التحضير لانتخابات البحرين 2026 – 2

بقلم محمد حسن العرادي – البحرين

أصبحت البحرين دولة مستقلة ذات سيادة منذ العام 1971، وتم قبول عضويتها في جامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة، وخلال الأعوام التي تلت الإستقلال، استكملت الدولة مؤسساتها وأجهزتها وترسخت كنظام متكامل، وقد امُتحنت البلاد في الكثير من الهزات السياسية التي مرت عليها خلال العقود الماضية، وكان أبرز تلك الأحداث السياسية التي أصبحت تاريخاً محفوراً في الذاكرة، التحركات العمالية والطلابية في السبعينات، ثم الأحداث السياسية التي صاحبت قيام الثورة الإسلامية في إيران، وجاءت بعد ذلك أحداث التسعينات التي اندلعت في أعقاب حرب تحرير الكويت، والمطالب الشعبية بعودة الحياة البرلمانية وصولاً الى أحداث ما سمي بالربيع العربي في فبراير 2011 والتي لم تنته تداعياتها بعد.

لكن الدولة والنظام السياسي في البحرين إجتاز جميع تلك الهزات والأحداث، وتمكن من السيطرة على مجرياتها وتداعياتها، وأدارها بعزمٍ وحزم وصل في كثير من الأحيان إلى تشديد القبضة الأمنية على سائر التيارات السياسية والإجتماعية التي قادت أو شاركت في تلك التحركات والأحداث، وبعيداً عن أية ملاحظات أخرى، فإن النظام قد خرج من جميع هذه الصدامات متماسكاُ وقوياً وثابتاً، ولم يتزعزع أو ينكسر أو يشهد أي نوع من التهديد الجدي، الأمر الذي يطرح مجموعة من الأسئلة عن جدوى الإستمرار في تطبيق القبضة الأمنية والتشدد في التعامل مع مؤسسات المجتمع المدني، ومدى الحاجة الفعلية إلى فرض رقابة مبالغ فيها على أنشطتها وتحركات قادتها والفاعلين بها، وصولاً إلى منعهم من المشاركة في الإنتخابات والترشح لمجالس إدارات الجمعيات الأهلية الخاضعة للقانون والملتزمة به.

لقد نجحت الدولة في بسط سيطرتها وسطوتها المطلقة وتثبيت أركانها وفرض سلطانها التام على جميع التيارات والأفراد، من مختلف الإتجاهات السياسية والفكرية، ولم يعد هناك ما يهدد الأمن والنظام العام، وإن وجد من يشكل خطورة ما فإن لدى الدولة من القوانين والقرارات ما يمكنها من ضبطه ومحاسبته وتطويقه، بل وإنزال أشد العقوبات به، لذلك فإن الوقت قد حان لأن تتصرف الدولة وأجهزتها بثقة كاملة واطمئنان، وتتيح قدراً ومساحة أكثر اتساعاً وحريةً لتحرك الأفراد والجمعيات والمكونات المجتمعية، بل وتشجيعهم على الإنخراط في الحياة العامة وتحقيق الشراكة المجتمعية الكاملة للمساهمة في دعم التنمية على كافة المستويات.

لقد آن الأوان للتوقف عن سحب وتقييد صلاحيات المؤسسات التشريعية والدستورية، وخاصة المجالس المنتخبة (النواب والمجالس البلدية) بل وتعزيز الثقة في كافة مؤسسات المجتمع المدني ودعم مساهمتها في الحياة العامة كل في اختصاصه ومجاله من باب المسؤولية المجتمعية، وبما يساهم في تعزيز الرقابة الشعبية وتكريس مبادئ الحوكمة والشفافية والنزاهة والتنافسية الشريفة المبنية على الكفاءة وليس على الواسطة والنسب والإنتماءات الفرعية، ودون شك فإن ذلك سيساهم في خلق كوادر وطنية أكثر ولاء وإنتماء للوطن، تَنذُر نفسها لرفعتها وتعزبز مكانة البلاد بين الأمم.

إن ذلك يتطلب إجراء مراجعة حقيقية للأنظمة واللوائح الانتخابية وإعادة رسم الدوائر بما يعزز فرص الكفاءات وأصحاب الخبرة ويشجعهم على المشاركة في العملية الديمقراطية بعيداً عن الاستهداف والتدخل والإقصاء، فالمواطنين قد بلغوا سن الرُشد وأصبحوا قادرين على الإختيار والتمييز بين من يريد خدمتهم ومن يريد استغلالهم والتسلق على رقابهم، في حين أن الدولة تمتلك من القوانين والإجراءات والضوابط ما تستطيع من خلاله الدفاع عن وجهة نظرها وأداء مؤسساتها، عبر الإقناع وتقديم المنجزات التي حققتها للبلاد والعباد طوال أكثر من نصف قرن منذ الإستقلال وحتى الآن، والتي لا يستطيع أحد نكرانها أو التغافل عنها.

وعلى المقلب لآخر لابد أن تتاح الفرصة لمن يجد في نفسه الكفاءة والمقدرة أفراداً وجماعات أن يمارس دوره الوطني الذي كفله له الدستور والميثاق للقيام بالبحث والتقصي وممارسة النقد البناء بهدف التصحيح والتقويم وتقديم المقترحات والمشاريع والقوانين والبرامج البديلة، للمساهمة في حل المشاكل والملفات العالقة أو تلك التي بينت تقارير الرقابة المالية والإدارية إخفاقات وتراجعات واضحة فيها، على أن يتم ذلك في جو من الحرية الفكرية والتنافسية عبر طرح مختلف الرؤى والمقترحات والأفكار عبر برامج حوارية مختلفة، بعيداً عن أية مضايقات أو تهديدات من أي نوع ومصدر، خاصة وأن قلوب المواطنين جميعاً على الوطن تراعيه وتسهر على حمايته وأمنه واستقراره وحماية مكتسباته ومنجزاته الحضارية وهي كثيرة.

إن الانفتاح بهذا المعنى وبناء وتعزيز الثقة بين المواطنين وإتاحة الفرصة لهم لتقديم أفكارهم وبرامجهم من خلال الجمعيات والتيارات السياسية والحزبية وكافة جمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بحرية تامة وفق الضوابط والمعايير المعمول بها، سيمنح الدولة خيارات وأفكار عديدة تستطيع اختبارها والإستفادة منها في تطوير التجربة الديمقراطية التي اعتمدتها البلاد بتوجهات صادقة من لدن صاحب العظمة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه حين دشن المشروع الإصلاحي لجلالته من خلال ميثاق العمل الوطني، وللحديث صلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى