
وجدانيات… النزوح
كتب منجد شريف
في دوحة الحص، حيث لجأتُ خلال الحرب، لم تكن الإقامة مجرد ابتعاد جغرافي عن الخطر، بل كانت انتقالاً قسرياً نحو فسحة من التأمل. هناك، وسط طبيعة ربيعية مدهشة، بدا المشهد كأنه محاولة خجولة من الحياة لتعيد ترتيب نفسها بعد كل هذا الخراب.
مع ابتعادي عن النادي وصعوبة الوصول إليه، قررت أن أستبدل الحديد بالمشي، والتمارين بالمسارات المفتوحة. جمدت عضويتي لشهر، لكنني فعلياً فتحت عضوية أخرى مع الطبيعة. صرت أقطع يومياً ما بين ستة إلى عشرة كيلومترات، بحسب التضاريس وانحناءات الطرق، كأنني لا أمارس الرياضة فقط، بل أبحث عن توازن داخلي فقدته تحت ثقل الأيام.
ولأني لا أستطيع أن أمشي بلا معنى، حملت معي مقصاً صغيراً للأشجار، وبدأت أختار من بين الزهور التي أصادفها باقاتٍ عفوية. لم يكن الأمر قطفاً بقدر ما كان حواراً صامتاً مع الجمال. كل وردة كنت أختارها كانت تقول شيئاً مختلفاً: عن الصبر، عن النهوض، عن البقاء رغم كل ما يحدث.
شيئاً فشيئاً، صار المشي طقساً يومياً يجمع الرياضة بالدهشة، والجهد بالفرح. وبدأت ألاحظ تفاصيل لم أنتبه لها من قبل: تدرجات البنفسجي التي لا تنتهي، من الفاتح إلى الداكن حتى الغامق العميق، كأنها طبقات من المشاعر نفسها. أما الأحمر والأصفر، فبقيّا واضحين، مباشرين، كأنهما يصرّان على البقاء كما هما دون تردد. وحده الأخضر كان الحاضر الدائم، اللون المشترك بين الجميع، كأنه لغة الطبيعة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة.
في لحظات التأمل هذه، كانت الحرب تدخل إلى الذهن كظلّ بعيد، ليس لتُرعب، بل لتُقارن. كيف يمكن لهذا الجمال أن ينبت من أرضٍ شهدت كل هذا الدمار؟ وكيف يمكن للحياة أن تستمر بهذا الإصرار، رغم كل من يحاول إطفاءها؟
ربما هنا تكمن الإجابة البسيطة والمعقدة في آن:
أن الحرب مهما طال حضورها، ليست قدر الطبيعة الأخير. فكما تعود الزهور كل ربيع، حتى بعد أقسى الفصول، يعود الأمل أيضاً، لا كخطاب كبير، بل كباقة صغيرة تُنتزع من على جانب طريق.
وهكذا، بين خطوة وأخرى، وبين زهرة وأخرى، يتشكّل يقين هادئ:
أن ما ينكسر يمكن أن يزهر مجدداً، وأن هذه الأرض، مهما أثقلتها الحروب، ما زالت قادرة أن تُفاجئنا بالحياة.



