
هل يمكن تفكيك منظومة التطبيع – 6
بقلم محمد حسن العرادي – البحرين
لقد إستمر المخطط الصهيوني المدعوم أمريكياً في الضغط وممارسة الإبتزاز على الدول العربية، لا سيما تلك الدول التي كانت تشكل فيما مضى من الوقت محور الصمود والتصدي ” العراق، سوريا، ليبيا ، اليمن” ، فأمعنت أميركا في إستهدافها وحصارها براً وبحراً وجواً وأشعلت على أرضها الحروب الأهلية المدمرة، والمؤامرات التي قادتها المنظمات الإرهابية المؤلفة من الدواعش والمرتزقة المستوردين من كافة بقاع الأرض.
وكان الهدف تمزيق أوصال هذه البلدان وتقسيمها كما حدث للسودان الذي أصبح سودان جنوبي وسودان شمالي، ويخطط له بالتقسيم مجدداً تحت وقع الحرب الجارية حالياً لفصل أقليم دارفور غربي السودان، أما الدول الأخرى فقد كانت ولا تزال تعاني من المؤامرات والحروب من أجل إضعافها وإخضاعها وإدخالها إلى حضيرة التطبيع، لكنها لاتزال صامدة رغم إرتفاع الكلفة ودفع باهض الأثمان.
في هذا السياق زُج بالعراق في حرب دموية إستمرت ثماني سنواتٍ عجاف مع الجارة المسلمة إيران، أكلت الأخضر واليابس في كلا البلدين وأسفرت عن مقتل أكثر من مليون مواطن عربي ومسلم، وإستنزفت ثروات ومقدرات وأموال طائلة، ثم لما وضعت الحرب أوزارها في العام 1988، تم التغرير ثانيةً بالنظام العراقي والدفع به لإحتلال الكويت في 2 من أغسطس 1990 من أجل القضاء على القوة والخبرة التي أصبح يمتلكها الجيش العراقي في الحرب، ومخافة أن ينفجر الوضع فيه بإتجاه الأراضي الفلسطينية عبر إجتياز الأردن.
لقد كانت دولة الكويت العزيزة ضحية ومصيدة للقوات العراقية، فكما تم احتلال الكويت وتشريد شعبها الشقيق خارج أرضه وبلده على يد القوات العراقية بأوامر وقيادة مباشرة من الريس صدام حسين، وقد تم إبادة آلاف الجنود العراقيين في تلك المغامرة المجنونة، والسيطرة على أغلب دبابات وآليات وأسلحة الجيش العراقي الذي جرد من جميع أسباب القوة، كنوع من العقاب والإنتقام وربما بسبب ايقاف الحرب مع ايران التي كان يراد لها أن تستمر لفترة أطول حتى تستنزف المزيد من المقدرات والثروات في المنطقة.
وكانت نتيجة احتلال الكويت هي تفكيك وتدمير الجيش العراقي وفرض الحصار القاتل على شعبه حتى يسهل القضاء عليه واخراجه من معادلة الصراع، وفي هذا السياق جاء إعدام أكثر من 150 ألف جندي عراقي اثناء انسحابهم، وبدم بارد بأوامر من الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، على طريق الكويت البصرة “طريق الموت” ، تبع ذلك تجويع الشعب العراقي ومحاصرته عشر سنوات بأكملها، قُضي فيها على أطفال العراق جوعاً ومرضاً، حتى كانت لحظة الضربة القاضية للعراق عن طريق الغزو والاحتلال الأميركي المباشر في العام 2003، بعد ان سوقت أمريكا كذبة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، فكان أن دُمر ما تبقى من قوة وسيادة لهذا البلد العربي الابي.
وبعد أن عمت الفوضى وساد الخراب في العراق العظيم بلد ما بين النهرين ومهد الحضارة الإنسانية، تم تسليم مساحات واسعة منه لجحافل الدواعش عملاء الإستخبارات الأميركية المدعومين والمسنودين بشكل مباشر من قبلها، حتى احتلوا أكثر من ثلث مساحة العراق وسيطروا على العديد من المدن المهمة الكبرى كالموصل، وأعلنوا عن إقامة دولة إرهابية مزيفة همها القتل والإبادة والتصفيات العرقية والمذهبية، وتم تشويه صورة الإسلام السمحاء الذي قُدم بصورة دموية بشعة (ربما لتبرير المجازر الصهيونية)، الأمر الذي قاد الى تهجير ملايين العراقيين عبر البحار والحدود خارج بلدهم هرباً من القتل والتنكيل.
وها هو العراق المهشم يعيش إلى اليوم الاضطرابات السياسية والانفلات العسكري المستمر الذي أتاح للقوات الأميركية البقاء والسيطرة من خلال القواعد العسكرية المنتشرة فوق أرضه، بحجة محاربة الارهاب (الذي صنعته ورعته ثم ادعت مكافحته) كي لاتقوم للعراق قائمة ولا يستطيع المشاركة في أي معارك ضد الكيان الصهيوني، ورغم كل ذلك رأينا العراقيين يتمردون ويسطرون بطولات وجولات مجيدة ضد القواعد الأميركية في العراق وسوريا، الأمر الذي يثبت بأن هذه الأمة تستطيع أن تنهض من جديد وتحطم مخططات الهيمنة والاستعمار الجديد.
ورغم استمرار مؤامرات التركيع والإذلال، فإن الشعوب العربية قادرة على استعادة المبادرة ، وتجاوز التحديات وكشف المؤامرات التي حاكتها ولا تزال تحيكها دوائر الإستخبارات الأميركية الصهيونية والغربية، بهدف دعم الوجود الصهيوني الإرهابي العنصري ليستكمل دوره في كسر كرامة هذه الأمة والسيطرة عليها وعلى مقدراتها، فهل نستكين لهذه المؤامرات أم نُعيد ترتيب حساباتنا ونعزز من وحدتنا من جديد، ونعمل على تفكيك منظومة التطبيع في المنطقة.
لقد قال الشعب العراقي كلمته الحاسمة رغم التدمير الممنهج الذي تعرض له طوال خمسة عقود متواصلة، رافضاً التطبيع بكافة اشكاله وصوره، الأمر الذي يؤكد بما لايدع مجالاً للشك بأن التطبيع مع الصهاينة ليس قدرنا مهما عملت الولايات المتحدة الأمريكية على فرض اجنداتها الداعمة للصهاينة، فها هو البرلمان العراقي يصوت بالاجماع على رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وها هي الحكومة العراقية تأبى الخضوع للإملاءات الأميركية الرامية الى جعل التطبيع واقعاً، ثم تأتي مشاركة فصائل المقاومة الإسلامية العراقية في إسناد الشعب الفلسطيني في معركة طوفان الاقصى دليلاً حاسماً على أن التطبيع لن يمر من العراق تحت اقسى الاوضاع والظروف وللحديث صلة.



