انهيار الإجماع الأميركي على “إسرائيل”: تحول تاريخي في الرأي العام والسياسة الداخلية

من "دعم غير مشروط" إلى "انتقاد متزايد ورفض جزئي"... كيف يتآكل التأييد الأميركي ل"إسرائيل" داخل الولايات المتحدة؟

كتب أحمد سمير
شهدت الولايات المتحدة منذ حرب غزة في أكتوبر 2023 تحولاً دراماتيكياً في موقفها الداخلي تجاه إسرائيل، ما كان يُعتبر إجماعاً حزبياً شبه مقدس تحول إلى قضية مثيرة للانقسام العميق، بحلول 2026، أصبحت الصور المتواصلة للدمار في غزة، والحرب الطويلة، والتورط في مواجهات إقليمية (مثل مع إيران) تُغذي رفضاً شعبياً متزايداً، خاصة بين الشباب والديمقراطيين، هذا التحول ليس مجرد تغيير في “الرأي العام”، بل هو تآكل للشرعية الشعبية للعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل، مما يهدد استدامتها على المدى الطويل رغم استمرار الدعم الرسمي العسكري.
اللافت أن التحول لم يعد مقتصرًا على النشطاء أو اليسار التقدمي فقط، بل امتد إلى مسؤولين سابقين، ودبلوماسيين أميركيين، وإعلاميين كبار، وحتى شخصيات محافظة بدأت تتحدث عن “عبء التحالف غير المشروط” مع إسرائيل على المصالح الأميركية نفسها.


فى نفس السياق تشير البيانات الحديثة إلى تغير ملحوظ في نظرة الأميركيين لإسرائيل، فقد أظهرت “الدراسة الوطنية للانتخابات الأميركية” المنشورة عام 2025 أن 56% من الأميركيين يرون في إسرائيل مصدراً للتهديد، بغض النظر عن حجمه، مقابل 42% لا يعتبرونها تهديداً ،وتتفاوت تقديرات التهديد بين محدود (22%) ومتوسط (24%) وكبير وبالغ (16%) .
هذا التحول مرتبط بعوامل عدة، أبرزها المشاهد الصادمة للاعتداءات الإسرائيلية في غزة، ونزوع الأجيال الجديدة نحو تقييم العلاقات الخارجية من زوايا القيمة والكلفة والعائد بدلاً من السرديات التقليدية كما كشفت استطلاعات معهد بيو عن تنامي الانقسام العمري والحزبي حيال مكانة إسرائيل .

“الكنغر في غرفة العمليات”: هل أصبحت واشنطن فرعاً لتنفيذ أجندة نتنياهو؟
تفجّرت الأزمة عندما كُشف أن نتنياهو كان يتلقى إحاطات يومية من الإدارة الأميركية بشأن المفاوضات مع إيران، وهو ما اعتُبر بمثابة “استعباط دبلوماسي” و”خيانة للشعب الأميركي”، كما صرّح النائب الديمقراطي روهانا (Ro Khanna) الذي اتهم ترامب بارتكاب “خيانة أخلاقية” باستقبال نتنياهو في “غرفة العمليات” بالبيت الأبيض قبل إعلان الحرب على إيران، هذه الوقائع رسّخت إدراكاً واسعاً بأن القرارات المصيرية لأميركا لم تعد تُتخذ من أجل مصلحتها الوطنية، بل لمصلحة الأجندة الإسرائيلية التوسعية، ممثلة بشخص نتنياهو الذي تسارع الإدارة لإرضائه على حساب أسرار الدولة الأمنية.
إدارة بايدن:
الدعم العسكري والسياسي المستمر: رغم الانتقادات، تواصل إدارة بايدن تقديم الدعم العسكري لإسرائيل (مثل المساعدات بقيمة 14 مليار دولار في 2024)، لكنها بدأت تضغط بشكل متزايد على نتنياهو لوقف التصعيد في غزة والسماح بدخول المساعدات الإنسانية.


الانتقادات العلنية: بايدن نفسه وصف تصرفات إسرائيل في غزة بأنها “مفرطة” (أبريل 2024)، وأعلن عن وقف شحنة قنابل ثقيلة لإسرائيل في مايو 2024 احتجاجًا على الهجوم على رفح.،وزيرة الخارجية أنطوني بلينكن حذرت من “عزلة إسرائيل دوليًا” إذا استمرت الحرب.
الموقف من حل الدولتين: بايدن أكد مرارًا على ضرورة حل الدولتين، لكن نتنياهو يرفض ذلك علنًا، ما يزيد التوتر بين الطرفين.
انقسام حاد فى الكونغرس :
الديمقراطيون: جزء كبير من الحزب الديمقراطي (خاصة الجناح التقدمي) ينتقد إسرائيل بشدة. شخصيات مثل برنارد ساندرز، إلهان عمر، رشيدة طليب، وألكساندريا أوكاسيو كورتيز تدعو لفرض عقوبات على إسرائيل أو وقف المساعدات العسكرية، ساندرز وصف الحرب بأنها “كارثة أخلاقية” وطالب بوقف الدعم غير المشروط.
الجمهوريون: يدعمون إسرائيل بشكل مطلق، ويتهمون الديمقراطيين بـ”خيانة إسرائيل”. زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل وصف الانتقادات لإسرائيل بأنها “خيانة للقيم الغربية”.
التصويت على المساعدات: في أبريل 2024، أقر الكونغرس حزمة مساعدات لإسرائيل بقيمة 26 مليار دولار، لكن مع معارضة 37 ديمقراطيًا (منهم ساندرز وأوكاسيو كورتيز).
البنتاغون ووزارة الدفاع :
القلق من التورط في حرب إقليمية: مسؤولون في البنتاغون حذروا من أن الدعم الأميركي لإسرائيل قد يجعل الولايات المتحدة طرفًا في حرب مع إيران أو حزب الله.
التحقيق في استخدام الأسلحة الأميركية: في مايو 2024، فتحت وزارة الخارجية تحقيقًا في ما إذا كانت إسرائيل استخدمت أسلحة أميركية بشكل ينتهك القانون الدولي (مثل ضربات على المدنيين).

إنهيار “إجماع الحزبين” في الكونغرس: انشقاقات غير مسبوقة ورفض للمساعدات :
لم يعد الحديث عن دعم إسرائيل “خطاً أحمر” في السياسة الأميركية؛ فمع بداية عام 2026، صوّت 40 سيناتورياً ديمقراطياً لعرقلة صفقة جرافات (Bulldozers) لإسرائيل، ثم 36 ضد شحن قنابل، وهي أكبر عملية رفض في تاريخ الكونغرس للمساعدات العسكرية للكيان، هذا التحول ليس هامشياً؛ إذ بات 72% من الديمقراطيين يرون أن دعم إسرائيل أصبح مصدر انقسام في حزبهم، حتى أن بعض المرشحين للحزبين بدأوا يطالبون بوقف المساعدات العسكرية.

الإعلام المنحاز…. يخسر معركة الفضح:
كشفت دراسات أن قنوات مثل CNN وMSNBC كانت منحازة بشكل كبير لصالح الرواية الإسرائيلية،أصبحت أكثر انتقادًا لإسرائيل، خاصة بعد مقتل الصحفيين في غزة (مثل شيرين أبو عاقلة)، برامج مثل “The Mehdi Hasan Show” على MSNBC تنتقد إسرائيل بشكل صريح.
Fox News: تدعم إسرائيل بشكل مطلق، وتتهم الإعلام الآخر بـ”التحيز ضد إسرائيل”. مضيفون مثل تكر كارلسون (الذي غادر Fox) كانوا ينتقدون إسرائيل من منظور “أميركا أولًا”.
نيويورك تايمز وواشنطن بوست: نشرت تقارير عن “جرائم حرب” إسرائيلية في غزة، مع تغطية واسعة للمجازر (مثل مجزرة مستشفى المعمداني).
صحف مثل The Intercept: تنشر تحقيقات عن “تأثير اللوبي الإسرائيلي” (AIPAC) على السياسة الأميركية.
بودكاستات مثل “Pod Save America”: تستضيف شخصيات تنتقد إسرائيل، مثل جون ستيوارت الذي وصف الحرب بأنها “مذبحة”.


وسائل التواصل الاجتماعي: منصات مثل تيك توك وإنستغرام أصبحت منابر للشباب الأميركي (خاصة العرب والمسلمين) لمهاجمة إسرائيل، ما دفع الكونغرس لمحاولة حظر تيك توك بدعوى “التأثير الصيني” (لكن البعض يرى أن السبب الحقيقي هو الحد من الانتقادات لإسرائيل).

فى نفس السياق تم استُخدام مصطلح “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” 94 ضعفاً أكثر من الفلسطينيين، وتم تبرئة إسرائيل من تهم الإبادة أو وصف ما يحدث بأنه “جرائم حرب”، ومع ذلك، ومع استمرار المجازر، كشف الإعلام زيف هذا الانحياز؛ فبعد سيطرة الاحتلال على 262 صحفياً قتيلاً، بدأ الإعلاميون في فضح الانتهاكات الإسرائيلية التي كانت تغطّيها الوكالات الكبرى سابقاً،حتى “واشنطن بوست” اضطرت إلى تسريح كل مراسليها في الشرق الأوسط بعد اتهامهم بـ”التحيز لإسرائيل”، وسط تأكيدات بأنهم كانوا يوثقون الفظائع التي عجزت الإدارة عن مواجهتها.
مواقف الإعلاميين الأميركيين:
برز من بين الأصوات المنتقدة لإسرائيل المذيع والإعلامي المؤثر في الأوساط المحافظة تاكر كارلسون، المعروف بانتقاده لسياسة التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن “إسرائيل تخسر الحزبين الرئيسيين في واشنطن”، وأن أي انتصار ميداني قد ينتهي بهزيمة سياسية في العاصمة الأميركية .
تحولات في الخطاب الإعلامي :
أظهرت التحليلات أن وسائل الإعلام الأميركية تتعامل مع تغطية الحرب بمنظور يبدأ من 7 أكتوبر 2023، مما يعطي الأولوية للسردية الإسرائيلية ، لكن مع استمرار الحرب، بدأت تظهر أصوات ناقدة تطالب بتجاوز هذا الإطار.

الشارع الأميركي ينقلب… ليس فقط بسبب غزة بل بسبب “إيران” :
كشفت استطلاعات غالوب الأخيرة لهذا العام أن تعاطف الأميركيين تحول بشكل كبير نحو الفلسطينيين (41% للفلسطينيين مقابل 36% فقط لإسرائيل)، وهي المرة الأولى منذ عقدين يتفوق فيها الدعم الشعبي لفلسطين، لكن الأهم هو أن الحرب على إيران كشفت أن الجمهوريين أنفسهم بدأوا يتساءلون: هل نشنّ حروباً لمصلحتنا أم لمصلحة إسرائيل؟ النائب جيمس فيشباك قالها بصراحة: “نحن لا يجب أن نخوض حروب أي شخص آخر”.
احتجاجات الجامعات: في ربيع 2024، شهدت جامعات مثل كولومبيا وهارفارد وUCLA احتجاجات طلابية ضخمة ضد إسرائيل، مع إقامة “مخيمات غزة” وتنديد بـ**”الإبادة الجماعية”**، الشرطة تدخلت بعنف لفض الاعتصامات، ما أثار جدلًا واسعًا.
المقاطعة (BDS): حركة مقاطعة إسرائيل (BDS) تكتسب زخمًا، خاصة بين الشباب،شركات مثل ستاربكس وماكدونالدز تعرضت لمقاطعة واسعة بسبب دعمها لإسرائيل.
المسلمون والعرب الأميركيون: في انتخابات 2024، هددت جماعات مثل “مسلمون من أجل فلسطين” و**”أصوات عربية”** بمقاطعة بايدن إذا لم يغير سياسته تجاه إسرائيل، بايدن خسر أصواتًا في ولايات مثل ميشيغان بسبب موقفه.

المواقف القانونية : دعاوى قضائية ضد إسرائيل
جنوب أفريقيا رفعت دعوى ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية بتهمة “الإبادة الجماعية” (ديسمبر 2023)، وحصلت على قرار أولي بوقف الهجوم على رفح (مايو 2024).
في الولايات المتحدة، رفعت عائلات أميركية دعوى ضد إسرائيل بسبب مقتل مواطنين أميركيين في غزة (مثل الصحفية شيرين أبو عاقلة).
الضغوط على بايدن: جماعات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشونال تتهم إسرائيل بارتكاب “جرائم حرب” وتطالب بايدن بوقف المساعدات.
مستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية :
تراجع الدعم الشعبي لإسرائيل: استطلاعات مثل غالوب وبيو تظهر أن دعم الأميركيين لإسرائيل يتراجع، خاصة بين الشباب والديمقراطيين. في 2024، قال 44% من الديمقراطيين إنهم يدعمون الفلسطينيين أكثر من إسرائيل (ارتفاعًا من 26% في 2023).
الانقسام داخل الحزب الديمقراطي: الجناح التقدمي (مثل ساندرز وأوكاسيو كورتيز) يدفع باتجاه تغيير السياسة الأميركية، بينما الجناح المعتدل (مثل بايدن) يحاول الحفاظ على التوازن.
الضغوط الاقتصادية: بعض الولايات الأميركية (مثل كاليفورنيا وإلينوي) بدأت تدرس سحب استثماراتها من شركات تدعم إسرائيل، بينما ولايات أخرى (مثل فلوريدا وتكساس) تمنع مقاطعة إسرائيل.
هوليوود والفنانون يدخلون المواجهة قطاع الفن والثقافة الأميركي لم يبقَ بعيدًا عن الصراع :
مئات الفنانين والممثلين الأميركيين وقّعوا بيانات تنتقد الحرب في غزة، وتهاجم صمت المؤسسات الفنية الغربية.
كما شهدت حفلات وجوائز عالمية : احتجاجات علنية،مقاطعات رمزية،خطابات سياسية داعمة للفلسطينيين،انتقادات مباشرة للحكومة الإسرائيلية.
وهذا يعكس اتساع التحول الثقافي داخل قطاعات من النخبة الأميركية، خصوصًا بين الفنانين والشباب.
كيف تمكن نتنياهو من جرّ إدارة ترامب إلى حرب إيران رغم رغبة ترامب الواضحة في تجنب الصراعات؟
استغل نتنياهو بشكل ذكي نقاط ضعف الإدارة الأميركية، متخفياً خلف واجهة “محاربة الإرهاب” لخدمة أهدافه الوجودية. في فبراير2026، زار نتنياهو “غرفة العمليات” وقدّم لترامب سيناريوهات محكمة لـ”تغيير النظام” في إيران، مما استفز الرغبة الشخصية لترامب في تحقيق “إنجاز تاريخي”،ولكن عندما وقعت الحرب، انقلبت الطاولة: إسرائيل بدأت تتعامل كأنها الوكيل العسكري الأول لواشنطن، فرفض نتنياهو وقف إطلاق النار مع إيران وهاجم لبنان بقسوة، مما كاد يُفشل اتفاقاً بوساطة باكستانية،ترامب اضطر للتدخل شخصياً لـ”تبريد” نتنياهو، ولكن الضرر وقع؛ إذ أصبح واضحاً أن الكيان الإسرائيلي هو من يتحكم بسياسة واشنطن في المنطقة، وليس العكس.
لماذا يبدو أن الحزب الديمقراطي هو الأكثر تصدعاً في دعم إسرائيل رغم أن الإدارة جمهورية؟
لأن التحول في الحزب الديمقراطي هو نتاج تحول اجتماعي عميق وليس مجرد اختلاف تكتيكي، استطلاع CNN المبكر (2025) أظهر أن 59% من الديمقراطيين يريدون تقليص الدعم العسكري لإسرائيل، بينما يظل 7 من كل 10 جمهوريين متعاطفين مع إسرائيل حتى الآن، مع انخفاض بسيط، لكن أخطر ما في الأمر هو أن الشباب الديمقراطي أصبح معادياً للرواية الإسرائيلية بشكل شبه كامل؛ في استطلاع واشنطن بوست، 57% من الأميركيين اليمينيين بين 18 و49 عاماً لديهم نظرة سلبية لإسرائيل، مقارنة بـ24% فقط فوق 50 عاماً،مما يعني أن قاعدة الحزب الجمهوري التقليدية (كبار السن) لا تزال متمسكة بإسرائيل، ولكن الأجيال القادمة تنقلب عليها، مما يخلق شرخاً عمودياً داخل البيت الأبيض نفسه.
هل ما نراه تحول تكتيكي أم استراتيجي؟
استراتيجي في القاعدة، تكتيكي في القمة،القاعدة الشعبية، خصوصاً الشباب، غيرت قناعاتها جذرياً – 60% نظرة سلبية ليست رقماً عابراً. القمة السياسية ما زالت تشتري الوقت بصفقات سلاح، لكنها تضطر لتبريرها بـ”الأمن القومي” بدل “القيم المشتركة”هذا يعني أن الشرعية الأخلاقية لإسرائيل تآكلت، وما تبقى هو مصالح لوبي.
لماذا يتجرأ جمهوريون الآن على انتقاد إسرائيل؟
لأن كلفة الصمت صارت أعلى من كلفة الكلام،حرب غزة الطويلة، ومقتل جنود أميركيين في حرب إيران التي نُسبت لإسرائيل، جعلت القاعدة المحافظة تسأل: لماذا نموت من أجل تل أبيب؟ تاكر كارلسون يمثل هذا التيار الانعزالي الجديد الذي يرى إسرائيل عبئاً على “أميركا أولاً”.
إذا كان الكونغرس لا يزال يمرر السلاح، فهل التغيير حقيقي؟
نعم، لأن التشريع يتأخر عن المزاج،قرار ساندرز فشل، لكن 40 صوتاً ديمقراطياً ضد بيع السلاح لم يكن ممكناً قبل 2023،حتى مشاريع مثل “قانون الوقوف مع إسرائيل 2026″ و”H.R.3050 ضد مقاطعة إسرائيل” تُطرح كرد فعل دفاعي، لا كهجوم – دليل على شعور اللوبي بالحصار.
ماذا يعني هذا للعدو الإسرائيلي على المدى المتوسط؟
يعني فقدان الاحتكار، إسرائيل اعتادت أن واشنطن “تغطي” سياسياً وإعلامياً اليوم، عليها أن تقاتل على جبهتين: في غزة، وفي الرأي العام الأميركي. كل مجزرة جديدة تُترجم إلى أصوات في الكونغرس، وكل فيديو من الضفة يُترجم إلى مقال في نيويورك تايمز. هذا يضعف قدرتها على شن حروب طويلة دون ثمن داخلي أميركي.
ما أسباب هذا التحول السريع في الرأي العام الأمريكي؟
السبب الرئيسي هو الصور المباشرة عبر وسائل التواصل (TikTok، Instagram) للخسائر المدنية في غزة، التي أثرت بشكل خاص على جيل Z والألفيين،كما ساهمت الحرب الطويلة، والتورط في مواجهات إقليمية، والانتقادات لسياسات نتنياهو اليمينية،هذا ليس “معاداة للسامية” بالضرورة، بل رفض لسياسات محددة، مع تمييز واضح في الاستطلاعات.
ما دور “أمريكا أولاً” في اليمين الأمريكي؟
يمثل تحولاً داخل الجمهوريين: يرون إسرائيل كـ”عبء” يستنزف موارد أمريكا. توكر كارلسون وماسي يركزان على “اللوبي” (AIPAC) كمؤثر خارجي يضر بالمصالح الأمريكية،هذا يضعف الإجماع التقليدي.
هل يميز الأمريكيون بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية؟
نعم في الغالب، لكن الحدود غامضة ومثيرة للجدل، تقارير ADL تشير إلى ارتفاع حوادث معاداة السامية، بينما يرى النشطاء أن اتهامات “معاداة السامية” تُستخدم لقمع النقد الشرعي.
هل أصبح انتقاد إسرائيل أكثر قبولًا في أميركا؟
نعم، بدرجة كبيرة مقارنة بالماضي.
ما كان يُعتبر قبل سنوات “خطًا أحمر سياسيًا” أصبح اليوم جزءًا من النقاش العام، سواء داخل الإعلام أو الجامعات أو حتى الكونغرس.
لكن في المقابل، ما تزال هناك حساسيات شديدة مرتبطة باتهامات معاداة السامية، وهو ما يجعل هذا الملف بالغ التعقيد داخل المجتمع الأميركي.

ما يحصل في الداخل الأميركي ليس مجرد “فورة غضب عابرة”، بل هو تجسيد لانهيار المشروع الاستعماري الصهيوني حتى داخل معاقله الغربية، إسرائيل، التي راهنت على دعم أميركي غير مشروط إلى الأبد، وجدت نفسها اليوم في مواجهة انقسامات سياسية غير مسبوقة: الديمقراطيون يتخلون عنها، الجمهوريون يتساءلون عن جدوى تحالفاتها، والإعلام يكشف فضائحها، والشعب يفضّل الفلسطينيين عليها. حتى داخل الحلفاء الأقرب (اللوبي اليهودي الأميركي) لم يعد هناك إجماع؛ فـ 48% من اليهود الأميركيين يعارضون الحرب و39% يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، الأهم من ذلك، أن ما كشفته حرب إيران هو أن إسرائيل أصبحت “عبئاً استراتيجياً” على أميركا، حيث تورطها في صراعات لا نهاية لها، بينما تريد واشنطن التحول نحو المحيطين الهندي والهادئ. هذا هو مقتل التحالف؛ عندما يصبح “حليفك” أكثر تكلفة من عدوك، ما يجري داخل الولايات المتحدة لم يعد مجرد خلاف حول حرب في الشرق الأوسط، بل تحوّل إلى معركة عميقة حول هوية السياسة الأميركية نفسها:
المعركة القادمة لن تكون في تل أبيب، بل في ميشيغان وبنسلفانيا، في استوديوهات فوكس ونيويورك تايمز، في صناديق التبرعات. ومن يفهم هذا التحول، يفهم أن زمن الحصانة المطلقة للعدو الإسرائيلي في أميركا قد انتهى – حتى لو لم يسقط الدعم العسكري بعد.
هل تبقى واشنطن أسيرة للتحالفات التقليدية القديمة؟
أم أن الجيل الأميركي الجديد بدأ يعيد تعريف مفهوم العدالة والمصالح والتحالفات؟
السؤال الأخطر الآن ليس:
“هل تغيّر الموقف الأميركي الرسمي من إسرائيل؟”
بل:
“هل بدأت أميركا نفسها تتغيّر من الداخل بسبب غزة؟”

أجواء برس

“أجواء” مجموعة من الإعلام العربي المحترف الملتزم بكلمة حرّة من دون مواربة، نجتمع على صدق التعبير والخبر الصحيح من مصدره، نعبّر عن رأينا ونحترم رأي الآخرين ضمن حدود أخلاقيات المهنة. “أجواء” الصحافة والإعلام، حقيقة الواقع في جريدة إلكترونية. نسعى لنكون مع الجميع في كل المواقف، من الحدث وما وراءه، على مدار الساعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى