتحادات العمالية، ومن دون شك فإن جميع المواطنين والوافدين يتعاملون مع القطاع العام ويشعرون بوجوده والخدمات التي يوفرها ويقدمها لهم، كذلك يتلمسون حضور السلطات من خلال القوانين والأنظمة التي تدير مختلف شؤون حياتهم، وتطبق عليهم ولصالحهم الضوابط والأنظمة التي تسّير شؤون الدولة، فيما يشعر العمال في مختلف المؤسسات والشركات والمصانع بدور النقابات والاتحادات العمالية التي يختارون الالتحاق بها طواعية وحرية تامة، فهي تتبنى قضاياهم وتتولى الدفاع عن حقوقهم التي يطالبون من خلالها بتحسين ظروف عملهم ورفع مستويات أجورهم ورواتبهم، كذلك تمثلهم في المؤتمرات داخل وخارج البحرين، وتوفر لعم التدريب والتنظيم المهني الذي يحمي حقوقهم، وكان انجازاتها، موافقة جلالة الملك المعظم على منحهم إجازة يوم العمال العالمي الذي يصادف الأول من مايو من كل عام.

لكن كثيرون لا يعرفون ما الذي تقدمه غرفة تجارة وصناعة البحرين من إنجازات وخدمات لطبقة التجار وأصحاب الأعمال وحملة السجلات التجارية من خدمات وفوائد، فضلاً عن ما يعود على الشعب والمجتمع في البحرين من مردود إيجابي، والحقيقة هي أن نسبة كبيرة من المسجلين في عضوية هذه الغرفة تنطبق عليهم مقولة “مجبر أخاك لا بطل” ففي جميع المؤسسات والجمعيات والنقابات والاتحادات النوعية في العالم يكون الانضمام إليها والحصول على عضويتها اختيارياً، فيلجأ اليها ويختارها الأعضاء حسب شعورهم واقتناعهم بدور هذه المؤسسات في الدفاع عنهم، إلا في حالة الغرفة.

لكن الوضع مختلف جداً مع غرفة تجارة وصناعة البحرين التي يجد حَمَلة السجلات التجارية وأصحاب المشاريع من المواطنين وحتى الوافدين الراغبين في مزاولة العمل التجاري في البحرين، أنفسهم مجبرين على عضويتها دون أن يكون لهم في الأمر حق الإختيار والقرار ، وربما يصبحون أعضاء بها من دون معرفة بذلك، خاصة انهم يدفعون رسوم العضوية عند استخراج او تجديد السجل التجاري، وربما من دون أن يقال لهم إنهم قاموا بدفع تلك الرسوم.

والغريب أن هذه الغرفة التي تأسست في العام 1910 باسم “مجلس التجار”، ثم أصبحت تعرف بـاسم “المجلس العرفي” عام 1920، وتغير اسمها مرة ثالثة ليصبح “غرفة تجار البحرين” في عام 1928، قبل أن تستقر في التعديل الرابع على الاسم الحالي “غرفة تجارة وصناعة البحرين” في العام 1939، قد أصبحت مثل “بيض الصعو” تسمع بذكرها لكنك لا ترى لها فعلاً ولا أدواراً تتقاطع مع مصالح المواطنين، وكأنها وجدت كما تشاء وكيف تشاء، فلا هي تقدم منح دراسية للطلبة بشكل منتظم، ولا هي تطالب بفرض نسب بحرنة على الشركات المختلفة، ولا تقدم دراسات وندوات إقتصادية حقيقية ومؤثرة، أو تساعد وتحتوي مؤسسات المجتمع المدني، ولا حتى تلك العاملة في مجال المال والأعمال، حتى أصبحت وكأنها مؤسسة ضريبية، أو مركز مالي مهمته الرئيسية تجميع وتكديس الأموال حيث تقدر ميزانيتها بالملايين من دون حضور يذكر.

لقد تجاوز عمر الغرفة منذ تشكيلها الأول 115 عاماً، وتجاوزت منذ تشكيلها الرابع والأخير 86 عاماً حتى الآن، لكن القطاع التجاري اليوم لايشعر بوجودها وبدورها وتأثيرها الإيجابي في حياة أصحاب الأعمال، إلا اذا اعتبرنا الرسوم المفروضة على جميع حملة السجلات التجارية، من خلال العضوية الالزامية دون أن يكون لهم في الغرفة ” ناقة ولا جمل” عملاً إيجابياً وهو ليس كذلك، واذا كان بعض التجار يحتاجون إلى ختم واعتماد بعض الأوراق والمستندات الرسمية من الغرفة لاستكمال أعمالهم التجارية وخاصة عند القيام بعمليات الاستيراد والتصدير، فإنهم يدفعون مقابل ذلك الرسوم والتكاليف بالوفاء والتمام ومن دون نقاش، رغم أن أكثر من 90% من أصحاب السجلات التجارية أي جلهم لا يحتاجون إلى خدمات الغرفة أبداً، لكنهم مجبرون على الانضمام إليها، وعلى تسديد رسوم عضويتها من دون أي مبرر أو منفعة تذكر.

قلة من التجار وربما نخبة من كبار رجال الأعمال والتجار المهتمون بالبريستيج، يهيمنون على مجلس إدارة الغرفة المكون من 18 عضواً ومكتبها التنفيذي المشكل من7 أعضاء من بينهم، وهم الذين يتحكمون في كافة القرارات الصادرة عنها، يقتسمون المنافع والمصالح فيما بينهم، ويوزعون التمثيل والمشاركة في لجان الغرفة واللجان المشتركة مع الوزارات والجهات الرسمية، ويتقاسمون عضوية مجالس إدارات الهيئات الرسمية (مقابل مالي مجزي حتى أن بعضهم لا يغدوا بحاجة إلى ممارسة العمل التجاري اصلاً ، اذا ضمن مكافآت مالية مجزية تصله بسبب عضويته في أكثر من مجلس ادارة) علاوة على المشاركة المدفوعة الثمن غالباً في الوفود والمؤتمرات والمعارض داخل وخارج البحرين، أما بقية التجار من أعضاء الغرفة فإنهم بلا حول ولا قوة، يدفعون بصمت ويتحلطمون على الفاضي ولا حياة لمن تنادي.

وفي كل 4 سنوات يتجدد مشهد الإنتخابات لمجلس الإدارة الذي كان كثير من التجار يتوافدون عليه للمشاركة في إختيار من يمثلونهم في قيادة الغرفة على مدى أكثر من ثمانية عقود، لكن انتخابات الغرفة أصبحت أخيراً صورية، وخاصة خلال الدورتين الماضيتين بعد أن تم رفع نسبة تصويت كبار الشركات من أصحاب رؤوس الأموال فضاعت أصوات أغلبية التجار وصار وجودهم وغيابهم سيان، لقد أصبح قلة من التجار يوزعون الغنائم فيما بينهم، حتى أن الانتخابات التي جرت في العام 2022 فازت بمقاعدها الكتلة الرئيسية بالكامل وبدون أي حصول اي اختراق من قبل المنافسين حسب الخطة المرسومة والمفصلة بدقة.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في دور الغرفة وآلية عملها وإدارتها، وحتى طريقة الانتماء إليها، فإذا كانت اتحادات العمال تُنتخب من خلال وفود النقابات العمالية، فإن بالامكان اختيار وتشكيل مجلس إدارة الغرفة من خلال ممثلي الجمعيات المهنية التجارية، حتى تصيح مجالس الادارات أكثر تمثيلاً لمختلف القطاعات التجارية والاقتصادية والصناعية، وحتى لا تهيمن على الغرفة فئة صغيرة تعمل على حماية وتضخيم مصالحها فقط،
من جهة أخرى، إن هناك حاجة ماسة لإعادة النظر في الزامية العضوية بالغرفة، وتركها حرة واختيارية، خاصة بالنسبة إلى صغار المؤسسات والشركات (واحد عنده خباز، او حلاق، أو محل لبيع الخضروات ما هي حاجته لعضوية الغرفة)، هذه الفئة التي تعاني الأمرين من الرسوم والضرائب وشح الموارد وركود الأسواق ومنافسة الوافدين الذين باتوا يسيطرون على أهم مفاصل السوق.

إنها صرخة استغاثة نوجهها باسم المؤسسات البحرينية الصغيرة والمتوسطة التي بدت في الإغلاق واحدة إثر أخرى، بسبب ما تعانيه من سوء الأوضاع الإقتصادية، علاوة على أن أصحابها محرومون من كافة العلاوات والمساعدات الاجتماعية التي توفرها الدولة للمواطنين، باعتبارهم “تجار” حتى لو كان نشاطهم (دكان سمبوسه أو محل تصوير رأسماله 50 دينار) بينما هم يعانون الأمرين من إرتفاع التكاليف والأعباء المالية من إيجارات ومصروفات وكهرباء وضرائب وأجور عمالة، ما يضطر الكثير منهم إلى الهروب من المهنة واللجوء لتأجير السجلات التجارية الخاصة بهم لتحاشي مقصلة القوانين والأنظمة التي تلاحقهم، بينما إدارة غرفة التجارة لا تدري بهم ولا تهتم بمشكلاتهم، لكنها تلاحقهم بالزامية سداد رسوم عضويتها التي تزيد الطين بِلة.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في النظام الانتخابي للغرفة برمته، والعمل على تعديل القانون الخاص بها واللائحة الداخلية أيضاً، كما حان الوقت لبحث ربط العضوية بالمهنة الخاصة بالعضو، وليس بالسجل الذي يمتلكه، وأن لا يتم ربط عدد الأصوات المقررة لكل عضو بحجم رأس مال شركته ومؤسسته، على أن يصبح من حق كل من يمتلك سجل تجاري أن يتقدم لطلب العضوية في الغرفة باعتبارها “نقابة خاصة بالتجار” أو الالتحاق بالاتحاد التجاري الخاص بهم، كما يمكن دراسة تطبيق التعددية في هذا القطاع الهام (على غرار التعددية المعمول بها في القطاع العمالي ) بحيث يحق لكل قطاع تجاري تأسيس غرفته الخاصة التي تدافع عنه وتحمي مصالح المنتمين إليه والمشتغلين فيه، والله من وراء القصد، وللحديث صلة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى