قد حان وقت المراجعة -20

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

كلما اقترب السادس عشر من ديسمبر ارتفعت الآمال بقرب الانفراجات السياسية، وعودة الفرصة لاطلاق ديناميكية جديدة للمصالحة والتسوية تخرج البلاد والعباد من تداعيات أزمة فبراير 2011 المريرة التي عصفت بالبلاد، وزرعت الشقاق والفراق بين مكوناتها، حين انقسم المجتمع إلى سماطين الأول يمثل المعارضة في دوار اللؤلؤة، والثاني يمثل الموالاة في ساحة جامع الفاتح، كانت تلك إحدى أخطر اللحظات التاريخية الفاصلة التي مرت على البلاد وكادت أن تودي إلى ما لا يحمد عقباه، لو لا لطف الله وعنايته الكريمة.

أكثر من 14 عاماً ولا تزال تلك الذكرى المؤلمة تلقي بظلالها على كل مناحي الحياة، شباب في مقتبل العمر خسروا الكثير من أحلامهم في المنافي القسرية والهجرات القاسية، بعضهم توفرت له الفرصة للزواج والاستقرار المؤقت، فأسس أسرة صغيرة لم ير أفرادها أرض الوطن الذي تنتمي إليه، ولم تلامس أيادي أبناءه تراب مملكة البحرين الطاهر، لكنه علمهم بأن انتماءهم وولاءهم لهذه البقعة المباركة من أرض الله الواسعة، وأنهم بحرينيون بالولادة والإرادة، وهكذا بدأت محبة وطنهم البحرين تتنامى في صدورهم وتزداد الرغبة لديهم في العودة إلى أرض الأباء والأجداد الذي لم يروه على أرض الواقع.

حُلم راود الكثير من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين والمهجرين والمغتربين في المنافي البعيدة والقريبة من لبنان إلى إيران والعراق وأوروبا واستراليا ونيوزلندا وكندا وأميركا وغيرها من بلاد الدنيا، حيث يغيب في بعضها الدفئ وتغيب الشمس في بعضها الآخر، بينما يتلاشى الإحساس بالانتماء وتضيع الهوية بالنسبة إلى جيل الأبناء، في حين يرتفع منسوب الأمل في لحظة صفاء وجدانية تحمل الإباء وأسرهم على بساط الريح وتحط بهم على أرض الوطن الذي سمع الابناء عنه الحكايات، واشتاقوا له في الأمسيات والنهارات، من دون أن تتهيئ لهم الفرصة لتحقيق أحلامهم الصغيرة، وها هم رغم كل شيء يتفاخرون به يسعدون بالانتساب إليه، ويختارونه وطناً يسكن قلوبهم ويحملونه معهم أينما حطوا أو إرتحلوا، ومهما حملوا من جوازات سفر وجنسيات يبقى بالنسبة إليهم هو الأصل وهو الأرض التي عشقوها من دون أن يعرفوها.

أمنية أباءهم أن يتمكنوا من منح أبنائهم جنسيتهم البحرينية، وأن تتهيأ لهم الفرصة للعودة الآمنة إلى مسقط رأسهم، في تلك المدن والقرى التي نشأوا وترعرعوا فيها، فمتى تنتهي محنة الغربة الاغتراب والعذاب، وتعود الطيور المهاجرة إلى أعشاشها الآمنة، وهي تحتضن أطفالها تحت أجنحتها، عشرات الأبناء من البنين والبنات لا يزالون ينتظرون الفرج، ويتطلعون إلى صدور عفو عام شامل عن آبائهم، يمسح على قلوبهم المكلومة والموجوعة من لوعة فراق الأهل والأحبة،.

أمنيات كبيرة صادقة لا يعبر عنها كثيرون علنا، لكنها تسكن في أعماقهم في صمت وحزن وأناة، يعرفون بأن لا أحد يستطيع تحقيقها سوى صاحب القلب الكبير جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، يتطلعون إلى لحظة مشابهة لتلك اللحظة التي أطلقها قبل ربع قرن من الزمان مشروعه الإصلاحي الكبير، فبلسم الجراحات وأغلق المنافي، فعاد المغتربون إلى وطنهم معززين مكرمين، فهل يكون السادس عشر من ديسمبر 2025، نقطة إنطلاقة جديدة تلم الشمل وتجمع الأهل مع أبنائهم، ثم يتحرك بعدها قطار المصالحة والتسويات ليخرج البحرين من الأجواء المأزومة الخانقة، أمل يُراود الجميع وما ذلك على شيم وكرم جلالة الملك حفظه الله ورعاه ببعيد.

إن أول وأهم الخطوات التي يمكن أن تكون نقطة إنطلاق تزرع الأمل في نفوس المغتربين والمهجرين يمكن أن تأتي من خلال إنشاء وتأسيس إدارة خاصة بمتابعة شؤون المغتربين في وزارة الخارجية البحرينية، تَشرع فوراً في إجراء مسح كامل وتعداد وإحصاء شامل لأعداد المغتربين والمهجرين من أبناء البحرين في كافة دول اللجوء والاغتراب، إدارة تهتم بتسجيل وتوثيق حالات زواج البحرينيين التي تشكلت خارج الوطن، مهما كانت جنسيات رفيقات العمر اللواتي أصبحن أمهات للأجيال الجديدة من البحرينيين المولودين في دول الاغتراب والهجرة.

وعلى أن تتكفل هذه الادارة بإصدار وثائق رسمية وجوازات سفر وهويات وطنية لأبناء البحرين المغتربين وتوفر لهم الرعاية اللازمة والعناية المطلوبة حتى تغرس في قلوبهم حب الوطن والشعور بالانتماء اليه، وحتى تهيئ لهم الفرصة للعودة إلى الوطن عندما تصبح الظروف مناسبة، وفي حال تأخر التسويات، تمكنهم من العيش بكرامة وبدون خوف من المستقبل المجهول، كل ذلك ممكن أن يكون خطوة على طريق العودة والارتماء في أحضان الوطن من خلال توجيه كريم يصدر من جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وهو الحريص على أبناء البحرين أينما كانوا، تلك ستكون بادرة طيبة تساهم في تهدئة النفوس المضطربة وتمهد الطريق لتسويات كريمة، وخطوة على طريق تفكيك الأزمة وإيجاد الحلول لها، والله من وراء القصد، وللحديث تتمة.

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى