
قد حان وقت المراجعة – 6
بقلم: محمد حسن العرادي – البحرين
عندما تنتصر الحكومات على من ينافسها بالقهر والعنف والقوة، فإنها لا تحقق نصراً أزلياً أو مستداماً، ومهما بدى الأمر وكان الأمن قد استتب وان الخصوم قد خضعوا، فإن الحقيقة قد تكون غير ذلك، وربما تم تأجيل عملية الحسم إلى مراحل لاحقة،
قد تدوم فترة السكون أو الاستكانة مدة طويلة، لكن الأوضاع المحتدمة تعود من جديد، وقد تندلع معارك واشتباكات واحتجاجات مختلفة تكون أشد عنفاً من سابقاتها.
أجيال جديدة من الحاكمين والمحكومين تدخل إلى حلبة الصراع والتنافس والخلاف السياسي والاجتماعي، عوامل جديدة مختلفة تساهم في تحديد موازين القوى الجديدة وتتحكم في نتائجها وتحدد المنتصر فيها، من كان يظن أن وسائل التواصل الأجتماعي الإلكترونية سيكون لها دور رائد وكبير في إشعال الثورات وتأجيج غضب المحرومين أو الغاضبين والمحتجين على أوضاعهم السياسية والمعيشية غير المقبولة لديهم، أو حتى تحشيد الجماهير حول قضايا مجتمعية واجتماعيه محددة، ولنا أن ننظر ونشاهد عبر شاشات الإعلام ما يحدث من إلتفاف حول قضية فلسطين في العالم وكمية التضامن الجماهيري معها في انتصار للسردية الفلسطينية على المزاعم والأكاذيب الصهيونية، بعد أن ظن المحتل بأنه قد حقق النصر المبين.
إن القضايا السياسية الكبرى التي تهز العالم اليوم وتقض مضاجع كثير من الحكومات لم تعد تدار بأيدي الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية المنظمة فحسب، فلقد تمردت كثيرٌ من الجماهير على قادتها وانطلقت هادرة ترسم خطوطاً جديدة، وتحدد أولوياتها حسب انفعالاتها وإحساسها بالظلم أو رؤيتها لأولويات السلم الاجتماعي، وفهمها لأسس العدالة من منظور يختلف عما تراه السلطات الحاكمة.
وهكذا فإن على الحكومات قاطبة وخاصة في الوطن العربي المشتعل بالاضطرابات السياسية والاجتماعية والحروب منذ عقود، أن تُعيد النظر في كيفية احتضان الشعوب والتصالح مع مكوناتها، وإقناعها بما تفعله وما تتخذه من إجراءات تلبي المصالح العامة وتحمي مستقبل الجميع، وذلك لن يتأتى ويتحقق إلا بتحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية المبنية على غرس القيم والقناعات القائمة على سياسات حكيمة تحقق الشراكة المجتمعية وتراعي تحقيق الإنصاف، وتثبيت أسس وقواعد الحكم الرشيد القائم على الحوار والتفاهم والتسويات المُرضية والمُقنعة لجميع المكونات والفئات.
إن الناس ليسوا متمردين بطبعهم، أو بسبب حبهم للصدام والمواجهات، فالأصل في سلوك الإنسان حبه للسكينة والإستقرار والطمأنينة التي تضمن له ولأسرته وللمكون الذي ينحدر منه والشعب الذي ينتمي إليه الأمن والأمان والعدالة والمستقبل الآمن، ولا يمكن أن يُستفز شعب ما أو مكون ما أو فئة ما، ويلجأ للخروج على السلطات، ويطالبها بتغيير الأوضاع أو إستبدالها، بدون مبررات مؤثرة وحاسمة، حتى لو لم تكن تلك المبررات محسوسة لدى السلطات الحاكمة ومؤسساتها.
لقد آن الأوان أن يترك للناس التعبير عن طموحاتهم وآمالهم بشفافية وصراحة دون وجل أو خوف أو خجل، وآن للحكومات أن تدرس أفضل الطرق لتلبية احتياجات مجتمعاتها بعيداً عن لغة الإرغام والسيطرة والتحكم المبني على فرض الاواقع بالقوة مهما كانت تلك القوة مؤطرة ومصاغة على شكل قوانين وتشريعات، ذلك أن الحياة لها قوانينها الانسانية التي تتمرد على الأطر والأنظمة التي لا تحترم ولا تُلبي حقوقها الطبيعية وتُراعي إنسانيتها، ولا تتماشى مع تطلعاتها المستحقة، وذلك لن يتأتى سوى باتقان فن الاستماع وادارة الحوار ونشر ثقافة التعددية المبنية على المشاركة وليس على التفرد، وللحديث صلة.



