
أحاديث وشجون بحرينية – 3
كتب محمد حسن العرادي
أحزنني كثيرا الحال التي وصفها صديقي العزيز عن مدى الغبن الذي يشعر به أبناء الوطن نتيجة شعورهم بعدم تمكنهم من تحقيق الأمن والأمان في وطنهم، وخاصة الأمن الوظيفي المفقود لدى عدد كبير من شباب البحرين الذين بدأت أعناقهم تتطاول وتمتد ناحية دول الجوار تارة والبلدان الأوربية ذات الفرص المغرية للهجرة تارة أخرى، خاصة وأن معظم هذه الدول تعيش حاجة ماسة الى الكفاءات وحملة الشهادات والخبرات القادرة على سد الفراغ الكبير الذي تعاني منه هذه الدول نتيجة انخفاض معدلات الانجاب والتكاثر والنمو السكاني.
لكن هذا الشعور بالحزن بدأ يكبر ويتسع ونحن نرى أبناءنا يصبحون الداء والدواء، فهم يشكلون مشكلة عويصة لا تزال عالقة منذ سنوات بسبب عدم قدرتنا على تحقيق طموحاتهم بمستقبل آمن في بلادهم، حتى أصبحت مشكلتهم بمثابة الابتلاء والداء العضال الذي صار يُقلقنا ويُربكنا، لكن هذا الداء جاء فرجاً للآخرين بسبب الجهود الكبيرة والاستثمار الذي بذلناه في تعليمهم وتأهيلهم، لكنهم اليوم أصبحوا صيداً سهلاً تتحينه دول المهجر المتربصة لاستقطاب الخريجين من أبنائنا ليكونوا دواء لمشاكل تعاني منها تلك الدول ، وكأننا أصبحنا مصداقاً للأغنبة الشعبية التي تعنى بها المطرب الراحل محمد حسن” بان الصبح بانية واية .. عندي دوى الناس ما عندي دوى روحي واية” .
عندما التقيت صاحبي هذه المرة حاولت تفادي الحديث معه، لكنه رفع صوته منادياً ” حياك … حياك أبو حسن … لا تغاور ” ترى المشكلات ما تنحل بروحها، عليك بمواجهة الأمور بشجاعة كما تنادي أنت دائماً، وعندما تفتح موضوعاً شائكاً وجُرحاً غائراً مؤلماً في النفس، إياك … إياك أن تتهرب منه، قل لي بربك ماذا نفعل بأبنائنا الذين عشمناهم بمستقبلٍ مضمون حتى إجتهدوا وأنجزوا واجباتهم وفروضهم الدراسية على أكمل وجه وحققوا الشهادات العليا، لكننا أشحنا بوجوهنا عنهم تفادياً للاحباط الذي يسكنهم.
حاولت التملص لكنه حاصرني بالأسئلة، فاضطررت للجلوس الى جانبه جلسة التلميذ النجيب، لكنه رغم ذلك لم يراعي شعوري بالهزيمة وإقراري بالعجز، فقد واصل قائلاً، تلومني عندما أخبرتك بأنني وزوجتي قررنا إنجاب إبن واحد فقط وتتهمني بعدم الاهتمام بمستقبل البلاد، وانني خائف على الرزق الذي هو بيد الله تعالى، وانا لا اشك بذلك أبداً، لكن قل لي بربك: هل الرزق الذي تتكلم عنه يتمثل فقط في الأكل والشرب والنوم والاستيقاظ، ورسم الابتسامات البلهاء على وجوهنا، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا، بات اكثرنا يتعجله نتيجة اليأس الذي نعيشه.
يا سيدي الكريم، إن جميع مخلوقات الله سبحانه وتعالى تأكل وتشرب وتتناسل أيضاً، لكننا نحن البشر الذين أنعم الله علينا بنعمة العقل والتفكير مطالبون بدور أكبر من ذلك، لقد خلقنا الله لنعمر الأرض، هل تستطيع إخباري كيف سنساهم في إعمار الأرض ونحن عاطلون عن العمل، عاجزون عن تطوير قدراتنا ومستويات حياتنا، وحياة أبناءنا الذين يشكلون الأجيال الجديدة من مجتمعنا وعالمنا، أليست هذه سنة من سنن الحياة أن نفرح لأن أبنائنا استطاعوا تحقيق ما لم نتمكن من انجازه في مشوارنا الكئيب.
اليوم أبناءنا يقولون لنا ان أيامكم كانت أفضل من أيامنا، كنتم تجدون وظائف تنتظركم، تجدون من يقدركم ويفرح بكم، كنتم تتزوجون في سن مبكرة وتنجبون في سٍن مُبكرة، مطمئنون لأن أبناءكم يكبرون إلى جانبكم، تسافرون معهم وتتبادلون معهم الخبرات وتجارب الحياة، لان الفروقات العمرية بينكم كانت كانت لا تتعدى 20 سنة، بينما الفروقات بيننا وبين أبنائنا لن تقل عن 40 سنة، كيف نستطيع التفاهم معهم، هذا إن أستطعنا إنجابهم اصلاً.
كان صاحبي متشنجاً جداً، وقد شعرت بأنني أتعرض الى هجوم إنساني قاسي جداً، وفي الحقيقة كنت متفهماً لكل ما يقوله تماما، حتى أنني لم أجد تعليقاً أرد به على كلامه، لذلك أثرت الصمت والاستماع، وحين فرغ من توحيه شحناته الغاضبة كنت كمن تلقى في جسمه عدداً كبيراً من اللكمات والصفعات التي أثخنتني بالجراح والإرهاق، لذلك طلبت منه أن نؤجل إستكمال جولة الحوار الى وقت لاحق، وبصعوبة بالغة إتفنا على أن للحديث صلة.



