لا شيء يبقى إلى الأبد

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

سقط الأسد وانتهت أيامه فلا شيء يبقى إلى الأبد، رغم أن أنصار حزب البعث في سوريا كانوا يرفعون شعار ” قائدنا إلى الأبد الرئيس حافظ الأسد”، لكنهم عندما حانت لحظة المنية الحتمية في 10 يونيو 2000، وخافوا التشتت والضياع تفتقت عبقرياتهم عن إجراء تعديلات دستوري شيطانية، خُفض بموجبها سن الترشح لمنصب الرئيس من 40 سنة إلى 34 سنة ليتوائم مع حاجتهم ومخاوفهم، وبعد شهر واحد فقط تم إختيار الأسد الإبن ليكون رئيساً بديلاً لأبيه في 10 يوليو 2000، وهكذا حافظت الطبقة الحاكمة في سوريا على مصالحها وفلسفتها وشعارها، واستمرت تعيش في فقاعة الخلود ووهم الأبدية، وبعد عشرين سنة من تلك البدعة الدستورية إنهار النظام الحديدي وفر بشار الأسد تحت جنح الظلام خوفاً من القتل والانتقام غير عابئ بوحدة بلده وسلامة شعبه.

لست من المهوسين بالشماتة والتشفي كما فعل كثير من النشطاء الذين سرعان ما انقلبوا على أعقابهم، وأعلنوا فرحتهم بسقوط النظام السوري، فبقاؤه أو رحيله يقرره الشعب السوري من خلال إنتخابات نزيهة تقوم على تداول السلطة، لكن ذلك لم يحدث فكثرت المغامرات والدسائس والتدخل حتى تم حشره في زاوية ضيقة فانهار وانتهت أيامه، كثيرون كانوا ينظرون للنظام السوري الساقط بشيء من الايجابية في عدة نقاط من أهمها موقفه العروبي الداعم للشعب الفلسطيني، والمساند لكافة حركات التحرر العربية وأولها المقاومة الإسلامية في لبنان.

ويحسبون له أيضاً رفضه الإعتراف أو التطبيع مع العدو الصهيوني رغم شراسة الضغوط التي مورست عليه، (ربما لو فعل ذلك لضمن البقاء كما بقي غيره) هذا علاوة على فتح أبواب سوريا لجميع المواطنين العرب من دون تأشيرة والترحيب بهم في الجامعات والمستشفيات بدون قيود، إضافة إلى أن سوريا تحت حكمه كانت قد حققت الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية الرئيسية، والتعليم والتطبيب المجاني للجميع، واحتضنت جميع الإثنيات والاعراق، وحمت الاقتصاد من الديون للمؤسسات المالية الدولية والصهيونية على وجه الخصوص، لكنه للأسف أغفل أمراً أساسياً وهو تحصين الجبهة الداخلية من خلال تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي والعمل على نشر العدالة والمساواة وتنفيذ سياسة تداول السلطة التي يقوم عليها النظام الجمهوري، فتحول إلى نظام وراثي ضيق الافق.

إن ما حدث لنظام الأسد، يجب أن يرسل رسالة واضحة إلى جميع الحكام والأنظمة السياسية في الدول العربية، رسالة مفادها بأنهم ليسوا بمنأى التغيير والاستبدال مهما طالت أيام حكمهم، وسواء انسحب بشار الأسد من الحكم بسبب الوهن والهزيمة الداخلية، أو نتيجة قناعة واقعية بعدم جدوى تعريض سوريا للمزيد من الدمار والقتل، أو كان ذلك بسبب أنهيار المنظومة العسكرية وعدم استعداد الجيش للقتال بعد أن استنزفت موارده ومعنوياته نتيجة الحصار، فإن رحيله من دون عنف وصدام دامٍ مع الجماعات المسلحة التي شنت هجوماً واسعاً على نظامه، قد جنب سوريا وشعبها المزيد من الكوارث وشلالات الدماء حتى الآن، لكن القادم خطير، ومن دون شك فإن الأيام حبلى بالكثير من الألغاز والخفايا التي ستنكشف قريباً.

لقد أدى انهيار النظام السوري إلى فتح شهية دولة الاحتلال الصهيوني وجيشها لمزيد من العربدة والانتقام والعمل على تحقيق حلمها ” إسرائيل الكبرى” الأمر الذي يطرح الكثير من الأسئلة على الحكام والأنظمة العربية التي لا تزال قائمة لسبب أو لآخر، ماذا لو قررت أميركا وربيبتها الصهيونية التوسع في اعتداءاتها على من تبقى من أنظمة الحكم في الدول العربية، وشرعت في تنفيذ خطتها لاحتلال الأردن وإبتلاع لبنان والكويت ونصف العراق ونصف سوريا ونصف مصر ونصف المملكة العربية السعودية، ضمن مشروعها التوسعي، هل أن دولنا تمتلك خططاً لمواجهة هذه المشاريع الاحتلالية، وإذا حدث ذلك- لا سمح الله- هل سيستمر المنتشون العرب في الابتهاج لسقوط نظام الأسد؟ وقبله سقوط النظام العراقي والنظام التونسي والنظام الليبي؟ واهتزاز العديد من عروش الأنظمة العربية الأخرى التي لا تزال تراهن على التحالف مع أميركا وتسايرها في مشاريعها التطبيعية مع الصهاينة.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في جميع إتفاقيات الدفاع العربي المشترك والأمن الموحد والاقتصاد العربي المريض، باتجاه تمتينها وتقويتها، وإعادة تقويم اتفاقيات وتحالفات الدول العربية مع الدول الأجنبية الكبرى والمراجع عن السيئة منها، وأهمها الاتفاقيات الإبراهيمية التدميرية، فما فعله الجيش الصهيوني من اعتداء واسع وسريع ضد مقدرات الجيش العربي السوري، بما في ذلك قصف المطارات والقواعد العسكرية والعتاد الحربي ومراكز البحوث الاستراتيجية، وإطلاق سلسلة من الاغتيالات الإرهابية ضد العلماء والمفكرين في سوريا، يخبرنا أن هذا الكيان لن يرحم أحدا، وأنه اذا تمكن أكثر سيتفرغ لإذلال الجميع، فهل تنتظرون تلك اللحظة أن تأتي؟

إنها لحظة مرة من لحظات الحقيقة التي يجب على أنظمتنا العربية دراستها وأخذ العبر والموعضة منها، والبدء في تقوية جبهتها الداخلية من خلال تعزيز الشعور بالمواطنة العادلة والانتماء المتين، والبدء في نشر المزيد من الحريات والديمقراطية والشراكة السياسية والمجتمعية، حتى لا يتم استغلال أحد أو جماعات إثنية أو مكونات مجتمعية أو تنظيمات سياسية للإطاحة بأي من الأنظمة العربية، كما حصل مع الأسد وغيره من الأنظمة التي توهمت بأنها باقية إلى الأبد.

لا شيء يبقى إلى الأبد، حتى وإن بدت الصورة هادئة وردية ومطمئنة، وكان الصمت والسكينة سيدا الموقف، فإن ما يحيكه الأعداء في الخفاء يبعث على الخوف ويثير الهواجس، وينبئ بزوال دول وأنظمة من على الخريطة السياسية الدولية ضمن المشروع الشيطاني المسمى “الشرق الأوسط الجديد”، وليس ذلك ببعيد، فإلى جانب خارطة “إسرائيل الكبرى” كلنا نتذكر خرائط تقسيم المنطقة التي انتشرت قبل أعوام والتي تستهدف تفتيت الدول العربية وخاصة الدول الكبرى فيها إلى دويلات صغيرة يسهل التحكم فيها والزج بها في أتون المعارك والنزاعات الطائفية والإثنية وحروب الإبادة، وليست تجربة غزة عنا ببعيد، فإذا انتقلت حروب الإبادة إلى دولنا الأخرى، وتم الاستفراد بها كل على حدة، عندها لن ينفع الندم، فلا شيء يبقى إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى