
التوازن المطلوب… لتعديل الوضع المقلوب
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
ثلاثة أسماء نيابية تبوأت مقعد الرئاسة في مجلس النواب البحريني حتى الآن، على رغم مرور خمسة فصول تشريعية امتدت طوال عشرون عاماً، منذ عادت الحياة النيابية للبلاد بعد انقطاع دام أكثر من ربع قرن إثر تعطل التجربة البرلمانية الأولى عام 1975.
كان السيد خليفة الظهراني أبرز الوجوه حضوراً فإحتفظ بمنصب الرئيس من دون منازع ثلاثة فصول تشريعية متواصلة في الفترة 2002 – 2014، ثم تولى السيد أحمد الملا رئاسة مجلس النواب لدورة واحدة في الفصل التشريعي الرابع 2014 – 2018 ، ومثله صعدت السيدة فوزية زينل لسدة الرئاسة فصلاً تشريعياً واحداً فقط خلال الفترة 2018 -2022.
ومن المؤسف له حقاً أن مجلس النواب قد شهد في الفصول التشريعية الثلاثة الأخيرة هزات عنيفة وتراجعات دستورية غير متوقعة أثرت سلباً على شعبيته وإيمان المواطنين به، حتى تعالت الكثير من الأصوات تطالب بإلغائه وتعتبره ثقلاً اقتصادياً غير ذي جدوى، بعد أن كان البرلمان هو الحل شعارٌ تردده حناجر الكثير من المتظاهرين خلال فترة التسعينات الحامية الوطيس.
وما فاقم المأساة التي توشك على التحول إلى ملهاة تراجيدية كئيبة، أن مجلس النواب خلال الفصلين الرابع والخامس كان ملكياً أكثر من الملك كما يقال، فقد تطوع النواب بالتصويت على تقليص صلاحياتهم، وكبلوا أنفسهم ومن سيأتي بعدهم عبر إلغاء بعض الأدوات الدستورية التي وضعها المشرع لتحقيق التوازن بين السلطات، وهكذا أصبح مجلس النواب غير مهاب ومن دون أظافر أو أنياب.
ولم يكتف مجلس النواب بالقيود التي وضعها على نفسه وأهمها جعل عمليات الإستجواب مستحيلة من خلال فرض تقليد جديد تحت مسمى (جدية الاستجواب)، حيث يجب أن يحظى أي استجواب بموافقة 27 نائباً، كما لم يكتف بالموافقة على منع المناقشات العامة وحصر مداولاتها في عدد محدود مع وضد موضوع المناقشة.
بل وصل بمجلس النواب إلى حد اجراء تعديل قانوني يحجم ويقيد المشاركة الشعبية في العمل الديمقراطي من خلال إصدار تعديلات قانونية تمنع كل من شارك في جمعيات سياسية سابقة تعرضت للحل من حق الترشح أو العمل السياسي والعمل الأهلي للأبد، على رغم أن هذه الجمعيات كانت مرخصة وفق القانون، وجميع اعضائها انضموا إليها علانية وليس في صيغ سرية أو مجهولة، كما شّرع مجلس النواب للدولة حق إلغاء أسماء المواطنين من كشوفات الناخبين في حال عدم المشاركة في دورة واحدة من الانتخابات العامة، وهكذا تكونت لدينا قوائم منع وقوائم عزل سياسي يقدر البعض بأنها تطال أكثر من 90 ألف مواطن.
لقد أدى سوء أداء النواب في الفصلين التشريعين الرابع والخامس إلى تحميل المواطن البحريني الكثير من الأعباء الاقتصادية والمعيشية، وخاصة ما يتعلق بالمتقاعدين وضريبة القيمة المضافة وإرتفاع الدين العام وتراجع برامج البحرنة وزيادة أعداد العمالة الوافدة، الأمر الذي فاقم من التراجعات على صعيد الحريات الإعلامية والديمقراطية.
إن كل ذلك يرفع من منسوب التمنى والتطلعات لدى المواطنين بأن يتمكن مجلس النواب في الفصل التشريعي السادس من إستعادة المبادرة والبدء في تعديل وتصحيح الأخطاء الكارثية التي إرتكبتها المجالس السابقة، وأولى الخطوات نحو تصحيح هذا المسار هي أن ينتخب المجلس هيئة مكتب متجانسة وفاعلة تستطيع أن تقود السلطة التشريعية بشكل متكافئ مع السلطة التنفيذية التي جددت شبابها ورؤاها بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الموقر حفظه الله ورعاه.
إننا كمواطنين معنيين بالمطالبة بأن يرتقي النواب إلى مستوى المسؤولية يختارون رئيساً قوياً متمكناً ونواب رئيس يتمتعون بالكفاءة والقدرة الإدارية المؤهلة لاصلاح الأوضاع، كما إن توزيع إدارات اللجان الدائمة في مجلس النواب يجب أن يعتمد على معيار الكفاءة والخبرة وليس معيار التوزيع الطائفي أو نظام المحاصصة الذي لا يراعي الحاجة إلى إستعادة هيبة المجلس ومكانته.
لقد آن للتجربة الديمقراطية أن تتطور وتنمو بدفع ذاتي ودعم رسمي يتمثل في أن تساند الحكومة اختيارات السادة أعضاء مجلس النواب الجديد وتعزز استقلاليتهم في الاختيار، وأن ترفع الغطاء عن أي شخص يدعي بأنه مدعوم أو مسنود من الجهات الرسمية، فإذا حدث ذلك تعززت الثقة في المجلس من جديد حتى يتحقق المطلوب ويعتدل الوضع المقلوب في طريقة تعاطي مجلس النواب، ويصبح المواطنون قادرون على محاسبة نوابهم ومراقبة أدائهم ومعاقبة المقصر منهم، والله من وراء القصد.



