التحضير لانتخابات البحرين 2026 – 5

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

سنتحدث في هذا المقال عن الهدف الأول من مجموعة الأهداف التي شخصناها في المقال الأول من هذه السلسلة التي تناقش أهمية التحضير المختلف لتكون انتخابات العام 2026 نقطة تحول استراتيجية في بناء العملية السياسية والديمقراطية البحرينية، وجاء ذلك الهدف بعنوان “تعزيز مؤسسات النظام الملكي الدستوري”، ومن دون شك فإن البحرين قد شهدت تطوراً دستورياً لافتاً مع بداية عهد الإصلاح الذي دشنه جلالة الملك المعظم حفظه الله عندما اتخذ قراراته الجريئة بعودة الحياة التشريعية وتحويلها إلى نظام المجلسين (مجلس شورى ومجلس نواب) ليُطلق بذلك عهداً جديداً من المشاركة الشعبية في إدارة شؤون البلاد، بعد انقطاع التجربة البرلمانية طوال أكثر من ربع قرن من الزمان.

ولم يكتف جلالة الملك المعظم بإعادة مجلس النواب إلى جانب مجلس الشورى الذي تأسس في العام 1992، بل أقر إعادة الانتخابات البلدية بعد انقطاع طويل، حيث أفرد مجلساً بلدياً مستقلاً لكل محافظة من محافظات البلاد، ثم أطلق ورشة إصلاحات مؤسساتية كبيرة عملت على إستكمال كافة مؤسسات الملكية الدستورية على صعيد السلطة القضائية والسلطة التنفيذية إلى جانب مؤسسات السلطة التشريعية، ثم أضاف لتلك المنجزات إنشاء ديوان الرقابة الإدارية والمالية، في عملية بناء مؤسساتية منظمة ومدروسة تسابق المراحل الزمنية اللازمة لهذا التحول نحو الدخول في عهد الملكية الدستورية الموعودة.

لقد كانت بداية واعدة جداً لم يتم استيعابها والبناء عليها بالشكل المطلوب من قِبل جميع أطراف العملية السياسية، ولا بد من الاعتراف بأن التردد والتشكيك وسوء الظن الذي رافق تلك التحولات قد أثر بشكل سلبي في الإستفادة من ذلك التحول الذي فاجئ كثيرين، وأضيف إلى ذلك رفع سقف المطالب الذي مارسته بعض القوى السياسية المختلفة، سواء تلك التي خرجت للعمل بعد عقود من العمل السري تحت الأرض، أو تلك التي اضطرت لتشكيل نفسها والانتظام في تيارات سياسية بدون جذور عقائدية وتاريخية، ولم تكن تمتلك التجربة اللازمة للتعاطي الإيجابي مع التحولات المتسارعة، الأمر الذي أدى إلى عرقلتها وإبطاء تأثيراتها على الحياة العامة، مما أتاح الفرصة الملائمة للحرس السياسي القديم في إستيعاب المتغيرات، والعودة السريعة إلى السيطرة على أغلب المؤسسات الرسمية وفرملة حركة التغيير نحو الملكية الدستورية.

واليوم يمكن القول بكثير من الثقة إن مملكة البحرين لا تفتقر إلى المؤسسات الملكية الدستورية، فلقد تم إستكمال وتأسيس العديد من مؤسسات الدولة خلال ربع القرن الماضية، لكن أغلب هذه المؤسسات لا تؤدي العمل المنوط بها بالشكل المطلوب والمستوى الذي يساهم في رفع الأداء ويسرع من عملية التحول للملكية الدستورية المنشودة، وذلك عائد إلى هيمنة الفكر القديم والثقافة الإدارية القديمة على قيادة هذه المؤسسات، الأمر الذي يجعلها مؤسسات وهياكل جميلة تنقصها الإرادة وفلسفة الحكم الحديثة القائمة على تعزيز الشراكة المجتمعية، وتدوير الكفاءات واستبدالها بقيادات جديدة قادرة على تطوير العمل في هذه المؤسسات.

كما أن التيارات السياسية والتحركات المجتمعية مطالبة هي الأخرى ببذل المزيد من الجهود للتعاطي الايجابي مع هذه المؤسسات، وبناء جسور من الثقة والقبول بالدخول معها في شراكات حقيقية تُعزز من قدرتها على التحول والتطور وتفعيل هذه المؤسسات الملكية الدستورية، بدل التشكيك والطعن فيها وفي أدائها، بل والعمل على تجسير الهوة بينها وبين المواطنين المحتاجين إلى التعامل معها، وفي المقابل فإن القيادات المجتمعية القديمة الطراز مطالبة بالتنحي وإتاحة الفرصة لقيادات جديدة وشابة قادرة على التعامل مع القيادات الرسمية الجديد التي بدأت في تولي المسؤولية في هذه المؤسسات بقيادة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الموقر.

لقد باشرت الحكومة في تجديد شبابها وإدخال العديد من العناصر الشابة إلى وزاراتها ومؤسساتها، ولابد من الإعتراف بأنها بذلك قد استبقت التيارات السياسية العريقة والحديثة في البلاد بمراحل، الأمر الذي يفرض على هذه التيارات التوقف وإجراء عمليات تقويم وترميم حقيقية للمؤسسات السياسية الخاصة بها او تلك التي تنشط فيها، والعمل على اللحاق بالحركة السريعة التي دشنتها الحكومة والتماهي معها، فإذا حدث ذلك فإن مملكة البحرين ستتمكن من إصلاح المؤسسات الملكية الدستورية وتفعيلها بشكل متوازن ومنتج، فهل تنجح المؤسسات السياسبة الشعبية في تغيير نهجها والتأقلم مع المستجدات الرسمية من أجل التعاطي مع هذه المؤسسات بشكل ايجابي وللحديث صلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى