
هل حان وقت المراجعة – 1
بقلم محمد حسن العرادي
لأسباب ذاتية صرفة توقفت عن كتابة عمودي شبه اليومي بعنوان”عراديات” بعد نشر مقالي بعنوان: “تطوير النظام الإنتخابي في البحرين” بتاريخ 25 مايو 2025، واليوم مع تشجيع العديد من الأصدقاء والمتابعين أجدني أعود للكتابة من جديد، علها تكون نافذة أستطيع من خلالها إثارة بعض النقاشات والحوارات الهادفة التي رادي تساهم في أحداث تغيير إيجابي بسيط.
لقد أخترت العودة من باب ملامسة بعض الخطوط الحمر التي لا تزال تحكم المشهد، والتي وضعتها شخصيات سياسية وازنة بقيت مواقفها تراوح مكانها حيال العديد من المسائل منذ قررت المعارضة الانسحاب من المجلس النيابي والمجالس البلدية، إثر أحداث ما عرف بالربيع العربي، الذي مر على أعتابنا مثل تسونامي عاصف دمر الكثير واقتلع منا الأمل وزرع بديلا له اليأس والإحباط في 14 فبراير 2011، ثم غادرنا ذلك الموج الهادر بعد أن ترك جروحاً غائرة نازفة لما تندمل طيلة 15عاماً من الصبر والانتظار والتصبر الكاذب، الذي تم ترويجه بين الناس، فإذا به يزيد من خسائر المجتمع ويعطل الكثير من قدرات أجيالٍ من أبنائنا وبناتنا كانوا الضحية لتلك الفورة غير المتزنة وغير الحصيفة وغير المدروسة أبداً.
لقد خُدعنا بشعارات الثورات الملونة، التي ربما وقفت خلفها وغذتها أجهزة مخابرات دول غربية عديدة أرادت أن تستفزنا وتجر شعوبنا إلى الثورة بدون أية أجندات واقعية، فانخرط الكثير من أبنائنا وبناتنا في التظاهرات والمسيرات والاعتصامات التي انتشرت كالنار في الهشيم، وكأننا نكتشف التظاهرات للمرة الأولى في حياتنا، ثم إرتفع سقف المطالب حتى لم يعد له حدود وبالغ البعض في أفعاله آخذا الجميع إلى مواقف هددت كل ما هو موجود ومستقر ، ولم تعد قيادات الحراك قادرة على أن تمسك دفة المسيرات والاعتصامات وردود الأفعال، فإنفلشت وإنقسمت المواقف والجماعات وصارت تتحرك في كل إتجاه دون تنسيق ودون أفق أو رؤى مشتركة.
أصبحت القيادات حتى الخبيرة منها تسير خلف الشارع، والشارع يمارس التجربة بدون حكمة ودراية وإتزان، تبرز الأفكار، وربما تدس بين الشباب المتفلت من أية ضوابط بانفعال وإندفاع تعوزهم الخبرة ولم يجدون من يوقفهم، فيتمادون بلا ضوابط وبدون أي خارطة طريق تستكشف لهم ما هو قادم، وسرعان ما يتم التنفيذ، إغلاق شوارع وطرقات ومناطق سكنية وتجارية، تعطيل مصالح ومعاملات، توقيف مدارس ومستسفيات ولا أحد يعرف النتائج والمآلات، وكأن نعيق غراب البين كان هو الصدى الذي يتردد في الأرجاء، فلم يعد المشاركون في الحراك يسمعون غير الضجيج والمستقبل الثوري الذي صور لهم، رغم أنهم لا يرونه ولا يعرفون شكله، ولا يدركون أن دعوات الغربان السوداء لا تقود سوى إلى الخراب.
لست هنا لأوجه الاتهامات إلى أحد بعينه، رغم أن كثير من الشخوص معروفة أدوارها والأضرار وربما الكوارث التي تسببوا بها، لكني أشير إلى أن الحكمة قد صمتت والحصافة قد تجمدت في تلك الفترة، حتى لم يعد أحد بقادر على أن يتأني .. يفكر في العواقب .. يحسب الخسائر والمكاسب، كان الصوت العالي هو المسيطر وبريق السلطة اللامع يدغدغ أدمغة بعض أصحاب التطلعات والحسابات والأجندات الخاصة، حتى أن أطفالاً وصبياناً في ريعان شبابهم صاروا يفكرون في من ينصبونه هنا أو يختارونه هناك، ثم إنحدر الأمر حتى إعتبر البعض أن السلطة قد انتهت وأنه آن الأوان لاختيار البديل، فراحوا يناقشون شكل النظام الجديد وكأنهم في عالم لا يضم غيرهم.
أية اندفاعة طفولية متطرفة تلك التي سيطرت على الساحة، حتى خرست الأصوات وسلمنا جميعاً قيادنا لمن لا نعرفهم، أولئك الذين يجتمعون سراً ويتخذون القرارات بالتصعيد والصدام ورفع وتيرة المواجهة مع الدولة في كافة المجالات، وكأن مجتمعنا قد ولد من العدم بدون تاريخ وبلا أي تجارب، حتى تقبلنا أن ننقاد عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا نعرف من يحركها والأغراض التي يرمي إليها.
والغريب أن قيادات سياسية ذات خبرة وتجربة كبيرة قد إنخرطت في التفاعل والإنقياد الأعمى فصارت تتحرك مع الأمواج البشرية لا تلوي على شيء، ولا تستطيع أن تعدل المسار والاختيار حتى وقع الفأس في الرأس وبانت الأمور على حقيقتها، حين إنحسرت موجات الثورات الملونة الموجهة والمفتعلة في كل مكان من الوطن العربي، بعد أن أدت أغراضها وأدوارها السيئة وإنتهى مفعولها ومهمتها غير المقدسة التي أسفرت عن آلاف من المعتقلين والمهجرين والمطاردين وعشرات من الضحايا والأمهات الثكالى والأطفال الأيامى ..
فإلى متى الصمت ومن أين نبدأ العلاج .. وهل حان وقت المراجعة بدون تخوين .. وللحديث بقية ..



