
الحرب الاقتصادية الأميركية على سورية: تستعجل الحرب؟ ام تدفعها لتحزم امرها وتبادر؟ 1/2
ميخائيل عوض
العدوان والحرب الاقتصادية التي تصعدها أميركا نوعيا بالتوازي مع تصعيد أعمال التخريب والإرهاب في الجبهتين الجنوبية والغربية، بإسناد من الأردن وإسرائيل وقاعدة التنف، وتلزم لبنان بإجراءات لتزيد من تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية.
وفي السياق لعب الأردن ولبنان والسعودية دورا في تأمين الذرائع عبر فبركة تهم تصنيع وتهريب المخدرات” الكبتاغون”، ووظفت أجهزة إعلامية وجهات لبنانية وسعودية للغرض ذاته تمهيدا لإصدار قانون في الكونغرس الأميركي” اتهام سورية بتصنيع وترويج المخدرات”، أقسى من قانون قيصر ويستهدف القطاع الطبي والصناعات الدوائية التي ما زالت تعمل بكفاءة وتؤمن اليسير من العملات الصعبة النادرة لسورية، ولفرض قيود على تحويلات السوريين، ومنع سورية من استيراد حاجاتها، كل ذلك في سياق خطة تستهدف المزيد من تجويع الشعب السوري وزيادة الأزمات لتوتير القاعدة الاجتماعية للدولة، وإثارة الاضطرابات والقلاقل، ربما تمهيدا لعمل عسكري إسرائيلي بالتزامن مع تنشيط الجماعات الإرهابية لانهاك سورية واسقاطها، لتمرير مشروع تصفية القضية الفلسطينية وتأمين إسرائيل المأزومة والعاجزة في مواجهة المقاومة في الضفة وفلسطين ال48، وبين الأهداف عزل روسيا في المتوسط وتصفية مشروع الصين للطريق والحزام.
وتحاول أميركا ترميم صورتها التي اهتزت كثيرا وانكشفت عناصر الضعف والانحسار وفقدان وسائل العمل في سورية والاقليم، وظهور مؤشرات تحولات للتمرد عليها وتغير الأشرعة العربية إلى الشرق، بعد أن هزمت استراتيجياتها كلها على صخرة الصمود الأسطوري لسوريا،وقتال شعبها وجيشها الباسل في ظروف قاهرة، وعلى رغم الحصار والتجويع والتدمير الممنهج وسرقة الثروات والمصانع صمدت سورية وانتصرت مع الحلفاء، وتشكلت منصة تصعيد لروسيا وعالميتها ومكنتها من جرأة المواجهة وخوض الحرب الشاملة لدفن العالم الأنكلو ساكسوني وتوليد العالم الجديد.
وبين الأهداف خلق مزيد من التعقيدات والأزمات للقطاعات المأزومة أصلا، كالصناعة والزراعة والتجارة، وغالبها إما تعطل او يعجز عن تأمين الاحتياجات وقطع الغيار، وتفتقد قدرات المنافسة بسبب ارتفاع الأكلاف مع ارتفاع أسعار المشتقات النفطية وانهيار العملة الوطنية وندرة الطاقة الكهربائية…
بلغ السيل الزبى، والأزمة عصفت بكل شيء، الدمار شبه معمم، الكهرباء لبضعة دقائق، المحروقات مقننه والنقل مأزوم والحكومة والمؤسسات قلصت دوامها.
فهل تنجح أميركا وأدواتها وحلفها بتحقيق غايتها عبر تأزيم وتوتير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بتخليق اضطرابات اجتماعية في بيئة الدولة الاجتماعية؟ لتعويض هزيمتها في الحروب وأجيالها وفروعها المختلفة.
وتزداد الخطورة فيما يراه المتابعون من أن الحكومة واللجنة الاقتصادية في حال من الارتباك والقلق، والإحساس بالعجز، فالإجراءات التي اتخذت إما فلشت أو أعطت نتائج معاكسة لما أريد منها- سبق أن حذر خبراء من اعتمادها- فالوضع العام صعب ومعقد، فكيفما يممت وجهك وناظريك وأدرت أذنيك ستقرأ وتسمع وترى أثار الأزمة وعنفها.
ولأول مرة عند الناس، ناس الدولة والحزب والنقابات والمؤسسة العسكرية، لا هم عندهم إلا لقمة الخبز ونور يبدد الظلمة، وحفنة مازوت للتدفئة وإدارة آلات الإنتاج، وبنزين لإدارة محركات السيارات والدراجات.
الهجرة، هجرة الشباب والكفاءات ورؤوس الأموال والصناعيين والتجار والمهنين والعائلات، فحدث ولا حرج، ويملس تراجع الاهتمام بالمسألة الوطنية، ومحور المقاومة عند المأزومين عاجز أو متخلي، والحليف الروسي في انشغال بحروبه، والكلمة التي تتردد (يخلصونا)… “بدنا نعيش”.
وإذا حاولت أن تحيل الأزمة على الحرب والتدمير والاحتلالات والحصار، والحرب الاقتصادية الأميركية للتجويع، والأزمة العالمية ستقابل بابتسامات صفراء أقرب إلى الاستهزاء: بس علينا والذين يركبون أحدث موديلات السيارات، ويقيمون في مطاعم وفنادق الخمسة نجوم…
وإذا سألت ما السبب؟ سيذكرون لك كل ما تنشره المعارضة وإعلام العدو، ويزيدون من عندهم، ولن تقع على جواب واحد يدافع عن الدولة وقراراتها، فلا ترهق نفسك في سوق الحجج والذرائع التي يروجها الإعلام الغائب عن الناس والمنشغل بأمور وقضايا لا تعزف على أوتار أوجاعهم.
أما في الأسباب: فلا شك أنها الحرب والدمار والأكلاف العالية، والحصار القاسي والعقوبات العدوانية، وظلم ذوي القربى من الدول العربية المجاورة، واسوأهم لبنان وإجراءات حكومته والأمن العام، وتقنين الحلفاء لتقديماتهم وتقتيرها إلى ما دون الحد الأدنى..لماذا؟ لا جواب مقنع وبين الكلام والسطور المزيد من اشارات الاستفهام والمواطنون يحملون الحكومة واللجنة الاقتصادية واللوبيات والمحتكرين وعجز الدولة وفسادها المسؤولية، وتحولها من دولة رعاية إلى دولة الجباية وبوسائل وطرائق تذكر بأيام العصملي والانكشارية والمحصل دار والقراقوشيه….
في الواقع تتنوع الأسباب، ولا يمكن إبراء الحرب والمؤامرة والتدمير والاحتلالات وحرب التجويع والحصارات الظالمة، ولا إبراء للجهات المعنية وقراراتها وإجراءاتها التي بدل أن تضبط سعر الدولار عند ال2500 ليرة حلقت به إلى ما يزيد عن 6000 ليرة، وبدل توفير الحاجات أدت إلى فقدانها، وبدل تخفيض الأسعار ازدادت فلكيا، فهي في سوريا ضعفين إلى ثلاثة أضعاف ما هي عليه في بلاد الجوار، وبدل توفير السلع فقدت وأصبحت المخازن خاوية.
فهل ينجح المخطط الأميركي وتساق سورية إلى التوترات الاجتماعية؟ فتضعف مناعتها وتتقلص قدراتها على التحمل والصمود فتصبح لقمة سائغة للعدوان والتفكيك والتدمير.
في الواقع بلغت سورية ذروة الأزمات، ويزيد فيها العدوان الأميركي، فلأول مرة في تاريخها الحديث لا سيما في حقبة البعث والأسدين تقف على حافة الهاوية، وليس من بصيص أمل أو مخارج أمامها إلا تفعيل مبضع الجراح، والرئيس جراح عيون وهو الأمل الوحيد الباقي.
فهل يعمل مبضعه في البنية الداخلية ويحسم ويقود ثورة بيضاء-حركة تصحيح؟ أم يفعلها مع إسرائيل والاحتلالات وليس لدى سورية المدمرة والمفروض عليها الموت جوعا وبالفوضى والتدمير الإرهابي، ما تخسره ولديها القوة الصاروخية والعزيمة ومحور طالما أصدقنا القول والوعد، وما زال قادته يرددون أن القدس وفلسطين أقرب وأن أي حرب ستتحول إلى تحدي تحرير القدس وإزالة الغدة السرطانية، وتحرير الجليل قبل أو لحظة بدء الحرب ولسان حال السوريين والكثير من جمهور المقاومة في لبنان، ما نفع الصواريخ والمسيرات إذا لم تطعم الأطفال وبقيت أسيرة المخازن تنتظر الصدأ.
قالها الإمام علي ورددها الصحابي الثائر أبي ذر الغفاري: “عجبت لمن لم يجد قوت يومه ولم يخرج شاهرا سيفه”.
وإشهار السيف في حالتنا يتوجب في وجه حروب الحصارات والعقوبات ودولها الظالمة، وليس في وجه بعضنا البعض، فقد ملت السيوف من دماء الإخوة وأبناء الجلدة الواحدة وأديان التوحيد، وحان وقت أن تستل السيوف من إغمادها في وجه العدو المجرم.
فهل يستطيع السلاح الإشباع؟
يأتيك الجواب جازما بالإيجاب، ألم ينجح السلاح بتحقيق انتصار عظيم في ترسيم الحدود البحرية اللبنانية؟
ألم ينجح السلاح في تأمين المازوت والبنزين الإيراني وعبور الناقلات البحار وصولا إلى طرطوس من دون تحرش، لأنها رفعت العلم اللبناني؟
وماذا يمنع أن ترفع الناقلات العلم اللبناني وتشق البحار وتكسر الحصارات وتنهي حرب التجويع التي تستهدف سوريا ولبنان؟
ألم يقل ويكرر السيد حسن نصرالله ردا على تهديدات إسرائيل بتدمير البنى التحتية بالبنى التحتية والكهرباء بالكهرباء والتدمير الشامل بمخازن نترات الأمونيا ومفاعل ديمونا والبادئ أظلم! ألا تستحق شعوب المقاومة وجماهيرها رفع شعار الحصار بالحصار والتجويع بالتجويع والبادئ أظلم؟ أليست حروب العقوبات والحصارات والتجويع لخدمة إسرائيل الأوهن من بيت العنكبوت.. وهي اليوم أضعف بألف مرة مما كانت والمحور، أقوى بألف مرة مما كان.. فكيف يصرف الضعف والقوة إن جاعت الشعوب وقبلت التطبيع وبيع السلاح لإطعام الأطفال وتأمينهم…
الأمور ليست في سورية، وحدها باتت على حد السكين وامام الخيارات القاسية، فهي أيضا في لبنان والعراق واليمن وفي فلسطين، وقد بلغ الصراع العربي- الإسرائيلي حقبة الخواتيم، فلا إمكانية لاستمرار حالة اللاحرب واللاسلم والمعارك بين الحروب… فإسرائيل حزمت انتخاباتها وقررت أنها إما تكون أو تكون فلسطين وقضيتها، فالزمن الجاري والآتي لا يحتمل الإثنتان، والأوهام بالحلول الوسط والتسويات والدولتين والسلام الشامل والكامل والعادل، أصبحت في ذمة الماض وأفعال ناقصة.
الحرب والتهديد بها أطعم غزة، واضطر قطر لتمويل حكومة حماس وإسرائيل لتشغيل عشرات آلاف العمال الغزاويين، ومصر لإرسال المعدات لإعادة الإعمار…
الاستعداد للحرب والتلويح بها أمن للبنان، الترسيم وقرار الاستثمار ببلوك 9 ومشروع حقل قانا…
فهل الاستعداد للحرب والتهديد بها يطعم سورية ويؤمن المشتقات النفطية والكهرباء وتدوير عجلة الاقتصاد؟ أم أن ما يصح مع إسرائيل في لبنان وغزة لا يفيد في سورية؟ أو أن سورية لا تستحق؟ وهي التي قاتلت عن العرب والمسلمين وأمم العالم، وأرهقت أميركا وفاقمت أزمات العالم الساكسوني، وأسهمت بتوفير شروط ولادة العالم الجديد.
وإذا كانت الاستعدادات للحرب وحشد القوى والوسائط وإعداد الجيوش والصواريخ والمسيرات ما زال يحتاج إلى المزيد من الوقت! فهل تعدم سورية ومحور المقاومة الخيارات وتعجز ويعجزون عن ابتداع الوسائل والطرق الخلاقة لحماية الإنجازات وحفظ التضحيات وأهلها.
غدآ: عن بدائل لاحتواء الأزمة في سورية ومنع الانهيار بغير الحرب؟
…. يتبع



