
وعد الزعيم مانديلا لن ولم يمت
كتب عيسى سيار *
مع بدأ محاكمة الكيان الصهيوأميركي- أوروبي العنصري في محكمة العدل الدولية، يمكنني القول وبكل تجرد ومن خلال بعض الشواهد، إننا على قاب قوسين أو أدنى من وقف الكيان الصهيواميركي حربه الهمجمية الفاشية على غزة، وهي في تقديري بداية النهاية لإنكسار تاريخي للكيان الصهيواميركي، حيث ولأول مرة في تاريخ هذا الكيان يقف صاغرا منبوذا فى قفص الاتهام، وهو لم يذهب إلى لاهاى مخيرا بل مجبرا ومكرها بسبب اتفاقية منع الابادة الجماعية التي وقع عليها كشرط لانظمامه الى الأمم المتحدة! أن هذه المحاكمة ليست محاكمة للكيان الصهيوني فحسب، بل للمجتمع الدولي برمته المتواطئ مع الكيان الصهيوني والنظام الرسمي العربي المتخاذل بشكل خاص اللذاين وقفا صامتين ولم يحركا ساكنا أمام الجرائم الوحشية والابادة الجماعية والتهجير القسري والتطهير العرقي التي ما زال يرتكبه الصهاينة حتى اللحظة.
إن جنوب أفريقيا التي انتفضت أمام هول ما يجري وانتصرت للشعب الفلسطيني، لم يستغرب ما قامت به العارفين ببواطن الأمور، فما قاله الزعيم الروحي لجنوب أفريقي وأحرار العالم نيلسون مانديلا عن تحرير فلسطين: “نحن نعلم جيدآ أن حريتنا ناقصة من دون حرية الفلسطينين” شكل نبراسا لهذه الدولة لمواجهة الكيان الصهيوني قضائيا، بعيدا كل البعد عن المصالح الذاتية والبرجماتية السياسية، وبعيدا عن الساحات السياسية، حيث تقف أمريكا المارقة بالمرصاد لأي قرار من شأنه أن يوقف المجازر الصهيونية!، فجنوب أفريقيا التي شربت من كأس الفصل العنصري البغيض، وعانت الأمرين من والاضطهاد والابادة الجماعية لحوالى 350 سنة، هو نفس الكأس الذي يتجرعه الشعب الفلسطيني، وما زال ومنذ ما يزيد على الثلاثة أرباع قرن، حيث قررت جنوب أفريقيا أن ترسل رسالة الى العالم مفادها أنه يجب على المجتمع الدولي أن يحمي ويحصن قوانينه ومواثيقه وأن يقضي على أطول وآخر احتلال عنصري عرفته البشرية، وإلا فعلى المجتمع الدولي أن ينحنى صاغرا للكيان الصهيوني وإلى الأبد وأن يضع مواثيقه في سلة القمامة بجانب قذارة الكيان الصهيوأميركي ومن لف لفه.
لن أبالغ إن قلت وبتجرد إن جنوب أفريقيا قد كبلت الكيان الصهيوني بالأصفاد، وحتى قبل إصدار المحكمة حكمها في الطلب المستعجل أو الطلب الموضوعي اللذين تقدمت بهما جنوب أفريقيا رغم صلفه وغروره، حيث يرى هذا الكيان نفسه أنه فوق القانون، والدليل على ما ذهبت إليه الخلافات التي استشرت بين كافة مكونات المجتمع الصهيوني وجعلته في “حيص بيص” بسبب هذه الدعوى، وليس هذا فحسب بل جعلت أميركا المارقة وأوروبا الصلبيبة، ولأول مرة عاجزين عن نصرة هذا الكيان اللقيط لأنه وكما يقول المثل “إذا حكى الشرع فهم يأكلون تبن الآن” فجميعهم جالسون على خازوق لا يستطيعون تجنبه، فهم غير قادرون على مهاجمة محكمة العدل الدولية ولا جنوب أفريقيا لأنهم ما زالو وبالرغم من وقاحتهم وخستهم السياسية، يرون أنفسهم نموذجا يحتذي به فى تطبيق القيم النبيلة كالديمقراطية والعدالة والمساواة!
إن ساحة القضاء النزيه هي الساحة الوحيدة التي تجب السياسية وتغل يدها إلى حد كبير، فلا صراخ ولا فيتو ولا مساومات تنفع. ولكن تجدر الإشارة بنا بأنه علينا أن نتفاءل بحذر، وأن لا نقلل من حجم الضغوطات السياسية الكبيرة التي تمارس على المحكمة من قبل الدول النافذة كأميركا وبعض الدول الغربية والكيان الصهيوني، وذلك من خلال الضغط على القضاة الذين بمثلون تلك الدول الشريكة مع الكيان الصهيوني في حربه على غزة.
ونحذر هنا من عدم قدرة المحكمة على إصدار الأحكام العادلة وذلك كردة فعل لتلك الضغوطات؛. لقد باتت مصداقية المنظومة الدولية القضائية على المحك، وعليها أن تثبت بأنه لا أحد فوق القانون، وميزان العدالة سوف يبقى مستقيما وحاميا ومنتصرا للمظلوم، وإلا سوف يتحول العالم إلى غابة لا تخضع لأي قوانين أو مواثيق، حينها يتوجب البحث عن نظام عالمي جديد، والذي في تقديري آخذ في التشكل بعد الحرب الروسية- الاوكرانية وبعد توسع منظومة او نادي بريكس.
إن وعد الزعيم مانديلا سيتحقق شاء من شاء وأبى من أبى، طالما أن أطفال جنوب أفريقيا وأطفال فلسطين وأطفال أحرار العالم يرضعون الحرية ومقاومة الظلم والطغيان من ثدي أمهاتهم.
فمن يرفع الشراع؟
* باحث وأكاديمي بحريني
ملاحظة: حقول المقال محفوظة للكاتب، ومن يرغب في إعادة نشر المقال له الشكر والتقدير، ولكن من دون إضافة او تعديل.



